كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

البداء عند الإمامية الإثني عشرية

 

 

منزلة البداء عند الإمامية

تحتل مسألة البداء مكانة رفيعة في عقيدة الإمامية الإثني عشرية، حتى لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب عقائدهم، وجاءت الروايات الكثيرة في كتبهم الحديثية بتعظيم هذه العقيدة و(أنه ما عبد الله بشيء مثل البداء) (ما عظم الله عز وجل بمثل البداء) (ما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر له بالبداء) [البداء في ضوء الكتاب والسنة: جعفر السبحاني (ص:15)]

وفي المقابل فقد لقيت هذه العقيدة هجومًا عنيفًا ونقدًا كبيرًا من معظم فرق المسلمين، وشنعوا بها على الإمامية، حتى أن منهم من حكم بكفرهم وردّتهم لأجلها.

ولما ترى أيها القارىء من خطورة هذا التناقض في هذه القضية، وكون الفريقين فيها على طرفي نقيض، كان من الأهمية بمكان أن نستجلي الحقيقة فيها، ونوضح الغموض الذي يكتنفها، كما أنه ينبغي أن نبين مغزى كلا الفريقين في نظرته [للبداء]، وحقيقة كل قول ودليله، ومن ثم النظر في الراجح من كلا القولين، والحق الموجود عند الفريقين، معتمدين في ذلك على كتب أصحاب القول أنفسهم، محتجين لهم أو عليهم بما يحتجون به هم من رواياتهم وأحاديثهم.

وذلك أن مسلك النظر الحيادي في كلا القولين، والإنصاف المستلزم لترك التعصب أو التقليد؛ هو المسلك الحق والطريق المرضي، فالله المستعان وعليه التكلان!

 

حقيقة البداء لغة:

اعلم أن كلا الفريقين اتفقا على أن البداء معناه في اللغة: الظهور بعد الخفاء،يقال: بدا له: أي ظهر له ما كان خافيًا عنه،أو إنشاء الرأي الجديد الذي لم يكن يعلمه من قبل، فهو مستلزم للجهل، وحدوث علم جديد بعد جهله به.

ولكون البداء هو هذه الحقيقة اللغوية التي يقر بها الفريقان، فقد نفاه الإمامية الإثني عشرية عن أنفسهم، وحاولوا تأويل ما ورد منه في رواياتهم، وفي المقابل فقد شنع عليهم المخالفون من فرق المسلمين لكونه نسبة الجهل وحدوث العلم لله تعالى. وذلك مما أجمعت الأمة وعلم من الدين بالضرورة تنزيه الله سبحانه وتعالى عنه.

البداء في مرويات الإمامية الإثني عشرية:

طفحت الكتب الإمامية بالروايات التي تذكر البداء لله كعقيدة يجب الإيمان بها وتعظيمها، والإقرار لله بها، كما وجدت روايات أخرى تبين جريان اعتقاد البداء على ألسنة أئمتها.

فمن ذلك ما نسبوه لجعفر الصادق من قوله: (ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل ابني... إذ اخترمه قبلي ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي) [التوحيد لابن بابويه (ص:336)، وانظر هذا المعنى في أصول الكافي (1/327)].

ومن مروياتهم أنهم نسبوا إلى نبي الله لوط أنه كان يستحث الملائكة لإنزال العقوبة بقومه خشية أن يبدو لله، ويقول (يأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم، فقالوا: يا لوط إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [فروع الكافي (5/546)].

وجاء في الكافي (...عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد مضي ابنه أبي جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما -أعني أبا جعفر وأبا محمد- في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد عليهم السلام، وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر عليه السلام، فأقبل عليَّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم! بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون) [أصول الكافي (1/327)].

وحسب مضمون هذه الروايات إضافة إلى المعنى اللغوي المجمع عليه للبداء، فإنه يلزم الإمامية القول بنسبة البداء لله، وهو جهله تعالى ببعض الأمور، وحدوث العلم له عز وجل بعد أن كان لا يعلمه ولا يعرفه.. سبحانه وتعالى وتنزه عن ذلك! وللإنصاف فإن بعض الشيعة المعاصرين لا يلتزمون هذا اللازم، ولكن هل ينفعهم عدم التزامه؟

كما أن الروايات الأخرى الكثيرة في كتب الإمامية الإثني عشرية، تبين بوضوح أن الأئمة قد يخبرون عن بعض الأحداث المستقبلية، ثم لا تكون كما أخبروا، ويرجعون سبب ذلك بأنه بدا لله تعالى أن لا يكون ما أخبروا، وهذا مما تقر به الإمامية ويصرحون به.

ولأجل ذلك قال سليمان بن جرير الذي تنسب إليه فرقة السليمانية من الزيدية: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية) [المقالات والفرق للقمي (ص:78)، فرق الشيعة للنوبختي (ص:64)].

فكأن اختراع القول بالبداء هو لأجل ما ظهر للناس من مخالفة الواقع لأخبار الأئمة، مع قول علماء الشيعة بأن الأئمة يعلمون الغيب، فهم يعلمون ما كان وما يكون، ويعلمون كل شيء، ولا يموتون إلا باختيارهم... إلخ كما هو في أبواب أصول الكافي وغيره من كتب الإمامية المعتمدة.

 

تأويل البداء عند الإمامية:

بادر كثير من أئمة الشيعة الإثني عشرية إلى إنكار البداء بمعناه المذكور سابقًا كعقيدة موجودة عندهم. واختلفوا كثيرًا في توجيهه كلفظ منسوب إلى الله تعالى، وفي توجيه الروايات المذكورة في كتبهم، فمنهم:

-  من ذهب إلى أن القول بالبداء إنما كان في رواية آحاد لا توجب علمًا ولا عملًا كما صرح بذلك الطوسي [تلخيص المحصل (ص:250)]. وقد رد المجلسي هذا القول واستغربه من الطوسي وعزا ذلك (لعدم إحاطة الطوسي بالأخبار) [بحار الأنوار (4/123)] .

- ومنهم من ذهب إلى تأويله بالابتداء أي (أن الله يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره) [ابن بابويه في التوحيد (ص:335)].

وهذا تأويل خارج تمامًا عن أصل الموضوع؛ لأن الكلام في البداء لا البدء، وهو ظاهر التكلف، ومخالف تمامًا من كل الوجوه للروايات الواردة في الباب كما سبق.

-  كما أن ابن بابويه وغيره ذهب إلى تأويل آخر، وهو تفسير البداء بالنسخ، وذلك أن الله (يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه...) [التوحيد (ص:335)].

ولا يخفى أن الفرق بين البداء والنسخ ظاهر جدًا؛ إذ أن البداء ينافي إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، بينما النسخ هو تقدير من الله تعالى في علمه الأزلي لكل حكم ميقاتًا وزمانًا معلومًا، فإذا انتهى زمانه حلّ محله حكم آخر بأمره سبحانه ونهيه، وليس فيه تغيير في علمه الأزلي.

-  كما ذهب صنف آخر إلى جعله من باب التغيير في لوح المحو والإثبات عنده سبحانه وتعالى، وأن البداء لا يتعلق بالعلم الأزلي، وإنما هو ما يحصل من محو وإثبات في الأقدار المشروطة بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، وذلك كزيادة العمر لمن وصل رحمه، أو شفاء المريض إذا تصدق، أو تفريج الكربة إذا دعا صاحبها... الخ.

غير أن هذا التأويل لا يتفق أبدًا مع الروايات التي القول فيها صريح بأن الله تعالى يبدو له بعد أن لم يكن يعلم، كما في الرواية السابقة في أصول الكافي [1/327]: (نعم يا أبا هاشم! بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام مالم يكن يعرف له).

والعجيب أن أئمة الشيعة الإثني عشرية لا يألون جهدًا في الدفاع عن هذه العقيدة وتأويلها، وتحسين صورتها، ولا يتعرضون لتكذيب تلك الروايات والنظر في أسانيدها، ويعبرون عن هذه المعاني الصحيحة بالألفاظ الشرعية التي لا توهم نقصًا في ذات الله تعالى، إلا ما فعله النصير الطوسي عندما حكم عليها بأنها خبر آحاد لا توجب علمًا ولا عملًا، غير أنه قوبل بالتجهيل من المجلسي، واتهامه بأنه لم يحط بالأخبار الواردة في الباب.

ولو تنزلنا على ما ذكروه من التأويلات والتفسيرات لمعنى البداء بما يخالف المعنى المتبادر؛ فإنه تبقى هناك قضية مهمة لا بد من الالتفات إليها وهي:

أن الذي دفع الإمامية إلى القول بالبداء قطعًا هو ادعاؤهم أن الأئمة يعلمون الغيب وما كان وما يكون، وقد حصل من مخالفة الواقع لأقوالهم وأخبارهم ما دفعهم إلى القول بالبداء، وأن علم الأئمة هو علم موقوف قابل للتغيير بحسب الحكمة والمصلحة، وتوفر الشروط وانتفاء الموانع، غير أنهم يرجعون وينسبون إلى الأئمة أنهم يعلمون أيضًا من الغيب ما هو محتوم لا يتبدل ولا يتغير ويخبرون به، وعند التفريق بين أخبارهم وأحاديثهم: هل هي من العلم الغيبي الموقوف والذي يمكن أن يحصل فيه البداء، أم من المحتوم الذي لا يمكن أن يتغير، لأن الله تعالى لا يكذب نفسه ولا أولياءه وأنبياءه فيما يخبرون.

بل إن الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (البداء في ضوء الكتاب والسنة) وقف متحيرًا في جواب السؤال الذي يطرح نفسه في:

ما هو الميزان للأمور المحتومة التي لا يحصل فيها البداء، والأمور الموقوفة التي يتحقق فيها البداء في أخبار الأئمة؟

فقال: إنه لا يمكن تحديد مورد البداء من أخبار الأئمة بحدود وضوابط معينة، إلا فيما يتعلق بنظام الولاية والنبوة أو الإعجاز أو مايكون التخلف فيه موجبًا للاتهام بالتقول، فهذا لا يرد فيه البداء أبدًا، وكلام الأئمة فيه من العلم المحتوم.

وأنت ترى أن هذا الكلام ظاهر التناقض ودليل على الحيرة والتخبط عند القوم؛ لأن مآل كلامهم في البداء يوجب على كل من سمع خبرًا أو كلامًا عن الأئمة في المستقبل، أن لا يأخذه بمأخذ الحتم والقطع لأنه محتمل عدم الوقوع، إذ قد يحصل لله البداء فيه فيقع خلاف ما أخبر به الإمام.

مع أن الأمور الثلاثة التي ذكرها الأستاذ جعفر السبحاني أن أخبار الأئمة فيها مما لا يمكن أن يتحقق فيه البداء، وأن قبولها يجب أن يكون على مأخذ الحتم والقطع؛ قد وقع في بعضها البداء الذي تنسبه رواياتهم إلى الله تعالى.

ذلك أن الإمامة عندهم متسلسلة في الأعقاب، والنص موجود على أسماء الاثني عشر، وهذا مما يتعلق بالولاية والإمامة كما هو ظاهر، وقد حصل فيه البداء بانتقال الإمامة من إسماعيل بن جعفر إلى أخيه موسى الكاظم، مع أنه خالف العقيدة المقررة عندهم من تسلسل الإمامة في الأعقاب، كما هو معروف من مذهبهم في الإمامة.

وعليه فقد حصل البداء في مثل هذا الأمر الذي ادعى السبحاني عدم إمكان تحقق البداء فيه.

ومثله ما ينسبونه إلى أمير المؤمنين عليه السلام بحصول الرخاء بعد سبعين عامًا، ثم تخلفه وعدم وقوعه كما أخبر، فإن هذا مما يوجب اتهام القائل -ولا بد- إن خالف الواقع ما أخبر به، وهم جعلوا تخلف وجود وحصول الرخاء بعد السبعين من باب البداء لله تعالى، مع أن السبحاني ينفي إمكان تحقق البداء في مثله.

وخلاصة القول:

 أن الإمامية لو تركوا الغلو في الأئمة الذي أدى بهم إلى القول بأنهم يعلمون الغيب، وساروا مع جماعة المسلمين في نفي علم الغيب عن أحد إلا الله تعالى،كما هو صريح القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأخبار الأئمة، سواء في كتب السنة أو في بعض روايات الإمامية، وكما هو الموافق للعقل والواقع ؛ لخرجوا من هذا المأزق الخطير، ولأراحوا أنفسهم من تعب ونصب تكلف التأويلات والتفسيرات المعقدة للتناقض الموجود في كثير من عقائدهم وآرائهم، ومنها القول بالبداء لله، تعالى عن ذلك وتقدس!

فهل آن للعقول أن تتحرر!

 

سفن ستارز لخدمات مواقع الأنترنت