كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

عقيدة الشيعة في القرآن

 

كل من يريد أن يعرف عقيدة الشيعة في القرآن، ويتحقق فيه ويبحث لا بد له من أن يرجع إلى أمهات كتب القوم ومراجعهم الأصلية في الحديث والتفسير حتى يكون منصفاً في الحكم، وعادلاً في الاستنتاج، لأنه عليها مدار عقائدهم ومعول خلافاتهم مع الآخرين، وبالتمسك برواياتهم التي رووها حسب زعمهم عن أئمتهم المعصومين من سلالة علي رضي الله عنه من طرقهم الخاصة وأسانيدهم المخصوصة يتميزون عن الفرق الأخرى من المسلمين كما قال شيعي معاصر في الرد علينا:

أما ديننا فهو منزه من كل ما يشين ويزري لأن أصوله وفروعه ممتدة من أهل بيت النبي الذين هم أدرى بما عند النبي، وأدرى بما في القرآن الذي تنزل على جدهم، والذين هم خزانة علمه، وباب حكمته، وتراجمة وحيه، وأولهم علي بن أبي طالب الذي هو أخو الرسول وصهره ووصيه والمطلع على جميع أسراره، والذي احتاج إلى علمه كل الصحابة بما فيهم الخلفاء ولم يحتج هو لأحد منهم، والذي قال فيه شوقي:

نفس النبي المصطفى وفرعه          ودينه عند اللقا وشرعه

العمران يأخذان عنه                  والقمران نسختان منه

ولا خير في دين لم يستند لهذا البيت الذي قرنه رسول الله مع كتابه المجيد وجعلهما سبب الهداية للبشر ما إن تمسكوا بهما ولن ينفلك بعضهما عن البعض" ["كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص98، 99 ط دار الزهراء بيروت].

وأيضاً: فأهل البيت الذين هم منبع ديننا ومرشدوا أحكامنا" ["كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص114].

وقال آخر:

والشيعة لا ذنب لهم غير ولائهم لعترة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتمسك بهم، وبسيرتهم" ["صوت الحق ودعوة الصدق" للطف الله الصافي ص38 ط بيروت].

هذا ومثل هذا التفاخر كثير وكثير، وكتب القوم كلها مليئة منه، ولكننا اكتفينا بعبارة الاثنين الذين تصديا للرد علينا.

فيلزم الباحث المنصف أن لا ينسب شيئاً إلى القوم إلا أن يكون ثابتاً من أئمتهم، والظاهر أنه لا يثبت إلا حينما يكون وارداً في الكتب التي خصصت لإيراد مروياتهم وأحاديثهم، وهذه الكتب إما أن تكون من كتب الحديث أو التفسير، وخاصة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحتها أئمة القوم المعصومين.

ونحن نلزم أنفسنا في هذا الباب أن لا نورد شيئاً إلا ويكون صادرا من واحد من الأئمة الاثنى عشر، ومن كتب الشيعة أنفسهم المعتمدة لديهم والموثوقة عندهم، لبيان أن الشيعة في عصر الأئمة قاطبة من بكرة أبيهم ولا أستثني منهم واحداً كانوا يعتقدون أن القرآن محرف ومغير فيه، زيد فيه ونقص منه كثير.

فنبدأ من (الكافي) للكليني، الذي قيل فيه:

هو أجلّ الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليها، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي المتوفى سنة 328ه‍" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآغا بزرك الطهراني ج17 ص245].

و"هو أجلّ الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى محمد أمين الاسترآبادي في محكي فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام تاب يوازيه أو يدانيه" [الكنى والألقاب" للعباس القمي ج3 ص98، ومثله في "مستدرك الوسائل" ج3 ص532].

وأيضاً "الكافي . . . . أشرفها وأوثقها، وأتمها وأجمعها لاشتماله في الأصول من بينها، وخلوه من الفضول وشينها" ["الوافي" ج1 ص6].

وذكر الخوانساري أن المحدث النيسابوري قال في الكافي:

"ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع (الكافي) في مدة عشرين سنة، المتوفى قبل وقوع الغيبة الكبرى  في الآخرة والأولى، وكتابه مستغن عن الإطراء، لأنه  كان بمحضر من نوابه عليه السلام وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب (الكافي) لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنف وشنف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا" ["روضات الجنات" ج6 ص116].

وقال الحسين على المقدم عن (الكافي):

يعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم (أي الإمام الثاني عشر الغائب المزعوم) صلوات الله عليه، فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا" [مقدمة "الكافي" ص25].

و"روى الكليني عمن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت عليهم السلام ورجالهم ومحدثيهم، فكتابه خلاصة آثار الصادقين عليهم السلام وعيبة سننهم القائمة" [مقدمة "الكافي" ص25].

هذا قليل من كثير مما قالوه في كتابه

وأما ما قالوه فيه، فقال النجاشي:

شيخ أصحابنا في وقته بالرأي، ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم" ["رجال النجاشي"].

وقال ابن الطاؤس:

الشيخ المتفق على ثقته وأمانته، أبلغ فيما يرويه، وأصدق في الدراسة" ["كشف المحجة" ص258 و"فرج الهموم" ص190 نقلاً عن مقدمة الكتاب].

وقال القمي:

كان مجدداً مذهب الإمامية على رأس المائة الأولى محمد بن علي الباقر (ع) الإمام الخامس عند القوم -، وعلى رأس المائة الثانية علي بن موسى الرضا (ع) الإمام الثامن عندهم -، وعلى رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني" ["الكنى والألقاب" ج3 ص99، أيضاً "روضات الجنات" ج6 ص111].

وقال الخوانساري:

وبالجملة فشأن الرجل أجل وأعظم من أن يختفي على أعيان الفريقين، أو يكتسي ثوب الإجمال لدى ذي عينين، أو ينتفي أثر إشراقه يوماً من البين، إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام. وفي الطريقة دليل الأعلام. وفي الشريعة جليل مقدام، ليس في وثاقته لأحد كلام، ولا في مكانته عند أئمة الأنام، وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل وإتقان الأمر، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمدين الثلاثة الذين هم أصحاب الكتب الأربعة، ورؤساء هذه الشرعة المتبعة" ["روضات الجنات" للخوانساري ج6 ص112].

فذاك هو الكافي وهذا هو الكليني.

فهذا الكليني يروي في ذاك الكافي:

عن علي بن الحكم عن هشام بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية" ["الكافي" للكليني ج2 ص634 كتاب فضل القرآن].

والمعروف أن القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، ومعناه أن ثلثي القرآن راح على أدراج الرياح، والموجود هو الثلث، ولقد صرح بذلك جعفر بن الباقر كما ذكر الكليني في كافيه أيضاً تحت باب "ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام".

"عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عبد الله الحجال عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بينه وبين آخر فأطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علّم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال: قلت: هذا والله العلم قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.

قال: ثم قال: يا أبا محمد! وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا كأنه مغضب قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وليس بذاك.

ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، علم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك.

ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.

ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.

قال: قلت: جعلت فداك فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة" ["الأصول من الكافي" ج1 ص239، 240].

فأي قسم الذي حذف؟ يبينه الكليني أيضاً من إمامه المعصوم محمد الباقر الإمام الخامس عند القوم حيث يروي:

"عن أبي علي العشري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام" ["الكافي" في الأصول، كتاب فضل القرآن ج2 ص628].

ومثله روي عن علي رضي الله عنه حيث أورد الرواية:

"عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعاً عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول:

نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن أمثال، وثلث فرائض وأحكام" ["الكافي" ج2 ص627].

ومثال لذلك الحذف؟ يبينه الكليني أيضاً ي كافيه:

عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن محمد بن عيسى القمي، عن محمد بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل" كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم "فنسي" هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله " ["الكافي" ج1 ص16].

وأيضاً "علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلى أبو الحسن عليه السلام مصحفاً وقال لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه "لم يكن الذين كفروا" فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فابعث إلي بالمصحف" ["الكافي" ج2 ص631].

وأين هذا القرآن الآن؟

روى الكليني أيضاً "عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عيه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حد. وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله ، وقد جمعته من اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان على أن أخبركم حين جمعته لتقرؤه" ["الكافي" ج2 ص633].

هذه، ومثل هذه الروايات كثيرة كثيرة في أوثق كتاب من كتب القوم، الذي عرض على الإمام الغائب فأوثقه وجعله كافياً لشيعته أعرضنا عنها لما أنها وردت في كتاب (فصل الخطاب) الذي خصصنا له الباب الرابع من هذا الكتاب تجنباً عن التكرار.

والمقصود أن الكليني روى هذه الروايات من أئمته المعصومين وأنهم كانوا يقولون بالتحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، كما كانوا يوعزون إلى شيعتهم أن يعتقدوا بمثل هذا الاعتقاد، ولقد وردت في هذه الروايات الثمانية عقيدة الأربعة من الأئمة علي بن أبي طالب، محمد الباقر، ابنه جعفر، وأبي الحسن [والكلام تنازلاً على معتقدات الشيعة. وإلا فنحن نؤمن بأن كل هذه الروايات خرافات وأباطيل، لا صحة لها مطلقاً وبتاتاً لأن هؤلاء الأجلة مبرؤون عما يتهمهم هؤلاء الأفاكون الكذابون، واعتقادهم في القرآن اعتقاد جميع المسلمين وهم قادتهم وقدوتهم أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وضمن الله حفظه بقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وهذه هي العقيدة التي هي من أهم الفوارق بين المسلمين عامة وبين الشيعة] وفي الكتاب إثبات لهذه العقيدة من أئمته الآخرين الذين لم نورد رواياتهم للسبب الذي ذكرناه آنفاً، وسوف تأتي في محلها إن شاء الله.

ونذكر بعد هذا كتاباً آخر قديماً، معتمداً عند القوم، وهو الكتاب الذي ألف أيضاً في زمن أئمة الشيعة المعصومين لديهم. ألا وهو تفسير القمي.

فالقمي علي بن إبراهيم هو شيخ مشائخ الشيعة في الحديث وفي التفسير، حيث أن محمد بن يعقوب الكليني صاحب أهم كتاب من الصحاح الأربعة الشيعية أكثر الرواية عنه في كتابه (الكافي) فهو تلميذه، وقال عنه النجاشي:

ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنف كتباً، وله كتاب التفسير" ["رجال النجاشي" ص183].

و"هو من أجلّ رواة أصحابنا، ويروي عنه مشائخ أهل الحديث، ولم نقف على تاريخ وفاته إلا أنه كان حياً في سنة 307ه‍" ["الكنى والألقاب" ج3 ص68].

و"كان في عصر أبي الحسن محمد الإمام العسكري عليه السلام" ["الذريعة" لآغا بزرك الطهراني ج4 ص302].

هذا وكتبوا في تفسيره:

أولاً: إن هذا التفسير أصل أصول للتفاسير الكثيرة.

ثانياً: إن رواياته مروية عن الصادقين عليهما السلام مع قلة الوسائط والإسناد ولهذا قال في الذريعة: إنه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما السلام.

ثالثاً: مؤلفه كان في زمن الإمام الحسن العسكري عليه السلام.

رابعاً: أبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابياً للإمام الرضا عليه السلام.

خامساً: إن فيه علماً جماً من فضائل أهل البيت عليهم السلام التي سعى أعداؤهم لإخراجها من القرآن الكريم.

سادساً: إنه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التي لم يفهم مرادها تماماً إلا بمعونة إرشاد أهل البيت عليهم السلام التالين للقرآن" ["مقدمة تفسير القمي" للسيد طيب موسوي الجزائري ص15].

فذاك القمي يذكر في مقدمة تفسيره:

"فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه، ومنه عام ومنه خاص، ومنه تقديم ومنه تأخير، ومنه منقطع ومنه معطوف، ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما أنزل الله" ["تفسير القمي" ج1 ص5].

وأيضاً "وأما ما هو كان على خلاف ما أنزل اله فهو قوله ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [ فقال أبو عبد الله عليه السلام لقارئ هذه الآية (خير أمة) يقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي عليه السلام؟ فقيل له وكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال إنما نزلت (كنتم خير أئمة أخرجت للناس) ألا ترى مدح الله بهم في آخر الآية (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ومثله آية قرأت على أبي عبد الله عليه السلام ] الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً [ فقال أبو عبد الله عليه السلام لقد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين إماماً فقيل له يا ابن رسول الله كيف نزلت؟ فقال إنما نزلت (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعل لنا من المتقين إماماً) وقوله ] له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ فقال أبو عبد الله كيف يحفظ الشيء من أمر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه فقيل له وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟ فقال إنما نزلت (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله) ومثله كثير" ["تفسير القمي" ج1 ص10].

وقد كتب على ظهر هذا الكتاب المطبوع:

"هو من أقدم التفاسير التي كشفت القناع عن الآيات النازلة في أهل البيت عليه السلام".

وكذلك العياشي محمد بن مسعود بن عياش السلمي المعروف بالعياشي.

قال فيه النجاشي: ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة" ["رجال النجاشي" ص247].

وقال الخوانساري نقلاً عن (معالم العلماء): أنه كان أكبر أهل الشرق علماً وفضلاً وأدباً وفهماً ونبلاً في زمانه، صنف أكثر من مائتي مصنف" ["روضات الجنات" ج6 ص130].

وقال القمي: قال مشائخ الرجال:

إنه ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الأخبار، بعيد بالرواية، مضطلع بها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنف، منه كتاب التفسير المعروف، ونقل عن ابن النديم أنه قال في حقه: من فقهاء الشيعة الإمامية أوحد دهره وزمانه في غزارة العلم" ["الكنى والألقاب" ج2 ص449، 450].

وقال الطباطبائي: هو من أعيان علماء الشيعة وأساطين الحديث والتفسير بالرواية ممن عاش في القرن الثالث من الهجرة، وأما كتابه فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألف إلى يومنا هذا ويقرب من أحد عشر قرناً بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض إليه بطرف" [مقدمة حول الكتاب ومؤلفه لمحمد حسين الطباطبائي ص ح].

وكتب الطهراني في (الذريعة):

"تفسير العياشي لأبي النضر محمد بن مسعود . . . . وهو من مشائخ الكشي، ومن طبقة ثقة الإسلام الكليني" ["الذريعة" ج4 ص295].

فهذا العياشي يذكر في مقدمة تفسيره عن الأصبغ بن نباتة قال:

سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدون، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" [مقدمة التفسير تحت عنوان "فيما أنزل القرآن" ج1 ص9، وأورد هذه الرواية المجلسي في "البحار" ج19 ص30، والصافي في تفسيره ج1 ص14، والبحراني في "البرهان" ج1 ص21].

و"عن داؤد بن فرقد، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو قد قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين" ["العياشي" ج1 ص13، أيضاً "مقدمة البرهان" ص37].

و"عن ميسر عن أبي جعفر عليه السلام:

لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي" ["البرهان" مقدمة ص37، وورد هذا الحديث في "البحار" ج19 ص30، و"إثبات الهدى" ج3 ص43، 44] وغيرها من الروايات الكثيرة التي يأتي ذكرها في محلها.

ورابعهم محمد بن الحسن الصفار الذي قال عنه النجاشي:

كان وجهاً في أصحابنا القميين، ثقة. عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية. له كتب، منها كتاب (بصائر الدرجات) توفي في سنة 290ه‍" ["رجال الكشي" ص251، ومثله في "الكنى والألقاب" ج2 ص379].

و"هو من تلامذة حسن العسكري الإمام الحادي عشر المعصوم عند القوم " ["الذريعة" ج3 ص125].

يورد في كتابه عقيدته في القرآن عن إمامه المعصوم بروايته المتصلة الموصولة:

حدثنا علي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داؤد، عن يحيى بن أديم، عن شريك، عن جابر قال: قال أبو جعفر (ع): دعا رسول الله أصحابه بمنى، فقال:

يا أيها الناس! إني تارك فيكم حرمات الله: وعترتي، والكعبة البيت الحرام ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا، وكل ودايع الله فقد تبرؤا" ["بصائر الدرجات" الجزء الثامن، الباب السابع عشر ط إيران 1285ه‍].

وأيضاً، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:

ما من أحد من الناس ادعى أنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده" [نقلاً عن "البرهان" ج1 ص15].

وأيضاً "عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر أنه قال:

في القرآن ما مضى وما يحدث، وما هو كائن، وكانت فيه أسماء رجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد في وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة" [نقلاً عن "البرهان" ج1 ص15].

وخامسهم فرات بن إبراهيم الكوفي فنكفي بذكره وذكر تفسيره عن الطهراني في كتابه (الذريعة).

تفسير فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي المقصور على الروايات عن الأئمة الهداة عليهم السلام، وقد أكثر فيه من الرواية عن الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي نزيل قم والمتوفى بها الذي كان من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، وقد شارك أخاه الحسن في رواية الكتب الثلاثين كما شاركه ابنه أحمد بن الحسين في الرواية عن جميع شيوخ أبيه، وكذلك أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن محمد بن مالك البزاز الفزاري الكوفي (المتوفى حدود 300) وكان هو المربي والمعلم لأبي غالب الزراري (المولود 285) بعد إخراجه عن الكتب وجعله في البزازين كما ذكره أبو غالب في رسالته إلى ابن ابنه، وكذلك أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير العامري الكوفي (المتوفى 214) مؤلف كتاب "التخريج" الذي ذكرناه في (ص1) من هذا الجزء، وقد ذكر لكل من هؤلاء مشايخ كثيرة وأسانيد عديدة، وكذلك يروى فيه عن سائر مشايخه البالغين إلى نيف وماية كلهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمة الأطهار عليهم السلام وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أصولنا الرجالية، ولكن من الأسف أنه عمد بعض إلى إسقاط أكثر تلك الأسانيد واكتفى بقوله مثلاً (فرات عن حسين بن سعيد معنعناً عن فلان) وهكذا في غالب الأسانيد فأشار بقوله معنعناً إلى أن الرواية التي ذكرها فرات كانت مسندة معنعنة، وإنما تركتها للاختصار، ويروي التفسير عن فرات والد الشيخ الصدوق، وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه (المتوفى 329) كما أنه يروي والد الصدوق أيضاً عن علي بن إبراهيم المفسر القمي (الذي توفي بعد 307)، ولعل فرات أيضاً بقي إلى حدود تلك السنة، وأما الشيخ الصدوق فيروي في كتبه عنه كثيراً إما بواسطة والده أو بواسطة شيخه الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، وكما يروي الهاشي هذا عن فرات كذلك يروي عن والد أبي قيراط جعفر بن محمد (الذي توفي 308) فيقول احتمال أن فرات أيضاً أدرك أوائل المائة ارابعة كوالد أبي قيراط، ونسخه كثيرة في تبريز والكاظمية والنجف الأشرف أوله: (الحمد لله غافر الذنوب، وكاشف الكروب، وعالم الغيوب، والمطلع على أسرار القلوب)، واعتمد عليه من القدماء بعد الصدوقين الشيخ الحاكم ابو القاسم الحسكاني، فينقل عن هذا التفسير في كتابه (شواهد التنزيل) وينقل عنه غياث بن إبراهيم في تفسيره الذي مر آنفاً وهو من مآخذ كتاب (البحار) قال العلامة المجلسي في أوله: وتفسير فرات وإن لم يتعرض الأصحاب لمؤلفه بمدح ولا قدح لكن كون أخباره موافقاً لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة وحسن الضبط في نقلها مما يعطي الوثوق بمؤلفه وحسن الظن به)" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآغا بزرك الطهراني ج4 ص489، 499].

وبهذا يظهر قيمة الرجل وقيمة كتابه.

وقال السيد الصدر عنه: إنه كان في عصر الإمام الجواد بن الرضا عليه السلام" ["كتاب الشيعة وفنون الإسلام" نقلاً عن ترجمة المؤلف من الكتاب].

وقال الأورد باري:

لم يزل علماؤنا يعون على هذا الكتاب منذ ألف إلى وقتنا الحاضر كما هو ظاهر من تقدم ذكرهم من مترجميه وحسبه ثقة رواية مثل أبي الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي والد شيخنا الصدوق عنه، الذي عكف العلماء على العمل بفتاواه في رسالته إلى ولده عنه أعواز النصوص، لأنه لم يثبت فيها إلا عيون ألفاظ رواها عن أئمة الهدى عليهم السلام ثقة منهم بما يرويه.

وإن من جملة ما استأثره بالرواية هذا التفسير كما يدلنا عليه كتاب والده رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في (الأمالي) وكتاب (أخبار الزهراء) وغيرهما من كتبه عن فرات بوساطة أبيه تارة وعن شيخه الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي تارة أخرى.

واعتماد الصدوق عليه بعد والده كما يكشف عنه إكثاره وإصراره على الرواية عنه بأحد الواسطتين من أوضح شواهد الوثاقة وأعظم مرجحات العمل وعلى مثله المدار في التمييز في الصحيح والسقيم" ["تفسير الفرات الكوفي" ص2، 3].

وقال الخوانساري:

فرات بن إبراهيم المحدث العميد والمفسر الحميد، صاحب كتاب التفسير الكبير الذي هو بلسان الأخبار، وأكثر أخباره في شأن الأئمة الأطهار عليهم سلام الله الملك الغفار، وهو مذكور في عداد تفسيري العياشي وعلي بن إبراهيم القمي، ويروي عنه في (الوسائل) و(البحار) على سبيل الاعتماد والاعتبار، ذكره المحدث النيسابوري في رجاله بعد ما تركه سائر أصحاب الكتب في الرجال، فقال: له كتاب تفسيره المعروف عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني، قال شيخنا المجلسي رحمه الله في كتابه (يحار الأنوار) تفسير فرات وإن لم يتعرض من الأصحاب لمؤلفه بمدح وقدح لكن كون أخياره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة، وحسن الضبط في نقلها ما يعطي الوثوق لمؤلفه وحسن الظن به.

وقد روى الصدوق رحمه الله عنه أخباراً بتوسط الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي.

وروى عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني" ["روضات الجنات" ج5 ص353، 354].

فهذا الفرات أيضاً سرد روايات كثيرة تدل دلالة واضحة على أن القرآن محرف ومغير فيه، كما أنه في مقدمة كتابه أورد رواية عن علي بن أبي طالب:

"أنزل القرآن أربعة أرباع" [انظر مقدمة الكتاب ص1].

وبقية الأحاديث تأتي في محلها.

وهكذا سليم بن قيس العامري الذي يعدونه من أصحاب علي رضي الله عنه أورد روايات في كتابه مثل التي ذكرناها قبل.

فهؤلاء محدثو القوم ومفسروهم ورواتهم الأجلة في العصور الأولى لقوا أئمتهم ورووا عنهم بلا واسطة وبواسطة. فكلهم يروون مثل هذه الروايات، ويعتقدون بهذه العقيدة أي عقيدة تحريف القرآن وتغييره وهؤلاء هم عمدة المذهب، وتلك كتبهم عليها مدار عقائد الشيعة، لولاهم ولولاها لما ثبت لهم شيء، ولأجل ذلك قال النوري الطبرسي:

اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتمدة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص252].

ثم خلفهم خلف من المحدثين والمفسرين، كلهم انتهجوا منهجهم وسلكوا مسلكهم، وأوردوا روايات وذكروا أحاديث صريحة في مدلولها، وواضحة في معناها بلغت حد التواتر وزادت عليه، حتى قال السيد نعمت الله الجزائري:

إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً والتصديق بها" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص31].

وقد ذكر رواة هذه الأحاديث والمعتقدين بها وعدهم محدث القوم النوري الطبرسي ي كتابه (فصل الخطاب) واحداً بعد واحد تحت عنوان "المقدمة الثالث في ذكر أقوال علمائنا رضوان الله عليهم أجمعين في تغيير القرآن وعدمه" فيقول:

فاعلم أن لهم في ذلك أقوالاً مشهورها اثنان.

الأول وقوع التغيير والنقصان فيه وهو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني في تفسيره صرح بذلك في أوله وملأ كتابه من أخباره مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني رحمه الله على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة خصوصاً في باب النكث والنتف من التنزيل وفي الروضة من غير تعرض لردها أو تأويلها واستظهر المحقق السيد محسن الكاظمي في شرح الوافية مذهبه في الباب الذي عقده في وسماه "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام" فإن الظاهر من طريقته أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه قلت وهو كما ذكره فإن مذاهب القدماء تعلم غالباً من عناوين أبوابهم، وبه صرح أيضاً العلامة المجلسي في مرآة العقول، وبهذا يعلم مذهب الثقة الجليل محمد بن الحسن الصفار في كتاب البصائر من الباب الذي له أيضاً فيه وعنوانه هكذا "باب في الأئمة عليهم السلام أن عندهم لجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وهو أصرح في الدلالة مما في الكافي ومن باب "أن الأئمة عليهم السلام محدثون" وهذا المذهب صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعمان تلميذ الكليني صاحب كتاب الغيبة المشهور في تفسيره الصغير الذي اقتصر فيه على ذكر أنواع الآيات وأقسامها وهو بمنزلة الشرح لمقدمة تفسير علي إبراهيم، وصريح الثقة الجليل سعد بن عبد الله القمي في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه كما في المجلد التاسع عشر من البحار، فإنه عقد فيه باباً ترجمته باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عز وجل مما رواه مشائخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد عليهم السلام" ثم ساق مرسلاً أخباراً كثيرة تأتي في الدليل الثاني عشر فلاحظ، وصرح السيد علي بن أحمد الكوفي في كتاب بدع المحدثة وقد نقلنا سابقاً عنه ما ذكره فيه في هذا المعنى، وذكر أيضاً في جملة بدع عثمان ما لفظه "وقد أجمع أهل النقل والآثار من الخاص والعام أن هذا الذي في أيدي الناس من القرآن ليس هذا القرآن كله، وإنه ذهب من القرآن ما ليس هو في أيدي الناس، وهو أيضاً ظاهر أجلة المفسرين وأئمتهم الشيخ الجليل محمد بن مسعود العياشي، والشيخ فرات بن إبراهيم الكوفي، والثقة النقد محمد بن العباس الماهيار فقد ملئوا تفاسيرهم عن الأخبار الصريحة في هذا المعنى كما يأتي ذكرها، بل روى الأول في أول كتابه أخباراً عامة صريحة فيه، فنسبة هذا القول إليهم كنسبته إلى علي بن إبراهيم، بل صرح بنسبته إلى العياشي جماعة كثيرة، وممن صرح بهذا القول ونصره الشيخ الأعظم محمد بن محمد بن النعمان المفيد فقال في المسائل السرورية على ما نقله العلامة المجلسي في مرآة العقول، والمحدث البحراني في الدرر النجفية ما لفظه "إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شيء آخر من كلام البشر وهو جمهور المنزل والباقي مما أنزله الله تعالى قرآناً عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام لم يضيع منه شيء وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك.

منها قصوره عن معرفة بعضه.

منها ما شك فيه.

ومنها ما تعمد إخراجه، وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخر، وألفه بحسب ما وجب من تأليفه فقدم المكي على المدني والمنسوخ على الناسخ ووضع كل شيء منه في موضعه ولذا قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أما والله لو قرء القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا وقال عليهم السلام: نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا وربع في أعدائنا، وربع قصص وأمثال، وربع قضايا وأحكام، ولنا أهل البيت فضائل القرآن" ثم قال: غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم قد أمروا بقرائة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان منه إلى أن يقوم القائم عليه السلام فيقرأ الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام وإنما نهونا عن قرائة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر وإنما جاء بها الأخبار والواحد قد يغلطه فيما ينقله ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين وعرض نفسه للهلاك فمنعونا من قراءة القرآن بخلاف ما أثبت بين الدفتين" انتهى وقال في موضع من كتاب المقالات: واتفقوا أي الإمامية على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وقال في موضع آخر: فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم ير فرقاً فيما ذكرناه وعد النجاشي من كتبه "كتاب البيان في تأليف القرآن" والظاهر أنه مقصور على إثبات هذا المطلب والله العالم، ويأتي إن شاء الله ما رواه في إرشاده من الأخبار الصريحة في وقوع التغيير فيه، نعم مال في موضع من الكتاب المذكور بعد ما صرح بورود الأخبار المستفيضة باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان وأنه ليس أن يدعي عدم النقصان فيه حجة يعتمد عليها إلى تأويل تلك الأخبار، وإن المراد منها أنه حذف من مصحف أمير المؤمنين عليه السلام ما كان من التأويل والتفسير، وهذا مناف لبعض وجوه النقص التي ذكرها في المسائل السرورية، ثم إنه رحمه الله نسب بعد ذلك القول بالنقصان من نفس الآيات حقيقة بل زيادة كلمة أو كلمتين مما لا يبلغ حد الإعجاز إلى بني نوبخت رحمهم الله وجماعة من متكلمي عصابة الشيعة، وأعيانهم مذكورون في كتب الرجال، وقد التزم في هذه الكتب بنقل أقوالهم.

منهم شيخ المتكلمين ومتقدم النوبختيين أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب الكتب الكثيرة التي منها كتاب التنبيه في الإمامة قد ينقل عنه صاحب صراط المستقيم. وابن أخته الشيخ المتكلم الفيلسوف أبو محمد حسن بن موسى صاحب التصانيف الجيدة منها كتاب الفرق والديانات وعندنا منه نسخة، والشيخ الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت صاحب كتاب الياقوت الذي شرحه العلامة ووصفه في أوله بقوله: شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم.

ومنهم إسحاق الكاتب الذي شاهد الحجة عجل الله فرجه، ورئيس هذه الطائفة الشيخ الذي ربما قيل بعصمته أبو القاسم حسين بن روح بن أبي بحر النوبختي السفير الثالث بين الشيعة والحجة صلوات الله عليه، وممن يظهر منه القول بالتحريف العالم الفاضل المتكلم حاجب بن الليث بن السراج كذا وصفه في رياض العلماء، وهو الذي سأل عن المفيد المسائل المعروفة قال في بعض كلماته ورأينا الناس بعد الرسول صلى الله عليه وآله اختلفوا اختلافاً عظيماً في فروع الدين وبعض أصوله حتى لم يتفقوا على شيء منه وحرفوا الكتاب وجمع كل واحد منهم مصحفاً زعم أنه الحق إلى آخر ما تقدم، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ الثقة الجليل الأقدم فضل بن شاذان في مواضع من كتاب الإيضاح. وممن ذهب إليه من القدماء الشيخ الجليل محمد بن الحسن الشيباني صاحب تفسير "نهج البيان عن كشف معاني القرآن" في مقدماته ويظهر من تراجم الرواة أيضاً شيوع هذا المذهب حتى أفرد له بالتصنيف جماعة.

فمنهم الشيخ الثقة أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن المشتمل على كتب كثيرة، وعد الشيخ الطوسي في الفهرست والنجاشي من كتبه "كتاب التحريف".

ومنهم والده الثقة محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه "كتاب التنزيل والتغيير".

ومنهم الشيخ الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث كما ذكروا علي بن الحسن بن فضال، عد من كتبه "كتاب التنزيل من القرآن والتحريف".

ومنهم محمد بن الحسن الصيرني، في الفهرست له "كتاب التحريف والتبديل.

ومنهم أحمد بن محمد بن سيار، عد الشيخ والنجاشي من كتبه "كتاب القرآن" وقد نقل عنه ابن ماهيار الثقة في تفسيره كثيراً وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصاير وسماه "التنزيل والتحريف" ونقل عنه الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك في بحث القراءة وعندنا منه نسخة.

ومنهم الثقة الجليل محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف المقصور على ذكر ما نزل في أهل البيت عليهم السلام ذكروا أنه لم يصنف في أصحابنا مثله، وأنه ألف ورقة، وفي الفهرست له "كتاب قراءة أمير المؤمنين عليه السلام" وكتاب "قراءة أهل البيت عليهم السلام" وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه كما يأتي:

ومنهم أبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي. ذكر ابن شهر آشوب في معالم العلماء أن له كتاباً "في قراءة أمير المؤمنين عليه السلام وحروفه" والحرف في الأخبار وكلمات القدماء يطلق على الكلمة كقول الباقر والصادق عليهما السلام في تبديل كلمة آل محمد بآل عمران حرف مكان حرف، وعلى الآية كقول بعض الصحابة في سورة أنى أحفظ منها حرفاً أو حرفين يا أيها الذين آمنوا إلى آخر الآية ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام والله ما حرف نزل على محمد صلى الله عليه وآله إلا وأنا أعرف فيمن نزل وفي أي موضع نزل، وعلى الحروف الهجائية وهي كثيرة، وعلى الأعم من الأول والأخير كقول أبي جعفر عليه السلام ولم يزد فيه أي في القرآن إلا حروف أخطأت به الكتاب، وله إطلاقات آخر لا ربط لها بالمقام.

ومنهم صاحب كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله وناسخه ومنسوخاً محكمه ومتشابهه وزيادات حروفه وفضائله وثوابه روايات الثقات عن الصادقين من آل رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، كذا في سعد السعود للسيد الجليل علي بن طاؤس ره.

ومنهم صاحب كتاب ذكر السيد في الكتاب المذكور أنه مكتوب فيه مقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وزيد ابني علي بن الحسين وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر صلوات الله عليهم ونقل عنهم حديثاً يأتي في سورة آل عمران.

ومنهم صاحب كتاب الرد على أهل التبديل ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه كما في البحار ونقل عنه بعض الأخبار الدالة على أن مراده من أهل التبديل هو العامة وغرضه من الرد هو الطعن عليهم به لأن السبب فيه إعراض أسلافهم عن حافظه وواعيه" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص26 إلى ص31 ط إيران 1298ه‍].

"فارجع البصر هل ترى من فتور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير" [سورة الملك الآية3، 4].

فأولئك هم أعيان الشيعة وأساطينها، وهذه هي كتبهم أعدها وأعدهم الطبرسي واحداً بعد واحد.

وزاد على تلك الأسماء السيد طيب موسوي الجزائري في مقدمته على تفسير القمي تحت عنوان "تحريف القرآن" السيد نعمت الله الجزائري والحر العاملي والعلامة الفتوني والسيد البحراني [هل يستطيع الصافي أو واحد ممن يؤيده ويسانده أن يثبت واحداً من السنة صرح باسمه أنه كان يعتقد التحريف في القرآن ويستدل من الأحاديث أو الروايات المزعومة التي تنسبها الشيعة إلى السنة؟ وأعيد القول هل أحد من الشيعة يستطيع أن يثبت عن السنة مثل ما أثبتناه عن الشيعة ويذكر أسمائهم وبالألفاظ الصريحة أنهم يعتقدون التحريف في القرآن، وأما ذكر الصافي (الفرقان) الذي ألفه أحد الملاحدة في مصر سنة 1948م فلا يلزم به أهل السنة؟ لأننا نعد كل من يقول مثل هذا القول كافراً، خارجاً عن الملة الحنيفية البيضاء، جاحداً قول الله عز وجل:

"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وقول الله عز وجل: "ذلك الكتاب لا ريب فيه"، ولذلك قام أهل السنة بمصر بالاحتجاج ضد هذا الكتاب، وطلبوا مصادرته بعد ما بينوا بالدلائل والبراهين أوجه البطلان والفساد، فاستجابت الحكومة السنية في مصر آنذاك هذا الطلب وصادر الكتاب، وهذا هو موقف السنة من القرآن ومن يخالفه ويعارضه ويقول فيه ما يهويه ويشتهيه.

فالعدل العدل! أليس منكم رجل رشيد؟

فنحن لسنا بمنافقين، وليس من عقائدنا النفاق حتى نسمي رجلاً يعتقد التحريف في القرآن مفسراً ومحدثاً وفقيهاً وإماماً، ثم ننكر لخداع الآخرين ما يعتقده ويتبناه. فنحن الصرحاء لا نقول لمن يخالف نصوص القرآن عالماً وفاضلاً، فضلاً عن المحدث والفقيه و. . . و . . .

وهلا سميت أيها الصافي واحداً ممن ينتسب إلى العلم من السنة الذي يثني على من ألف (الفرقان) الذي زعمته؟ أو يسميه عالماً، وحتى عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية، الذي نقلت كلامه لم يسم كاتب (الفرقان) باسم العالم والفاضل، بل ذكره كالمجاهيل والمجانين.

أو بمثل هذه الأشياء الواهية تستند وتستدل على السنة؟ وتجيب على قادتك ومحدثيك ومفسريك وأئمتك؟.

أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (سورة يونس آية 35)] وقال بعد ذلك إن هؤلاء:

"قد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات [أو بعد هذا مجال لقائل أن الشيعة يؤمنون بالموجود ولا يعتقدون تحريفه وتغييره ولا يقول به أحد؟ كما ادعى السيد لطف الله الصافي في كتابه (صوت الحق) والمغنية في (الشيعة في الميزان) وغيرهما في غيرهما] والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها" [مقدمة "تفسير القمي" للسيد موسوي ص23، 24 ط مطبعة النجف].

ولا يستطيع أحد في العالم الشيعي أن يثبت أن واحداً من أئمتهم، وعلمائهم، ومحدثيهم، ومفسريهم، ورواتهم اعتقد غير هذا الاعتقاد فضلاً عن ادعاء وجود الروايات المتواترة [كما تخيلها السيد لطف الله الصافي في (صوت الحق) صفحة 27] الناطقة بعدم التغيير والتحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس بين الدفتين في القرون الثلاثة الأولى.

فهل من مجيب؟.

 

الباب الثاني

عقيدة الشيعة في الدور الثاني من القرآن

نحن ذكرنا فيما مر أن الشيعة كانوا يعتقدون التحريف في القرآن في الدور الأول بما فيهم أئمة مذهبهم، وواضعوا شرعتهم حسب مروياتهم، ولم يثبت عن واحد منهم أنه كان يعتقد خلاف ذلك، لأنه بعد ما أسسوا مذهباً خاصاً بهم جعلوا من أصله وأساسه الإمامة والولاية، وقالوا:

إن الإسلام بني على خمس: الصلاة والزكاة الصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" [الكافي في الأصول" كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام ج2 ص18، وللتفصيل راجع كتابنا "الشيعة والسنة" باب الشيعة والقرآن].

وقال البحراني نقلاً عن تفسير الإمام أنه قال:

إن تمام الإسلام باعتقاد ولاية علي عليه السلام، ولا ينفع الإقرار بالنبوة مع جحد إمامة علي كما لا ينفع الإقرار بالتوحيد من جحد بالنبوة" ["البرهان" مقدمة ص24].

وكذب على علي رضي الله عنه أنه قال:

من لم يقر بولايتي لم ينفعه الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله " ["البرهان" مقدمة ص24].

ونقل عن محمد بن الحسن الصفار في بصائره عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك أي علي طائعاً أو كارهاً" ["البرهان" مقدمة ص25].

فوجدوا أن الولاية والوصاية والإمامة التي اختلقوها واصطنعوها، ليس لها وجود في القرآن البتة، فكيف يثبتونها وقد وجد ذكر غير الأهم منها حسب زعمهم في القرآن بالتكرار والإصرار. فالتجئوا لدفع هذا الإيراد إلى القول بأن القرآن قد غير ونقص منه أشياء. ولقد غيره وحذف منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عامة، وخلفاؤه ونوابه الذين خلفوه ونابوا عنه لقيادة هذه الأمة المجيدة المرحومة خاصة، لدفع علي وأهل بيته عن حقهم، ولايتهم وإمامتهم، فأسقطوا من القرآن كل ما كان يدل على إمامته ووصايتهم، وخلافتهم ونيابتهم عن النبي صلى الله عليه وآله حسب زعمهم كما رووا عن الطبرسي من كتابه (الاحتجاج) أن زنديقاً جاء إلى علي رضي الله عنه وقال له:

لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم:

- ثم طرح عليه أسئلة فأجابه بقوله -:

إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: ] الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً [ وبقوله:

] وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب [ وبقوله: ] إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [ بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من: تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: ] يريدون ليطفئوا نور الله بأفواهه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون [ يعني: أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه فيه، وبيّن عن إفكهم، وتلبيسهم، وكتمان ما عملوه منه، ولذلك قال لهم: لم تلبسون الحق بالباطل"، وضرب مثلهم بقوله: ] فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل، ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي: محل العلم وقراره.

وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العالم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الإيتمار لهم، والرضا بهم، ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدداً من أهل الحق، فلأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله : ] فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل [ وإيجابه مثل ذلك على أوليائه، وأهل طاعته بقوله: ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه ["الاحتجاج" للطبرسي ج1 ص370، 371 ط النجف].

و"إنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره، وغير أنبيائه وحججه في أرضه. لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون، من إسقاط أسماء حججه منه. وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم، فإثبت به الرموز، وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها، من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين بظاهره وباطن من: ] شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [، أي: يظهر مثل هذا العلم لمحتمله في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها، لأسقطوها ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه وماضٍ حكمه بإيجاب الحجة على خلقه، كما قال الله تعالى: فلله الحجة البالغة" أغشى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوا بحاله، وحجبوا عن تأكيد الملتبس بإبطاله، فالسعداء ينتبهون عليه، والأشقياء يعمون عنه، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل وقسماً، لا يعرفه إلا من صفي ذهنه، ولطف حسه، وصح تميزه، ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً، لا يعرفه إلا الله، وإمناؤه، والراسخون في العلم، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المتسولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الإيتمار لمن ولاه أمره فاستكبروا عن طاعته، تعزراً وافتراء على الله عز وجل، واغتراراً بكثرة من ظاهرهم، وعاونهم، وعاند الله عز وجل ورسوله.

فأما ما علمه الجاهل والعالم، فمن فضل رسول الله في كتاب الله، فهو قول الله عز وجل: ] من يطع الرسول فقد أطاع الله [ وقوله : ] إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً [ ولهذه الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله: "صلوا عليه" والباطن قوله: "وسلموا تسليماً" أي سلموا لمن وصاه واستخلفه، وفضله عليكم، وما عهد به إليه تسليماً، وهذا مما أخبرتك: نه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، وصفي ذهنه، وصح تمييزه، وكذلك قوله: سلام على آل ياسين" لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: ] ياسين والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين [ لعلمه بأنهم يسقطون قوله الله: سلام على آل محمد كما أسقطوا غيره، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم، ويقربهم، ويجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل في إبعادهم بقوله: ] واهجرهم هجراً جميلاً [ وبقوله: ] فما للذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما يعلمون [ وكذلك قول الله عز وجل: ] يوم ندعو كل أناس بإمامهم [ ولم يسم بأسمائهم. وأسماء آبائهم وأمهاتهم.

وأما قوله: ] كل شيء هالك إلا وجهه [ أنزلت كل شيء هالك إلا دينه، لأنه من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه، هو أجل وأكر وأعظم من ذلك، إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: ] كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ ففصل بين خلقه ووجهه.

وأما ظهورك على تناكر قوله ] فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء. ولا كل النساء أيتام، فهو: مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناب الأولياء، ومثالب الأعداء" ["الاحتجاج" ج1 ص376، 377، 378].

و"أما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي صلى الله عليه وآله ، والإرزاء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه. فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدواً من المشركين. كما قال في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبيناً صلى الله عليه وآله ، كذلك عظم محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته، وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن والاه على كفره، وعناده، ونفاقه، وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته، ومخالفته سنته، ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه، وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر، منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه، وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: ] إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا [ وقال: ] يريدون أن يبدلوا كلام الله [ ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل، والتنزيل، والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه: حرف ألف ولا لام: فلما وقفوا على ما بينه الله من: أسماء أهل الحق والباطل، وإن ذلك أن أظهر نقض ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، وكذلك قال: ] فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون [.

دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه، وتأليفه، وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائهم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقه على معاداة أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على اختلال تمييزهم، وافترائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم، وهو عليهم. وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره: وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال: ] ذلك مبلغهم من العلم [ وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم، وافترائهم.

والذي بدا في الكتاب من الازدراء على النبي صلى الله عليه وآله من فرقه الملحدين ولذلك قال: ] ويقولون منكراً من القول وزوراً [ ويذكر جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وآله ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: ] أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته [ يعني: أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه، وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى الشيطان المعرض لعداوته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه، والقدح فيه، والطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا تصغي إليه غير قلوب المنافقين، والجاهلين، ويحكم الله آياته بأن: يحمي أوليائه من الضلال والعدوان، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: ] بل هم أضل سبيلاً [ ["الاحتجاج" للطبرسي ص382، 383، 384].

وكما رووا رواية التي ذكرناها عن العياشي عن جعفر أنه قال:

لو قرء القرآن كما أنزل لألفينا فيه مسمين" ["العياشي" ج1 ص13].

ولقد صرح بذلك البحراني في مقدمة تفسيره بقوله:

اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام وهو اليوم عنده صلوات الله عليه ولهذا كما قد ورد صريحاً في حديث سنذكره لما أن كان الله عز وجل قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين وأنهم بحث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد في شأن علي عليه السلام وذريته الطاهرين حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين وكان من مشيته الكاملة ومن الطاقة الشاملة محافظة أوامر الإمامة والولاية ومحارسة مظاهر فضائل النبي صلى الله عليه وآله والأئمة بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل الحق مفادها مع بقاء التكليف لم يكتف بما كان مصرحاً به منها في كتابه الشريف، بل جعل جل بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق التجوز والتعرض والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل" ["البرهان" مقدمة، تحت عنوان "المقدمة الثانية في بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وإنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله والإشعار بذلك على سبيل التجوز والرموز والتعريض في ظاهر القرآن وتنزيله" ص36].

وأكثر من ذلك أنه قال في مقام آخر بعد نقل هذه العقيدة من كبار القوم وذكر أسمائهم:

"وعندي في وضوح صحة هذا القول (أي القول بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع [فماذا يقول السيد الصافي -"العالم الشيعي الجليل"- على هذا؟

فمن الصادق ومن الكاذب؟

نحن الذين لم نقل عن الشيعة إلا ما قاله الشيعة أنفسهم عنهم.

أم الصافي، وصاحب نقاب س خ . ومغنية، وعبد الحسين، والسيد محسن الأمين، الذين لم ينكروا هذه العقيدة إلا تقية وخداعاً للمسلمين؟

ثم ومع التصريحات من محدثي الشيعة ومفسريهم وأئمتهم كيف يجترئ السيد لطف الله الصافي أن يقول:

أنا أطلب من الجميع أن يجولوا في البلاد الشيعية في إيران، والعراق وسوريا، ولبنان واليمن، والبحرين، والكويت، وسائر إمارات الخليج، والهند وباكستان، والقطيف والإحساء، وأفغانستان، وسائر البلاد الإسلامية، ويسألوا ويفحصوا عن الشيعة، وعن شأن القرآن المجيد الموجود بين الدفتين عندهم، وعند جميع المسلمين، وعقيدتهم فيه، وعن كيفية معاملتهم له حتى يعرفوا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، وتقديسهم، وتعظيمهم له.

ولو أتى إحسان إلهي ظهير المتخرج من جامعة المدينة المنورة، بأضعاف ما أتى به من الأحاديث الضعاف، والمتشابهات مع تعمده كتم الأحاديث الصحيحة المتواترة في جوامع حديث الشيعة، وكتبهم المعتبرة المصرحة بأن الكتاب الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله هو هذا الكتاب الموجود المطبوع المنتشر في أقطار الأرض يكذبه هذا الفحص، والتجوال.

ولو بالغ في نسبة التحريف إلى الشيعة فإن كتبهم، وتصريحاتهم المؤكدة تكذبه وتدفعه كما أن احتجاجهم بالقرآن في مختلف العلوم، والمسائل الإسلامية في الأصول والفروع، واستدلالهم بكل آية آية، وكلمة كلمة منه، واعتبارهم القرآن أول الحجج وأقوى الأدلة يظهر بطلان كل ما افتراه.

فيا علماء باكستان، ويا أساتذة جامعة المدينة المنورة ما الذي يريده إحسان إلهي ظهير، وموزع كتابه الشيخ محسن العباد نائب رئيس الجامعة من تسجيل القول بتحريف القرآن، على طائفة من المسلمين يزيد عدد نفوس أبنائهم عن مئة مليون نسمة، وفيهم من أعلام الفكر، والعلماء العباقرة، أقطاب تفتخر بهم العلوم الإسلامية.

وما فائدة الإصرار على ذلك إلا جعل الكتاب الكريم في معرض الشك والارتياب؟

ولماذا ينكران على الشيعة خواصهم، وعوامتهم، وسوقتهم قولهم الأكيد بصيانته من التحريف.

ولماذا يتركان الأحاديث الصحيحة المتواترة المروية بطرف الشيعة عن أئمة أهل البيت المصرحة بأن القرآن مصون بحفظ الله تعالى عن التحريف؟" (صوت الحق للطف الله الصافي ص28، 29، 30).

فمعذرة أيها القراء عن نقل هذه العبارة الطويلة الخالية من الدليل والبرهان، ومن العقل والحجى، التي لم أنقلها إلا لبيان إصرار القوم في غلوائهم وتماديهم في أكاذيبهم وخداعهم للسذج من المسلمين.

ولأول مرة أدعو السيد الصافي ومن يؤيده ويسانده، ويتبعه ويصححه: إن قلتم ما قلتم ولم يكن عندكم الخبر والعلم بعقيدة الشيعة الأصلية وكتبهم وعباراتهم وأحاديثهم ورواياتهم المستفيضة المتواترة في تحريف القرآن، وقولهم إن هذا لمن لوازم مذهب الشيعة وضروريات معتقدهم، فارجعوا إلى الحق والصواب وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وتبرؤوا من هذا الدين الشائن، الذي تقشعر جلودكم، وتخجل ضمائركم، وتذهل وتذوب قلوبكم عند ذكره وحقيقته.

توبوا إلى الله وتبرؤوا منه قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، واتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، ولا تأخذكم العزة بالإثم. فارجعوا إلى الله وإلى كتابه المنزل المحفوظ. فنكون خدمكم ومحبيكم، المخلصين لكم.

وإن كنتم عارفين عالمين، فاتركوا الجبن والنفاق والخديعة والعذر، واصرحوا بالحق، واجهروا بالقول كما جهر به النوري الطبرسي، والبحراني، والجزائري، والمجلسي، وغيرهم من المتأخرين، والقمي، والكليني، والصفار، والعياشي، والعامري، والطبرسي، وغيرهم من المتقدمين.

أيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم.

فهل يسمح لي القراء أن أتمثل ههنا بقول شاعر عربي قديم:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم

ولا ينكرون القول حين نقول] وإنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر" ["البرهان" مقدمة ص49 الفصل الرابع].

فهذا هو السبب والمحرض الذي جعلهم يقولون بذاك القول الباطل، ولكنهم لم يدركوا أنهم بإظهار هذه العقيدة أظهروا ما كانوا يريدون كتمانه من التظاهر بالإسلام. والتغلف بغلاف التقية، والتنقب بنقاب الخديعة لإضلال المسلمين بلبس ملابسهم. والصلاة بصلاتهم، والتوجه إلى قبلتهم، وأكل ذبيحتهم حيث انفصلوا عنهم انفصالاً كاملاً لإنكارهم ذلك الكتاب الإلهي السماوي الذي به اهتدى من اهتدى، وبنوره تنور من آمن به وتعليماته، إرشاداته وتوجيهاته، استقام من اعتصم به وتمسك، والرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه لم يكن مبلغاً إلا إياه. ولم يكن تالياً إلا آياته، ولم يكن معلماً إلا حكمه ومواعظه ولا مبيناً إلا أسراره وغوامضه. فمن أنكر هذا فبأي شيء آمن؟

وسهل على المسلمين معرفة القوم وحقيقتهم، فاضطرب عليهم أمرهم واجتمع عمداؤهم وكبراؤهم ففكروا وتدبروا كثيراً حتى يخفوا ما ظهر ويكتموا ما بدا وصدر فلبسوا لباس الخداع والتقية مرة أخرى، وأظهروا ما لم يكونوا يعتقدون لخداع المسلمين وعشهم. فأول من برز في الشيعة بالقول المخالف لهذه العقيدة العتيقة، الراسخة الثابتة كان ابن بابويه القمي أستاذ الفقيه "المفيد" الذي لقبوه بالصدوق المتوفى سنة 381ه‍ لا سابق له في القوم كما أنه نفسه لم يستند لقوله إلى مستند شيعي ثابت من رواية مروية من واحد من الأئمة الاثنى عشر عكس مخالفيه. حيث أنهم لم يؤسسوا مذهبهم وعقيدتهم في القرآن إلا على الروايات التي تواترت وبلغت أكثر من ألفين رواية كما ذكرنا سابقاً من السيد نعمت الله الجزائري، وكما حاسبناها وعددناها أنفسنا من كتب القوم.

فانظر إليه ماذا يقول:

اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربعة عشر سورة، وعندنا أن "الضحى" و"ألم نشرح" سورة واحدة و"لإيلاف" و"ألم تر كيف" سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب. وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في ركعة، والنهي عن القران بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلناه في أمر القرآن، وأن مبلغه ما في أيدي الناس. وكذلك ما روي في النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة واحدة، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلنا أيضاً" ["الاعتقادات" لابن بابويه القمي ط إيران 1224ه‍].

وتبعه في ذلك السيد المرتضى مؤلف نهج البلاغة ومرتبه المتوفى سنة 436ه‍ كما ذكر أبو علي الطبرسي في مقدمة تفسيره (مجمع البيان) تحت الفن الخامس:

"ومن ذلك الكلام في نقصان القرآن وزيادته فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً. والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد. وقال أيضاً قدس الله روحه:

إن العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بحملته. وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني. فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف، وميز، وعلم أنه ملحق، وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني:

ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وظبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وذكر أيضا  أن القرآن كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وإنه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله) ويتلى عليه. وإن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث. وكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم" ["مجمع البيان" لأبي علي الطبرسي ج1، مقدمة ص15 ط دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان].

وثالثهم أبو جعفر الطوسي تلميذ السيد المرتضى والشيخ المفيد المتوفى سنة 460ه‍ فقد قال في تبيانه:

وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى ره، وهو الظاهر في الروايات إلى أن قال ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته، والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه، وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما خالفه تجنب، ولم يلتفت إليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، وترك ما سواه" ["التبيان" ج1 ص3 ط النجف].

فهؤلاء الثلاثة الذين أظهروا الإنكار من التحريف في القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، لا رابع لهم طوال القرون الخمسة الأولى كما صرح بذلك علماء الشيعة ومحققوها، وكما ذكر محدث القوم وشيخ مشائخهم [كما يذكره بهذا اللقب محدثوا القوم، وفقهاؤهم، كتابهم، ورجاليوهم انظر لذلك "الكنى والألقاب" للقمي، و"الذريعة" للطهراني] النوري الطبرسي حيث يذكر مذهبين للقوم، فيقول بعد ذكر القائلين بالتحريف في القرآن وتغييره وذكر مقالاتهم:

"الثاني: عدم وقوع النقص والتغيير فيه، وإن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في (التبيان)، ولم يعرف من القدماء موافق لهم" ["فصل الخطاب" ص32].

ورابعهم الذي أخذ بقولهم، وانتهج منهجهم، وسلك مسلكهم لإظهار هذا القول هو الذي جاء بعدهم بقرن أبو علي الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان) المتوفى سنة 548ه‍.

فهؤلاء هم الأربعة في الدور الثاني.

يعني لا وجود لهذا القول إلى منتصف القرن الرابع في الدور الأول، حيث أن أئمة القوم كلهم، ورواتهم المتقدمين، ومحدثيهم، ومفسريهم المعتمدين الموثوقين لم يقولوا، ولم يصرحوا إلا بعكس ذلك حسب مرويات القوم ومزعوماتهم -.

وأما في الدور الثاني أي بعد منتصف القرن الرابع إلى القرن السادس في القرنين كلها صدر هذا القول أول مرة في الشيعة من هؤلاء الأربعة لا خامس لهم كما تتبعنا كتب القوم من الحديث والتفسير والاعتقادات، وبذلك قال النوري الطبرسي بعد ذكر الثلاثة الأول:

ومن صرح بهذا القول الشيخ أبو علي الطبرسي في (مجمع البيان) إلى أن قال-:

وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة" ["فصل الخطاب" ص34].

وهذا مع أن عقيدتهم التي أظهروها للناس لم تكن مستندة إلى قول من معصوميهم، ورواية عن أئمتهم الذين يعتقدون أنهم هم الذين وضعوا بذرة الشيعة وأسسوا قواعدها وإن مذهبهم ليس إلا مستقى من أقوالهم ومستمداً من إرشاداتهم، تعليماتهم وتوجيهاتهم، بل وبعكس ذلك هم أنفسهم رووا في كتبهم أخباراً وأحاديث من أئمتهم المعصومين تخالفهم وتناوئها كما سنبينه إن شاء الله.

فهذا كل ما عند القوم لخداع المسلمين عامة وأهل السنة خاصة. ولذلك ترى أنه كلما يظهر لهم عوارهم، ويبين لهم فسادهم، ويثبت انفصالهم عن المسلمين والشريعة السماوية الغراء التي لم تقم إلا على أساس القرآن إن لا يوجد لم توجد، التجئوا إلى هؤلاء الأربعة، وركنوا إليهم، ودخلوا في كنفهم، واستظلوا بظلهم، وتحصنوا وراء مقولاتهم كما فعل صاحبنا هذا" [في كتابه "مع الخطيب في خطوطه العريضة" ص50 وما بعد] وقبله مغنية وغيره.

وقد فصلنا القول في هذا، وأوردنا عباراته الكاملة لكي لا يخفى خافية.

وقبل أن نحلل كلامهم، ونخبر عن السر الذي ألجأهم إلى الاكتناف بها القول والإظهار بهذه العقيدة نتريث لحظة، ونتوقف برهة، ونطالبهم جميعاً هل يستطيع أحد منهم أن يثبت أن في القوم أحداً من سبقهم إلى هذا القول؟ أولهم خامس أظهر هذه المقالة؟

كلا! لا، ولن يستطيع أحد أن يفعل ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً:

لقد أسمعت لو ناديت حياً

ولكن لا حياة لمن تنادي

وهؤلاء الأربعة لم يقولوا بتلك المقالة إلا خوفاً من بطش الحق ونفرة الناس، وتجنباً عن العار والفضيحة، واكتشاف الأمر الذي طالما حاولوا إخفاءه للالتباس على المسلمين، وكتمان نواياهم الأصلية ومقاصدهم الحقيقية. وإلا فهم أنفسهم في داخلهم كانوا يعتقدون تلك العقيدة التي رسخت فيهم، وتوارثوها جيلاً بعد جيل، والتي تفرد بها طائفتهم من أول يوم أسس مذهبهم وكونت شرعتهم ووضع منهاجهم، وكانت هذه العقيدة من لوازم مذهب التشيع كما ذكره البحراني وقد مر ذكره. ودليل الصدق على ذلك نفاق القوم، الذي أعطوه صبغة دينية وسموه "التقية".

فبالصراحة والوضوح إن هؤلاء الأربعة لم يقولوا بهذا القول إلا تقية ونفاقاً، كي ينخدع المسلمون، ويلتبس عليهم الأمر.

وقد نص على ذلك كبيرهم "السيد المعتمد الجليل الأواه نعمت الله بن الفاضل المنتجب الأصيل السيد عبد الله الحسيني الموسوي الجزائري".

"الذي كان من أعاظم علمائنا المتأخرين، وأفاخم فضلائنا المتبحرين، وواحد عصره في العربية والأدب والفقه والحديث، وأخذ حظه من المعارف الربانية بحثه الأكيد وكده الحثيث، لم يعهد مثله في كثرة القراءة على أسانيد الفنون، ولا في كسبه الفضائل من أطراف الخزون بأصناف الشجون.

كان من مشرب الأخبارية كثير الاعتناء والاعتداد بأرباب الاجتهاد، وناصر مذهبهم في مقام المقالة منهم بأصحاب العناد وأعوان الفساد، صاحب قلب سليم ووجه وسيم وطبع مستقيم، ومؤلفات مليحة، ومستطرفات في السير والآداب والنصيحة، ونوادر غريبة في الغاية وجواهر من أساطير أهل الرواية، وأبسط تصانيفه شرحه الكبير على "تهذيب الحديث" في نحو إثني عشر مجلداً، وكتاب "أنواره النعمانية" المشتملة على ما كان من ثمر عمره جيداً" [نص ما ذكره الخوانساري في "روضات الجنات" ج8 ص150].

قال هذا المحدث الشيعي الكبير رداً على ما يقول بعدم التحريف في القرآن:

إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحّتها والتصديق بها. نعم! قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو هذا القرآن المنزّل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل. ومن هنا ضبط شيخنا الطبرسي آيات القرآن وأجزاءه، فروى عن النبي أن جميع سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وستة وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاث مائة ألف حرف وواحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً.

والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليهم بأنه ذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف له. وسيأتي الجواب عن هذا" ["الأنوار النعمانية" لنعمت الله الجزائري ج2 ص357 ط جديد].

وسنذكر بقية كلامه حول هذه المسألة عند ذكر عبارات الآخرين وهذه هي النقاط على الحروف:

أولاً: إن ابن بابويه القمي الملقب بالصدق الذي أصدر هذا القول أول مرة في الشيعة أورد نفسه روايات كثيرة في كتبه التي ألفها والتي تدل على تغيير القرآن وتحريفه ونقصانه بدون أن يقدح فيها ويطعن، ما يدل على أن عقيدته الأصلية كانت طبق ما اعتقدها القوم فنورد ههنا روايات تسعة من الأحاديث الكثيرة التي أوردها في كتبه، وقد يأتي ذكر بعضها في الباب الرابع.

فأولها ما أوردها في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية في كتاب النكاح تحت باب المتعة، فيقول:

أحل رسول الله صلى الله عليه وآله المتعة، ولم يحرمها حتى قبض واستدل على ذلك بقوله وقرأ ابن عباس ] فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله [ ["من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق" ج3 ص459].

والمعروف أن "إلى أجل مسمى" ليس من القرآن، وكذلك "من الله" بعد "فريضة".

وثانيها ما أوردها في كتابه (الخصال):

"حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجعابي قال: حدثنا عبد الله بن بشير قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: المصحف، والمسجد، والعترة.

يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثوا للركبتين للخصومة، فيقول الله جل جلاله لي: أنا أولى بذلك" ["كتاب الخصال" ص174، 175. باب الثلاثة].

وثالثها ورابعها وخامسها ما أوردها في كتابه (معاني الأخبار):

"حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني قالا: حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري قال: حدثنا أحمد بن أبي الصباح: قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن هشام بن سعد بن زيد بن أسلم، عن أبي يونس قال:

كتبت لعائشة مصحفاً، فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى أمليها عليك، فلما مررت بها أملتها علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر".

و"حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبد الله (قال: حدثنا أحمد) بن أبي خلف الأشعري قال حدثنا سعد بن داؤه عن أبي هر عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عمرو بن نافع، قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوجة النبي (r) فقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر).

و"حدثنا علي بن عبد الله الوراق، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال حدثنا أحمد بن أبي خلف الأشعري قال حدثنا سعد بن داؤد عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر قوموا لله قانتين) ثم قالت عائشة: سمعتها والله من رسول الله صلى الله عليه وآله " ["معاني الأخبار" لابن بابويه القمي ص313، 314 ط مكتبة الفريد].

ثم قال بعد ذكر هذه الأخبار الثلاثة:

قال مصنف هذا الكتاب: فهذه الأخبار حجة لنا على المخالفين والصلاة الوسطى صلاة الظهر.

والرواية السادسة ما أوردها النوري في (فصل الخطاب) نقلاً عن (الأمالي) و(العيون) لابن بابويه:

"عن الرضا عليه السلام أن في قراءة أبي بن كعب: وأنذر عشيرتك الأقربن ورهطك منهم المخلصين" ["فصل الخطاب" ص145].

والرواية السابعة هي التي ذكرها النوري في (فصل الخطاب) أيضا نقلاً عن (الأمالي) لابن بابويه القمي:

"عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أمر الله نبيه أن ينصب أمير المؤمنين (ع) للناس في قوله تعالى: ] يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي [ ["فصل الخطاب" ص282].

والرواية الثامنة ما أوردها الطبرسي عنه في صدد الرد عليه بعد الاستدلال بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t أنه جمع القرآن:

"فلما جاء به فقال: هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون" ["فصل الخطاب" ص32].

والرواية التاسعة "أن أبا الحسن موسى عليه السلام الإمام السابع عند القوم قال:

ولا تلتمس دين من لي من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم وتدري ما خانوا أماناتهم؟

ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه" ["فصل الخطاب" ص244].

هذه ومثلها فإنها لكثيرة، وإنها تدل دلالة صريحة على أن القوم لم يلتجئوا إلى القول بعدم التحريف إلا تقية.

وأما الطوسي فليس بمختلف عن ابن بابويه القمي، وهو قد ملأ كتابه بمثل هذه الروايات التي نقلنا عن متبوعه، وكذلك المرتضى والطبرسي.

ونود أن نذكر ههنا بعض العبارات من كبراء الشيعة الذين ردوا على هؤلاء الأربعة أقوالهم في عدم التحريف في القرآن وكل هؤلاء لهم شأن ومقام عند القوم: فنبدأ "بالعالم، الفاضل، الكامل، العارف، المحدث، المحقق، المدقق، الحكيم، المتأله محمد بن مرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالكافي والوافي والشافي إلى غير ذلك مما يقرب من مائة تصنيف المتوفى سنة 1091ه‍" ["الكنى والألقاب" ج3 ص32، 33].

قال هذا في تفسيره بعد ما ذكر كلام الطبرسي والمرتضى أي أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث:

أقول: لقائل أن يقول:

كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم. والتغيير فيه. إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول:

إنه ما تغير في نفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به. فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به. فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.

وأما كونه مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وآله على ما هو عليه الآن فلم يثبت وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً، وكان لا يتم إلا بتمام عمره. وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لا تمامه" ["الصافي" لفيض الكاشاني ج1 ص35، 36، المقدمة السادسة].

ويقول رداً على كلام ابن بابويه القمي المذكور في أول المقال:

يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزله الله محفوظاً عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام عليه السلام كذلك، فإن الثقلين سيان في ذلك. ولعل هذا هو المراد من كلام الشيخ. وأما قوله: ومن يجب اتباع قوله فالمراد به البصير بكلامه، فإنه في زمان غيبتهم قائم مقامهم لقولهم عليهم السلام:

انظروا من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فاجعلوه بينكم حاكماً. فإني قد جعلته عليكم حاكماً. الحديث" ["الصافي" ص36،37].

كما رد على هؤلاء الأربعة "الفاضل، العالم، الماهر، المدقق، الفقيه، العارف بالتفسير والعربية والرجال، والمحدث الفاضل، والجامع المتتبع للأخبار بما لم يسبق إليه السابق سوى شيخنا المجلسي، صاحب كتاب تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني" ["روضات الجنات" للخوانساري ج8 ص181].

قال في مقدمة تفسيره في الفصل الرابع تحت عنوان "بيان خلاصة أقوال علمائنا في تفسير القرآن وعدمه، وتزييف استدلال من أنكر التحريف":

اعلم أن الذي يظهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات كثيرة في هذا المعنى في كتاب الكافي الذي صرح في أوله بأنه كان يثق فيما رواه فيه ولم يتعرض لقدح فيها ولا ذكر معارض لها، وكذلك شيخه علي بن إبراهيم القمي ره فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه قال  في تفسيره: أما ما كان من القرآن خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى: ] كنتم خير أمة أخرجت للناس [ فإن الصادق عليه السلام قال لقارئ هذه الآية خير أمة تقتلون علياً والحسين بن علي t فقيل له فكيف نزلت؟ فقال إنما نزلت خير أئمة أخرجت للناس ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية: تأمرون بالمعروف الآية، ثم ذكر رحمه الله آيات عديدة من هذا القبيل ثم قال:

وأما ما هو محذوف عنه فهو قوله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي قال: كذا نزلت أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، ثم ذكر أيضاً آيات من هذا القبيل ثم قال: وأما التقديم فإن آية عدة النساء الناسخة التي هي أربعة أشهر قدمت على المنسوخة التي هي سنة وكذا قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة فإنما هو "ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى" ثم ذكر أيضاً بعض آيات كذلك ثم قال وأما الآيات التي تمامها في سورة أخرى: فقال موسى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم: وتمامها في سورة المائدة فقالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون: ونصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة. ثم ذكر آيات أيضاً من هذا القبيل ولقد قال بهذا القول أيضاً ووافق القمي والكليني ره جماعة من أصحابنا المفسرين كالعياشي والنعماني وفرات بن إبراهيم وغيرهم، وهو مذهب أكثر محققي محدثي المتأخرين، وقول الشيخ الأجل أحمد بن أبي طالب الطبرسي كما ينادي به كتابه الاحتجاج وقد نصره شيخنا العلامة باقر علوم أهل البيت عليه السلام وخادم أخبارهم عليه السلام في كتابه بحار الأنوار، وبسط الكلام فيه ما لا مزيد عليه.

وعندي في وضوح صحة ذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر حتى تعلم توهم الصدوق ره في هذا المقام حيث قال في اعتقاداته بعد أن قال: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك وأن من نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب: وتوجيه كون مراده علماء قم فاسد، إذ علي بن إبراهيم الغالي في هذا القول منهم، نعم قد بالغ في إنكار هذا الأمر السيد المرتضى ره في جواب المسائل الطرابلسبيات. وتبعه أبو علي الطبرسي في مجمع البيان حيث قال: أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانه.

وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس روحه وكذا تبعه شيخ الطوسي في التبيان حيث قال: وأما الكلام في زيادته ونقصانه يعني القرآن فما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه وأما النقصان منه فالظاهر أيضاً من المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا: كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخامسة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحية لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه فما وافقه عمل عليه وما يخالفه يجتنب ولا يلتفت إليه وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر الأمر بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه.

أقول: أما ادعائهم عدم الزيادة أي زيادة آية أو آيات مما لم يكن من القرآن فالحق كما قالوا إذا لم نجد في أخبارنا المعتبرة ما يدل على خلافه سوى ظاهر بعض فقرات خبر الزنديق في الفصل السابق وقد وجهناه بما يندفع عنه هذا الاحتمال، وقد مر في الفصل الأول وفي روايات العياشي أن الباقر عليه السلام قال أن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت بها الكتبة وتوهمها الرجال، وأما كلامهم في مطلق التغيير والنقصان فبطلانه بعد أن نبهنا عليه أوضح من أن يحتاج إلى بيان وليت شعري كيف يجوز لمثل الشيخ أن يدعي أن عدم النقصان ظاهر الروايات مع أنا لم نظفر على خبر واحد يدل عليه، نعم دلالتها على كون التغيير الذي وقع غير مخل بالمقصود كثيراً خلال كحذف اسم علي وآل محمد صلى الله عليه وآله وحذف أسماء المنافقين وحذف بعض الآيات وكتمانه ونحو ذلك وأن ما بأيدينا كلام الله وحجة علينا كما ظهر من خبر طلحة السابق في الفصل الأول مسلمة، ولكن بينه وبين ما ادعاه بون بعيد وكذا قوله رحمه الله وأن الأخبار الدالة على التغيير والنقصان من الأحاد التي لا توجب علماً، مما يبعد صدوره عن مثل الشيخ لظهور أن الآحاد التي احتج بها الشيخ في كتبه وأوجب العمل عليها في كثير من مسائله الخلافية ليست بأقوى من هذه الأخبار لا سنداً ولا دلالة على أنه من الواضحات البينة أن هذه الأخبار متواترة معنى، مقترنة بقرائن قوية موجبة للعلم العادي بوقوع التغيير ولو تمحل أحد للشيخ بأن مراده أن هذه الأخبار ليست بحد معارضة ما يدل على خلافها من أدلة المنكرين، فجوابه بعد الإغماض عن كونه تمحلاً سمحاً ما سنذكره من ضعف مستند المنكرين.

ومن الغرائب أيضاً أن الشيخ ادعى إمكان تأويل هذه الأخبار وقد أحطت خبراً بأن أكثرها مما ليس بقابل للتوجيه، وأما قوله ره ولو صحت الخ فمشتملة على أمور غير مضرة لنا بل بعضها لنا لا علينا إذ:

منها عدم استلزام صحة أخبار التغيير والنقص الطعن على ما في هذه المصاحف، بمعنى عدم منافاة بين وقوع هذا النوع من التغيير وبين التكليف بالتمسك بهذا المغير، والعمل على ما فيه لوجوه عديدة كرفع الحرج ودفع ترتب الفساد وعدم التغيير بذلك عن إفادة الأحكام ونحوها وهو أمر مسلم عندنا ولا مضرة فيه علينا بل به نجمع بين أخبار التغيير وما ورد في اختلاف الأخبار من عرضها على كتاب الله والأخذ بالموافق له.

ومنها استلزام الأمر بالتمسك بالثقلين ووجود القرآن في كل عصر ما دام التكليف، كما أن الإمام عليه السلام الذي قرينه كذلك ولا يخفى أنه أيضاً غير ضار لنا بل نافع إذ يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله مخصوصاً عند أهله أي الإمام الذي قرينه ولا يفترق عنه، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام الذي هو الثقل الآخر أيضاً كذلك لا سيما في زمان الغيبة فإن الموجود عندنا حينئذ أخباره وعلماؤه القائمون مقامه، إذ من الظواهر أن الثقلين سيان في ذلك، ثم ما ذكره السد المرتضى لنصرة ما ذهب إليه: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حداً لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بالغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلفوا فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.

وذكر أيضاً: أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمازني مثلاً فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفاصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه مثلاً باباً في النحو ليس من الكتاب يعرف ويميز ويعلم أنه ليس من الكتاب إنما هو ملحق، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وجوابه: إنا لا نسلم توفر الدواعي على ضبط القرآن في الصدر الأول وقبل جمعه كما ترى غفلتهم عن كثير من الأمور المتعلقة بالدين، ألا ترى اختلافهم في أفعال الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وآله يكررها معهم في كل يوم خمس مرات على طرفي النقيض؟ ألا تنظر إلى أمر الولاية وأمثالها؟ وبعد التسليم نقول أن الدواعي كما كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهو أهم، والتغيير فيه إنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلأننا في بينهما.

وأيضاً أن القرآن الذي هو الأصل الموافق لما أنزل الله سبحانه لم يتغير ولم يحرف بل هو على ما هو عليه محفوظ عند أهله وهم العلماء به، فلا تحريف كما صرح به الإمام في حديث سليم الذي مر من كتاب الاحتجاج في الفصل الأول من مقدمتنا هذه، وإنما التغيير في كتابه المغيرين إياه وتلفظهم به فإنهم ما غيروا إلا عند نسخهم القرآن فالمحرف إنما هو ما أظهروه لأتباعهم، والعجب من مثل السيد أن يتمسك بأمثال هذه الأشياء التي هي محض الاستبعاد بالتخيلات في مقابل متواتر الروايات فتدبر.

ومما ذكر أيضاً لنصرة مذهبه طاب ثراه: أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين علي جماعة من الصحابة في حفظهم له وإن كان يعرض على النبي ويتلى، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوت وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.

وجوابه: أن القرآن كان مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وآله على ما هو عليه الآن غير ثابت بل غير صحيح وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً وكان لا يتم إلا بتمام عمره، ولقد شاع وذاع وطرق الأسماع في جميع الأصقاع أن علياً عليه السلام قعد بعد وفات النبي صلى الله عليه وآله في بيته أياماً مشتغلاً بجمع القرآن، وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه، ومن أعجب الغرائب أن السيد ره حكم في مثل هذا الخيار الضعيف الظاهر خلافه بكونه مقطوع الصحة حيث أنه كان موافقاً لمطلوبه واستضعف الأخبار التي وصلت فوق الاستفاضة عندنا وعند مخالفينا بل كثرت حتى تجاوزت عن المائة مع موافقتها للآيات والأخبار التي ذكرناها في المقالة السابقة كما بينا في آخر الفصل الأول من مقدمتنا هذه، ومع كونها مذكورة عندنا في الكتب المعتبرة المعتمدة كالكافي مثلاً بأسانيد معتبرة وكذا عندهم في صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم مثلاً اللذين هما عندهم كما صرحوا به تالي كتاب الله في الصحة والاعتماد بمحض أنها دالة على خلاف المقصود وهو أعرف بما قال والله أعلم.

ثم ما استدل به المنكرون بقوله: إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وقوله سبحانه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: فجوابه بعد تسليم دلالتها على مقصودهم ظاهر مما بيناه من أن أصل القرآن بتمامه كما أنزل الله محفوظ عند الإمام ووراثه عن علي عليه السلام فتأمل والله الهادي" نص ما أورده السيد هاشم البحراني في مقدمة تفسيره ["البرهان" لهاشم البحراني المقدمة ص49، 50 ، 51 ط إيران].

كما رد عليهم فيمن رد محدث القوم السيد نعمت الله الجزائري في كتابه (الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية)، الذي كتب في مقدمته:

"وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين عليهم السلام، وما صحّ عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التواريخ أكثرها . . . . قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود، ولهذا كان أكثر فيها من الأكاذيب الفاسدة، والحكايات الباردة".

يقول في هذا الكتاب بعد ذكر القراءات وحيثيتها:

إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزر به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها، نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل ومن هنا ضبط شيخنا الطبرسي آيات القرآن وأجزاءه فروى عن النبي أن جميع سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائة آية وستة وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلث مائة ألف حرف وإحدى وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً.

والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليه بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف له، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا، الرابع أنه قد حكى شيخنا الشهيد طاب ثراه عن جماعة عن القراء أنهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع أو العشر أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءة فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلاً عن غيرهم، فإذا اعترف القراء بمثل هذا فكيف ساغ لنا الحكم على هذه القراءة كلها بالتواتر كما قاله العلامة طاب ثراه في كتاب المنتهى، وكيف ظهرت لنا القراءة المتواترة حتى نقرأ بها في الصلاة وكيف حكمنا بأن الكل قد نزر به الروح الأمين فإن هذا القول منهم رجوع عن التواتر، الخامس أنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصية من النبي فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزل فقال له عمر بن الخطاب لا حاجة لنا إليك ولا إلى قرائتك عندنا قرآن جمعه وكتبه عثمان، فقال: لن تروه بعد هذا اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة وهو خال عن التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها وهي أن لا يكذبوه في أمر القرآن بأن يقولوا أنه مفترى أو أنه لم ينزل به الروح الأمين كما قال أسلافهم بل قالوه هم أيضاً، وكذلك جعل معاوية من الكتاب قبل موته ستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضاً، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون إلا في المسجد مع جماعة الناس فما كانوا يكتبون إلا ما نزل به جبرئيل بين الملأ وأما الذي كان يأتي به داخل بيته فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً فكان يتفرد بكتابة مثل هذا وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان وسموه الإمام وأحرقوا ما سواه وأخفوه وبعثوا به زمن تخلفهم إلى الأقطار والأمصار، ومن ثم ترى قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد الواو المفردة وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم اطلاع عثمان على قواعد العربية والخط، وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن خلافته إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي هو ألفه وكان يعلم أنه إنما طلبه لأجل أن يحرفه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس أن القرآن هو هذا الذي كتبه عثمان لا غير فلم يبعث به إليه، وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء.

ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وأخفاه، هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء حتى قال لولا سبقني ابن الخطاب ما زنى إلا شقاء يعني إلا جماعة قليلة لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة، وقد بقي القرآن الذي كتبه عثمان حتى وقع إلى أيدي القراء فتصرفوا فيه بالمد والإدغام والتقاء الساكنين مثل ما تصرف فيه عثمان وأصحابه وقد تصرفوا في بعض الآيات تصرفاً فنفرت الطباع منه وحكم العقل بأنه ما نزل هكذا، وفي قريب هذه الأعصار ظهر رجل اسمه سجاوند أو نسبة إلى بلده فكتب هذه الرموز على كلمات القرآن وعلمه بعلامات أكثرها لا يوافق تفاسير الخاصة ولا تفاسير العامة، والظاهر أن هذا أيضاً إذا مضت عليه مدة مديدة يدعي فيه التواتر وأنه جزء القرآن فيجب كتابته واستعماله، والحاصل أن الغارة إذا وقعت اشترك فيه العدو والولي ["كتاب الأنوار" لنعمت الله الجزائ