كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

لماذا الغيبة ؟

بعد تقديم جميع الأدلة العقلية والنقلية والتاريخية على · وجود (محمد بن الحسن العسكري ) وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري ، فان غيبته عن الأنظار وعدم خروجه وتصديه لقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بمهام الإمامة ، يشكل تحديا كبيرا للقائلين بوجوده ، ولذلك كان عليهم إن يفسروا · سرّ الغيبة . وقد قدموا عدة نظريات في تفسير ظاهرة الغيبة المحيرة ، وهي كما يلي:

1 - نظرية الحكمة المجهولة

وقد مال الشيخ الصدوق إلى هذه النظرية في :(إكمال الدين) وحتّم وجود حكمة في غيبة الإمام ، انطلاقا من آثار حكمة الله في حججه المتقدمين ، وقال: إن أيماننا بعصمة الإمام المهدي يقتضي منا التسليم بوجود حكمة وراء غيبته. 1

وقد نفى السيد المرتضى علم الهدى ضرورة معرفة سبب الغيبة على وجه التعيين ، وكفاية علم الجملة بوجود سبب ما للغيبة ، مع الأيمان بعصمة الإمام ، واعتبر العلم في ذلك كالعلم بمراد الله من الآيات المتشابهات في القرآن الكريم. 2

وهكذا قال الشيخ الطوسي بضرورة افتراض سبب لغيبة (صاحب الزمان) واستتاره ، والقول بوجود حكمة مسوّغة وان لم نعلمها مفصلا ، كما يتم افتراض أسباب وحكم لخلق الله عز وجل للبهائم والمؤذيات والصور القبيحة وإيلام الأطفال ، وان لم نعلم وجه حكمتها بالتفصيل ، وقال: إذا علمنا إمامته بدليل وعلمنا عصمته بدليل آخر وعلمناه غاب حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته ، فلا فرق بين الموضعين . 3

وقال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في :(اصل الشيعة وأصولها):· إن السؤال عن الحكمة ساقط إذا قامت البراهين على وجوب وجود الإمام في كل عصر ، وان الأرض لا تخلو من حجة ، وان وجوده لطف وتصرفه لطف آخر واعتبر المقام أدق واغمض من ذلك ، كما اعترف بجهل الحكمة وعدم الوصول إلى حاقّ المصلحة . 4

2 - نظرية التمحيص

وهناك نظرية أخرى في تفسير (غيبة الإمام ) هي نظرية (التمحيص) أي تمحيص الشيعة وتمييزهم وغربلتهم من اجل التعرف على حقيقة إيمانهم بالمهدي وصبرهم على البلاء .وقد روى الصدوق والطوسي روايات عديدة في هذا المضمون عن الإمامين الباقر والصادق (ع) ويتحدث بعض تلك الروايات عن عدم ظهور صاحب الامر إلا بعد ذهاب ثلثي الناس ، وعدم بقاء أحد إلا القليل ، وعن غربلة الشيعة كما يغربل الزوان من القمح . 5

وتقول رواية منها:· انه لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة يغيبها حتى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به ، انما هي محنة من الله امتحن بها خلقه ، وان عقولكم تصغر عن هذا الامر وأحلامكم تضيق عن حمله ، ولكن إن تعيشوا تدركوه . 6

 وتشبه رواية أخرى منها :· غيبة المهدي بإبطاء العقوبة التي استنزلها نوح من السماء حتى أخذت طوائف من المؤمنين به ترتد طائفة بعد أخرى .. وكذلك القائم فانه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم . 7

ولكن لم يأخذ بهذه النظرية سوى الصدوق ، وقد أهملها المفيد والمرتضى والطوسي . وان كانوا قد ذكروا بعض الروايات المتضمنة لها ، وفسر الطوسي تلك الروايات الواردة حول امتحان الشيعة في حال الغيبة بأنها تعني اتفاق ذلك في أثنائها لا انه سبب لها. 8

 3 - نظرية الخوف

 وهذه أقوي نظرية في تفسير سبب الغيبة ، وقد روى الكليني في (الكافي )والصدوق في (إكمال الدين) مجموعة روايات عن الإمام الصادق (ع) تشير إلى إن سبب الغيبة هو الخوف على الحياة والتقية . 9

وقال الشيخ المفيد في (الارشاد):· خلف الحسن ابنه المنتظر لدولة الحق وكان قد أخفى مولده ، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان الزمان له واجتهاده في البحث عن أمره ، ولِما شاع من مذهب الإمامة فيه وعرف من انتظارهم له ، فلم يظهر ولده في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته . 10

واعتبر المفيد إن الظروف المحيطة بغيبة (الإمام المهدي) اصعب بكثير من الظروف التي أحاطت بالأئمة السابقين من أهل البيت الذين لم يختفوا عن الأنظار ، وكانوا يتحصنون بالتقية ، وان سلاطين الزمان كانوا يعلمون قيام المهدي بالسيف ، ولذلك كانوا احرص على ملاحقته واستيصال شأفته ، وان السبب الذي كان يمنعه من الخروج هو قلة الأعوان والأنصار . 11

وأكد السيد المرتضى في (الشافي):· إن سبب غيبته إخافة الظالمين له ومنعهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرف فيه ، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة ، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره . 12

وقال الكراجكي في (كنز الفوائد):· إن السبب في غيبة الإمام إخافة الظالمين له وطلبهم بسفك دمه وإعلام الله انه متى أبدى شخصه لهم قتلوه ، ومتى قدروا عليه أهلكوه ، وانما يلزمه القيام بواجباته بشرط التمكن والقدرة وعدم المنع والحيلولة وإزالة المخافة على النفس والمهجة ، فمتى لم يكن ذلك فالتقية واجبة ، والغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة ، لأن التحرر من المضار واجب عقلا وسمعا . 13

 وحصر الطوسي أسباب الغيبة في الخوف ، وقال:· لا علة تمنع من ظهوره (ع) إلا خوفه على نفسه من القتل ، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار ، وكان يتحمل المشاق والأذى ، فان منازل الأئمة وكذلك الأنبياء (ع) إنما تعظم منزلتهم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله . 14

ولكن لماذا يخاف الإمام (محمد بن الحسن) على نفسه من القتل ، وقد خرج الإمام الحسين وضحى بنفسه في كر بلاء؟

 إن السيد المرتضى والشيخ الطوسي والكراجكي يجيبون على ذلك بالقول: إن أحدا من البشر لا يقوم مقام الإمام المهدي ، لأنه آخر الأئمة ولأن مصلحة المكلفين مقصورة عليه! 15

وهذا الجواب يفترض عدة أمور هي :

1 - تحديد مهدوية الإمام الثاني عشر من قبل الأئمة السابقين ، والإشارة إليه من قبل .

2 - وجود أزمة سياسية وعداوة وخوف لدى السلطات العباسية من المهدي ، ووجود خوف شديد واعظم لدى الإمام من المخاوف التي كانت في عصور الأئمة السابقين في ظل الحكام الأمويين والعباسيين.

3 - خاتمية الإمام الثاني عشر للأئمة وانحصار الإمامة فيه.

4 - تحريم التقية للمهدي قبل قيامه و ظهوره .

وإلا فإذا قلنا : إن الأئمة السابقين لم يحددوا هوية المهدي من قبل ، فلا حاجة له للغيبة منذ ولادته. وإذا ثبت إن العلاقة بين أهل البيت والعباسيين في تلك الفترة كانت طبيعية وإيجابية ولا يوجد فيها ضغط أو توتر سياسي ، فلا حاجة أيضا إلى الغيبة . وإذا قلنا إن الإمام الثاني عشر هو واحد من الأئمة وليس آخرهم ، كما كان الاماميون يعتقدون في البداية وحتى نهاية القرن الثالث ، فلا توجد ضرورة للغيبة ، لأن الأئمة السابقين كانوا جميعا معرضين للقتل ولم يغيبوا. وإذا قلنا إن الإمام الثاني عشر (المهدي) يجوز له استخدام التقية كسائر الأئمة فرضا ، فانه كان بمقدوره إن ينفي هويته ومهدويته إلى إن يظهر ، ولم يكن بحاجة إلى الغيبة منذ ولادته.

المطلب الثاني: أين مكان الغيبة؟

إن معظم الروايات التي تتحدث عن (المهدي محمد بن الحسن العسكري) تشير إلى انه كان في بيت أبيه في (سرّمن رأى) عاصمة الخلافة العباسية يوماك ، وان الذين شاهدوه في حياة أبيه شاهدوه فيها ، وتقول بعض الروايات : انه خرج للصلاة على جثمان أبيه الذي توفي ودفن في (سامراء) وانه التقى بعد ذلك بوفد قم الذي جاء يبحث عن الإمام الجديد ، وانه ظل مقيما في البيت إلى أعوام طويلة حتى دهمته قوات المعتضد فغاب في (السرداب) . وقد بنى الخليفة العباسي الناصر بالله قبة على ذلك السرداب ، لا تزال موجودة حتى اليوم ، ويزورها الشيعة من كل مكان ، وهي القبة المعروفة بقبة سرداب الغيبة ، في جوار قبر الإمامين الهادي والعسكري في مدينة سامراء شمالي بغداد .

ويورد الشيخ المفيد في :(الارشاد) قصة رجل اسمه (علي بن الحسين) يقول : انه زار الإمام المهدي في بيته في سامراء ، وجلس عنده ثلاثة أيام ، كما يذكر قصة (الحسن بن الفضل ) الذي يقول انه ورد العسكر (أي : سامراء) فبعث إليه الإمام المهدي صرة فيها دنانير . 16

وينقل المفيد عن الحسن بن عبدالحميد انه شك في أمر أحد وكلاء المهدي واسمه (حاجز بن يزيد) فذهب إلى العسكر ، فخرج إليه ما يؤكد صحة دعوى ذلك الوكيل وينهاه عن الشك. 17

المطلب الثالث: كم هي مدة الغيبة؟

وكانت مدة الغيبة في بداية القول بها تتأرجح بين أيام وشهور أو سنين لا تتجاوز عدد أصابع اليدين ، كما تقول روايات كثيرة يذكرها الكليني في :(الكافي) والطوسي في :(الغيبة). 18

بينما كان بعض الروايات يقول : أنها ستطول حوالي ثلاثين أو أربعين عاما . 19

أشارت بعض الروايات التي نقلها النعماني في (الغيبة) إلى تحديد مدة الغيبة جدا وحداثة عمر الإمام المهدي عند الظهور ، وقد فسرها النعماني بحداثة عمره وقت إفضاء الإمامة إليه . 20

ونقل الطوسي رواية أخرى عن الإمام الباقر (ع) : إن صاحب هذا الامر لا يتجاوز الأربعين . 21

وقالت روايات أخرى إن عمره قد يجاوز المائة والعشرين . 22

و روى الطوسي في :(الغيبة) عن أبى عبد الله (ع) : انه قال: ما تنكرون إن يمد الله لصاحب هذا الأمر في العمر كما مد لنوح في العمر؟ . وردّ على من استشكل حول طول مدة الغيبة وخروجها عن العادة ، بأن الأمر ليس على ما قالوه ، ولو صح لجاز إن ينقض الله العادة لضرب من المصلحة.23

واستشهد الصدوق والطوسي بغيبات موسى بن عمران ويوسف بن يعقوب ويونس بن متى الصحاب الكهف وصاحب الحمار ، ونوح وسلمان الفارسي والدجال ولقمان بن عاد وربيع بن ضبع ويعرب بن قحطان ، الذين قالوا انهم غابوا عن اقوامهم لفترات من الزمان .

المطلب الرابع: كيفية التأكد من هوية المهدي

وعلى أي حال فان الغيبة الطويلة أدت و تؤدي إلى مشكلة موضوعية ، وهي : كيفية التعرف على المهدي بعد الظهور ، والتأكد من هويته ، ولم تكن هذه المشكلة مطروحة في البداية وخاصة في عصر (الغيبة الصغرى) ولكنها بدأت تفرض نفسها مع توالي الزمان .. ومرور الأعوام . وقد كانت مدار بحث ونقاش بين الرافضين والقائلين بوجود المهدي ، في ذلك الوقت. وقد تصدى الشيخ الصدوق لمناقشتها ، وقال ردا على المعتزلة والمعارضين الذين كانوا يغمزون من هذه القناة:( انه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجة من أوليائه ، وقد يجوز إن يظهر معجزا يدل على ذلك ، وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ونجيب الخصوم به ، وان كان الأول صحيحا ) . 24

وقد أشار المفيد والطوسي إلى هذا الموضوع :(مشكلة التعرف على المهدي والتأكد من هويته عند الظهور ) بذكر مجموعة كبيرة من المعاجز والآيات الكونية الغريبة التي تسبق الظهور كعلامات على قيامه ، وعالج السيد المرتضى علم الهدى المشكلة في معرض مناقشته لإمكانية الظهور المؤقت أثناء فترة الغيبة ، فاشترط ظهور آيات تدل على صدقه. 25

 المطلب الخامس: علائم الظهور

 يذكر الكليني في :(الكافي) والصدوق في :( إكمال الدين ) و(عيون اخبار الرضا) والمفيد في :(الارشاد) والطوسي في :(الغيبة) والعياشي في (تفسيره) : مجموعة من الروايات تربط بين الظهور وبين حدوث علائم سماوية ، تتعلق بتوقف حركة الأفلاك ، وتغير في قوانينها ، وما شابه من المعاجز غير الطبيعية ، كركود الشمس وقت الزوال إلى وقت العصر ، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس ، وكذلك وقوع الكسوف والخسوف بصورة غير طبيعية ، ككسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر في آخره. أو تكلم العلم والسيف مع (الإمام المهدي) ومناداته بعدم جواز القعود بعد ذلك الوقت. فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم ، ويقيم حدود الله ويحكم بحكم الله .

إضافة إلى قصة طلوع الشمس من المغرب ، وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء القمر... وخروج جراد في أوانه وغير أوانه.. وخروج العبيد عن طاعة أسيادهم وقتلهم مواليهم.. ومسخٍٍ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير ، وغلبة العبيد على بلاد السادات.. ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كلهم ، كل أهل لغة بلغتهم ، واموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون..

ويذكر المفيد : إن جبرائيل ينزل على القائم لمبايعته عند الظهور ، ويقول الطوسي: إن أصحاب القائم سوف ينقلون إلى مقر المهدي من بيوتهم بصورة اعجازية كلمح البصر.!

ويتحدث المفيد عن بعض العلائم الكونية التي سوف تحدث عند ظهور (المهدي) كامتداد طول اليوم إلى عشرة أضعاف ليكون 240 ساعة !

وهذا ما يفسره الطوسي بحديث مشابه ، حيث يقول: ( إذا قام القائم .. يأمر الله الفلك في زمانه فببطيء في دوره حتى يكون اليوم في أيامه كعشرة من أيامكم ، والشهر كعشرة اشهر ، والسنة كعشر سنين من سنيكم )

ويروي الكليني حديثا عن الإمام الباقر (ع) يتنبأ فيه باستعمال الشيعة لطريقة (التلفون التلفازي) في التحدث مع القائم ومشاهدته عن بعد ، ومن مختلف الأقطار. وذلك عند ظهوره.

 وتقول بعض الروايات: إن القائم إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها واستغنى العباد عن ضوء الشمس ، وذهبت الظلمة ، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له أف ولد ذكر لا يولد فيهم انثى.!

واخيرا تتحدث الروايات الواردة حول ظهور المهدي عن مدة ملكه ، فتقول إحداها : انه سيحكم سبع سنين تكون اشبه بسبعين سنة من سنينا .

وتقول رواية أخرى: إن القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين ، كما لبث أهل الكهف في كهفهم ، ولكن رواية ثالثة تقول: انه يحكم تسعة عشر عاما فقط. 26

 

تناقض (الغيبة) مع فلسفة الإمامة

 

لكي نفهم موضوع (الغيبة) على حقيقته لا بد ان نفهم أولا نظرية (الإمامة) كما كان يقول بها المتكلمون الاماميون الأوائل الذين أسسوا لها . تقول نظرية ( الإمامة الإلهية ) : ان الأرض لا يجوز ان تخلو من امام ( أي من حكومة ودولة ) وان الامام ، أي الرئيس أو الخليفة أو القائد الأعلى ، يجب ان يكون معصوما ومعينا من قبل الله ، وان الشورى باطلة ولا يجوز انتخاب الامام من قبل الأمة ، وتقول النظرية الموسوية ( المتفرعة عن الامامية و الموازية للفطحية ) : ان الإمامة تتسلسل بشكل وراثي عمودي في ذرية علي والحسين الى يوم القيامة .

ومن هنا فقد افترض المتكلمون الاماميون وجود وولادة ( ابن ) للامام الحسن العسكري ، بالرغم من عدم وجود أدلة تاريخية كافية ، ورفض بعضهم الإيمان بامامة جعفر بن علي الهادي ، · لعدم جواز الجمع بين أخوين بعد الحسن والحسين وقالوا :· لا بد ان يكون قد ولد الامام الحجة بن الحسن العسكري ، وان اباه قد اخفاه عن أعين الناس .

ولكن السؤال الكبير الذي فرض نفسه هو: إذا كانت الإمامة محصورة في هذا الشخص ، ولا تجوز لغيره من الناس العاديين غير المعصومين وغير المعينين من قبل الله تعالى ، فلماذا يغيب ويختفي ولا يظهر ليقود الشيعة والمسلمين ويؤسس الحكومة الإسلامية التي لا بد منها؟ ما دام ان الأرض لا يجوز ان تخلو من امام ، والامام الغائب لا يمكن ان يمارس إمامته وقيادته للناس ؟. وما هو السر في الغيبة ؟ والى متى يغيب؟ وما هو واجب الشيعة في حالة الغيبة؟

لقد كانت النتيجة الطبيعية واللازمة لذلك الفكر هي نظرية (الانتظار) وتحريم النشاط السياسي في (عصر الغيبة) وهي النظرية التي سادت قرونا طويلة من الزمن ، ولا تزال بعض آثارها مستمرة بالرغم من القول بنظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) حيث انتهت نظرية المتكلمين المثالية الى غيبوبة الشيعة عن الحياة وافتقادهم للإمامة ، لعدم ظهور (الامام المعصوم). وهذا ما شكل تناقضا صارخا مع فلسفة الإمامة التي تقول بوجوب الامام في الأرض ووجوب كونه معصوما ووجوب تعيين الله له في كل زمان ومكان ، من اجل تطبيق الشريعة الإسلامية وقيادة المسلمين والإفتاء لهم وحل مشاكلهم التشريعية .

وكان الشيعة الامامية (الموسوية) قد خاضوا تجربة مرة مماثلة مع (الحركة الواقفية) التي ادعت غيبة الامام موسى الكاظم (ع) ، ووقفت منها موقفا رافضا ، وذلك لتناقض الغيبة مع فلسفة الإمامة ، حيث قال لهم الامام علي بن موسى الرضا (ع) :

- · سبحان الله !.. يموت رسول الله ولا يموت موسى !.. قد والله مضى كما مضى رسول الله . 1

واتهم الواقفية الذين زعموا ان أباه لم يمت ، بالكذب والكفر بما انزل الله عز وجل على محمد (ص) وقال :

- · لو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق اليه لمدّ الله في أجل رسول الله (ص) . 2

واخذ الامام الرضا يناقش (الواقفية ) في معنى الامام وفائدة قولهم بالإمامة إذا كانوا يعلقون التزامهم بإمام غائب لا وجود له في الحياة ، وينبههم الى ضرورة التفاعل مع الامام الحي الظاهر ، وينقل عن آبائه قولهم :· ان الحجة لا تقوم لله على خلقه الا بامام حي يُعرف . ومن مات بغير امام مات ميتة جاهلية.. امام حي يعرفه. وقد قال رسول الله (ص): من مات وليس له امام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية . ومن مات وليس عليه امام حي ظاهر مات ميتة جاهلية .. امام حي . 3

مما يكشف عن رفض الامام الرضا (ع) لنظرية الغيبة في أيام الامام ، وذلك لسقوط الحجة عن الناس في حالة الغيبة ، وضرورة حضور الامام بينهم ومعرفتهم له ، والاستماع اليه وطاعته ، والتفاعل معه ، إذا كان يجب على الله ان يبعث اماما من قبله.

إذن فان الغيبة تشكل تناقضا صارخا مع (ضرورة وجود الامام ) الذي يفترض ان يتصدى لقيادة المسلمين ، ولا يجوز له ان يغيب عن الساحة . فإذا قلنا مثلا ان الدولة يجب ان تعين ضابطا للمرور في التقاطع الفلاني ، ورأيناه غائبا والمرور مشتبكا ، فان غيابه يشكل تناقضا مع قولنا (لا بد ان تعين الدولة ضابطا ) ولا يفيد وجوده خلف ستار الغيب ، لأن المرور اصبح مشتبكا ومعقدا وفوضويا . وهذا أمر عقلي بديهي وواضح ، لا يمكن التغاضي عنه ، أو تجاهله أو تبريره ببعض الأخبار الضعيفة.

ولكن أركان نظرية (الغيبة) رفضوا استخدام العقل هنا بالرغم من استخدامه في تثبيت المقدمات الأولى :( ضرورة وجود الامام ، وضرورة كونه معصوما ، وضرورة كونه معينا من قبل الله ) وقد اخرج احمد بن اسحاق القمي ( أحد أركان نظرية الغيبة) كتابا عن (الامام الحجة ابن الحسن) قال : انه أرسله اليه جوابا عن رسالة كان قد بعثها اليه واستفسر فيها عن علة الغيبة ، وقد جاء في ذلك الكتاب (التوقيع):· لا تسألوا عن أشياء ان تبدَ لكم تسؤ كم ! وبناء على ذلك فقد قال الشيخ الصدوق :· ان الله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ولا يقال له : لم؟ ولا كيف:.. وهكذا إظهار الامام الى الله الذي غيبه، فمتى أراده أذن فيه فظهر .4

وقال أيضا:· لا يصح إيمان عبد حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضى ويسلم في جميع الأمور تسليما ولا يخالطه شك ولا ارتياب، والإسلام هو الاستسلام والانقياد. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين . 5

وروى الصدوق حديثا عن الامام الصادق (ع) يعتذر فيه عن بيان وجه الحكمة في (غيبة صاحب الأمر) وذلك لأمر لم يؤذن له بكشفه للناس ، ويقول:· ان وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف الا بعد ظهوره.. وانه أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله . 6

ورفض الشيخ المفيد سلوك طريق العقل والاعتبار في التحري عن سبب الغيبة ، وقال:· ان المصلحة لا تعرف الا من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر والعالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر... . 7

وطالب الكراجكي الشيعة بالكف عن التفكير في هذه المسألة ، بعد الإيمان بوجود الإمام وعصمته وانه لا يفعل شيئا الا بإذن الله والتسليم لكل خطوة أو فعل أو موقف يتخذه (الإمام المعصوم) حتى مع عدم معرفة الأسباب والأغراض ، وقال:· انه ليس يلزمنا معرفة هذا السبب ولا يتعين علينا الكشف عنه ، ولا يضرنا عدم العلم به . (8 ) ونفى الشيخ الطوسي الحاجة الى تكلف الكلام في سبب غيبة الإمام بعد ثبوت وجوده . 9

وبعد اعتراف أركان نظرية (الغيبة) بعدم وجود تفسير معقول واكيد للغيبة ، لا تبقى حاجة لمناقشة الروايات والنظريات المختلفة التي قدموها لتبرير الغيبة بالحكمة المجهولة أو بتمحيص الشيعة وغربلتهم ، أو بخوف صاحب الزمان على حياته من القتل ، فان رواتها غلاة وضعاف ، ومضمونها لا ينطبق على (محمد بن الحسن العسكري) .

وقد اعرض معظم الكتاب الذين ألفوا حول الغيبة كالمفيد والمرتضى والطوسي عن تبني نظرية (التمحيص) ما عدا الشيخ الصدوق الذي اهتم بها بعض الشيء ، وان لم يتبنها تبنيا كاملا ، خاصة بعد انقراض الجيل الأول الذي تعرض للتمحيص حتى لم يبق منه أحد .

وارى من الضروري التوقف فقط عند نظرية الخوف التي فسر بها بعض المتكلمين كالسيد المرتضى والشيخ الطوسي والكراجكي حالة (الغيبة) . وقد اعتمد القائلون بنظرية الخوف على مجموعة روايات ضعيفة السند وعامة لا تحدد اسم القائم ، وهي مروية عن زرارة عن الإمام الصادق (ع) قبل اكثر من مائة عام من وفاة الإمام الحسن العسكري .ولم يمكن اللجوء الى نظرية الخوف في تفسير الغيبة الا بعد القول بمجموعة من النقاط الافتراضية الوهمية كتحديد هوية الإمام المهدي من قبل ، وهو أمر اثبتنا في الفصل الثاني عدم صحته ، وكذلك افتراض وجود توتر سياسي بين البيت العلوي والبيت العباسي الحاكم ، وهذا ما سوف ننفيه في فصل آخر ، والقول أيضا بفكرة خاتمية المهدي للأئمة الاثني عشر ، وهذه نظرية لم تكن موجودة في البداية وقد ظهرت في القرن الرابع الهجري ، و القول كذلك بحرمة استعمال الإمام المهدي للتقية واخفاء هويته حتى يوم ظهوره ، وهو أمر لا ينسجم مع سياسة الأئمة السابقين ولا مبرر له.

ومع كل ذلك فقد كانت نظرية الخوف بعيدة جدا عن أخلاق أهل البيت (ع) وحبهم للشهادة في سبيل الله ، وهي تثير تساؤلات كبيرة حول السر وراء عدم حفظ الله تعالى للمهدي ، على فرض وجوده ، كما حفظ النبي موسى وأنجاه من فرعون ، وكما حفظ الرسول الأعظم (ص) المبشر به من قبل .

وبالرغم من عدم تحديد الأئمة من أهل البيت (ع) لهوية المهدي من قبل ، فان التسليم بهذه المقولة جدلاً يثير تساؤلاً عن السر وراء إعلان أهل البيت لإسم القائم من قبل اذا كانوا يعرفون انه سيتعرض للضغط؟ ولماذا لم يتركوه سراً لحين موعد القيام ، حتى يجنبوا المهدي ملاحقة الأعداء منذ الولادة والطفولة؟

وإذا صحت نظرية الخوف من الأعداء فلماذا يستتر المهدي عن أوليائه؟ ولقد قام مئات الملايين من الشيعة عبر التاريخ بانتظار (الإمام المهدي) وإعلان الاستعداد لنصرته ، وقامت لهم دول تتبنى الإيمان به فلماذا لم يظهر مع ارتفاع الخوف بالتأكيد؟

وهذا سؤال طرحه بعض رؤساء الدولة البويهية الشيعية التي قامت في القرن الرابع الهجري ، على الشيخ المفيد وطالبه بالإجابة عليه ، فأحال المفيد الإجابة على الله وقال:· ان سر الغيبة لا يعلمه الا هو واعترف فيه بكثرة الشيعة في ظل الدولة البويهية ، ولكنه شكك في صدقهم وشجاعتهم وتقواهم . 10

 والآن.. وبعد مضي اكثر من ألف عام على القول بنظرية (الخوف) في تبرير (الغيبة).. وبعد سقوط عشرات الدول وقيام أضعافها ، فان تلك النظرية تبدو بعيدة جدا عن الواقع وعارية عن اية مصداقية ، ولا تشكل سوى فرضية وهمية لتبرير فرضية وجود الإمام (محمد بن الحسن العسكري) وتناقض غيبته مع مسئولية الإمامة الملقاة على كاهله من الله .

وهذا ما يثبت عدم صحة فرضية ولادة ووجود (الإمام الحجة بن الحسن) والا فلو كان حقا موجودا لكان يجب عليه الظهور والقيام عند أول فرصة تسمح له بذلك ، وعدم جواز إبقاء الامة مهملة بدون قيادة شرعية .

لقد طالب أصحاب نظرية الخوف : الشيعة ، بأن يزيلوا الأسباب التي دفعت (الإمام المهدي) الى الغيبة ، وذلك بتمكينه وإعداد العدة لنصرته ، أو العزم على نصرته ومعاضدته والانقياد له والكف عن نصرة الظالمين ، ودعوته للخروج ، وقال السيد المرتضى في (الشافي):· ان المكلفين متمكنون مما إذا فعلوه زالت تقية الإمام وخوفه ووجب عليه الظهور.. وقد بينا ان سبب الغيبة هو فعل الظالمين وتقصيرهم فيما يلزم من تمكين الإمام فيه والإفراج بينه وبين التصرف فيهم، وبينا انهم مع الغيبة متمكنون من مصلحتهم بأن يزيلوا السبب الموجب للغيبة ليظهر الإمام وينتفعوا بتدبيره وسياسته . 11

وقد زال الخوف اليوم و أزال الشيعة الأسباب التي دفعت الإمام الى الغيبة ، وأعدوا العدة لنصرته وعزموا على معاضدته والانقياد له والكف عن نصرة الظالمين ، ودعوه للخروج ، ولكنه لم يخرج ! بالرغم من قول السيد المرتضى بوجوب الظهور عليه .

وقد رفض الشيخ الصدوق في (إكمال الدين) التصديق بقول الواقفية في غيبة الإمام موسى الكاظم ومهدويته لأن عمره كان قد تجاوز يوم ذاك العمر الطبيعي المعهود ، ومع ذلك فقد روى هو والطوسي روايات تقول بأن عمر المهدي قد يطول مثل عمر نوح ، وجواز ان ينقض الله العادة لضرب من المصلحة . 12

 

الوضع السياسي العام عشية (الغيبة) وغداتها

 

القسم الأول: النظام العباسي

 امتاز العهد العباسي الثاني بسيطرة الموالي الأتراك على شؤون الخلافة ، والتدخل في تعيين الخلفاء وإزالتهم ، حيث قتل (باغر) التركي المتوكل نتيجة صراعات داخل البيت الحاكم ، وخلافات بين أركان السلطة والقوات المسلحة . 1

وورث عرش الخلافة من المتوكل ابنه محمد المنتصر ، وله من العمر 25 سنة ، ولكنه لم يستمر في الخلافة اكثر من ستة اشهر حتى توفي . 2

وقام قائدا الأتراك (وصيف) و(بغا) بعد وفاة المنتصر بقتل (باغر) الذي قتل المتوكل وجاءا بالمنتصر الى سدة الخلافة . (3) كما قاما بالسيطرة على الخليفة المستعين الذي لم يكن له من الأمر شيء غير الاسم ، حتى قال بعض الشعراء فيه: خليفة في قفص بين وصيف وبغا يقول ما قالا له كما يقول الببغا4

 وانحدر المستعين الى بغداد بعد ان اعتقل المعتز والمؤيد ، فقام الموالي بإخراج المعتز والمبايعة له والانقياد الى خلافته ومحاربة المستعين وناصريه (وصيف وبغا) ببغداد ، فبايعوه ، وذلك في 11/ محرم/251 ، وأحدر المعتز اخاه احمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين الى بغداد ، فلما رأى محمد بن عبد الله بن طاهر ذلك كاتب المعتز وجنح اليه ومال الى الصلح على خلع المستعين. وخلع المستعين نفسه من الخلافة يوم الخميس 3 محرم 252 ه وسلم الخلافة الى المعتز .(5) حيث بويع للمعتز ، وهو الزبير بن جعفر المتوكل ، وله يومئذ 18 سنة ، وعين المؤيد وليا للعهد ، ولكنه سرعان ما حبسه لأنه سمع أن المؤيد يتآمر عليه ، ثم خلعه . 6

وقام المعتز بقتل وصيف وبغا ، ومال الى المغاربة والفراغنة ، فنقم عليه الأتراك الذين تألبوا عليه بعد قتله لرؤسائهم فثاروا عليه واجبروه على الاستقالة في أواخر شهر رجب سنة 255 بعد ان حكم حوالي اربع سنين وستة اشهر ، وحاول محمد بن الواثق ان يتوسط بينه وبين الأتراك ، فقال له المعتز يائساً: أمر لا أطيقه ولا أقوم به ولا اصلح له . وحاول المهتدي ان يتوسط ايضا فقال له المعتز: لا حاجة لي فيها ولا يرضونني لها. وقتل في محبسه بعد ستة ايام من الاستقالة . 7

 وقد نصب الأتراك بعد استقالة المعتز ، المهتدي محمد بن هارون الواثق ، وكان له من العمر 37 سنة ، وحكم حوالي عام من 29 رجب 255 الى 16 رجب 256 ، حيث قتل على أيدي الأتراك .

وكان موسى بن بغا الكبير ، عندما قتل المعتز ، غائبا ، بينما كان صالح بن وصيف يدير الأمر مع المهتدي ، فعاد موسى مسرعا ودخل ( سرمن رأى ) بدون إذن الخليفة المهتدي ، وقتل صالح بن وصيف . 8

 وفي هذه الأثناء تمرد (مساور الشاري) ودنا في عسكره من سامراء ، وعم الناس بالأذى ، وانقطعت السابلة وظهرت الأعراب ، فأخرج المهتدي: موسى بن بغا وبايكال الى حرب الشاري ، ولكنهما عادا وتحارب بايكال مع الخليفة المهتدي ، وكانت بينهما حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس ، وانكشف بايكال واستظهر المهتدي عليه وقتله ، فخرج كمين بايكال على المهتدي ، فولى هو واصحابه ودخل سامراء مستغيثا بالعامة مستنصرا بالناس يصيح في الأسواق فلا مغيث ، فمضى مؤيسا من النصر الى دار ابن خيعونة متخفيا ، فهجموا عليه وعزلوه وطعنوه بالخناجر ، وذلك في 16 رجب سنة 256 . 9

وقد بويع بعد ذلك للمعتمد احمد بن جعفر المتوكل ، وهو ابن 25 سنة ، وبقي في الخلافة 23 سنة الى ان توفي سنة 279 ، وقد كان ضعيفا جدا مشغوفا بالطرب ، والغالب عليه المعاقرة ومحبة انواع اللهو والملاهي .. وبايع المعتمد لابنه جعفر وسماه المفوض الى الله ، ولكن أخاه ابا احمد الموفق غلب على الأمور وتدبيرها فحظر على أخيه المعتمد وحبسه ، فكان أول خليفة يقهر ويحبس ويحجر عليه ، وعندما توفي الموفق قام ابنه المعتضد بأمور الناس في التدبير وخلع جعفرا من ولاية العهد سنة 278 ، واصطبح المعتمد في 19 رجب 279 وتغدى غداء مسموما فمات..ودخل اسماعيل بن حماد القاضي الى المعتضد وعليه السواد فسلم عليه بالخلافة . 10

وقد توفي الامام الحسن العسكري في عهد المعتمد سنة 260 ، وحدثت (الغيبة) والحيرة والخليفة المعتمد يبلغ من العمر حوالي ثلاثين سنة.

وتوفي المعتضد في 22 ربيع الثاني سنة 289 فخلف ابنه علي المكتفي بالله الذي بويع له بالخلافة وله من العمر 25 سنة ، فكان شابا ضعيفا ، فغلب عليه القاسم بن عبيد الله وفاتك مولاه ، ثم غلب عليه بعد وفاة القاسم وزيره العباس بن الحسن وفاتك. 11

وعاش الخلفاء العباسيون بعد ذلك سلسلة من الصراعات الداخلية الدموية العنيفة على السلطة ، فيما بينهم وبين الموالي والأتراك ، فقد قتل المقتدر عام 320 في الواقعة التي كانت بينه وبين مؤنس الخادم في بغداد ، وبويع للقاهر بالله بعده ، ثم خلع بعد اقل من عامين وسملت عيناه في 5/5/322 وبويع للراضي بالله بعده ، الذي حكم حوالي خمس سنين ومات حتف انفه في 10/3/329 ، ولكن عصره شهد سيطرة الموالي و (بجكم) التركي الذي ضرب الدنانير والدراهم ووضع صورته عليها وهو شاكي السلاح مع كتابة هذه الجملة ( انما العز فاعلم ، للامير المعظم ، سيد الناس بجكم ) . 12

وبويع بعده للخليفة المتقي بالله في 1/3/329 فظل في الخلافة حوالي اربع سنين ، فخلع وسملت عيناه في 3/4/333 ، وذلك بسبب استعانته بالحمدانيين وتفويض الملك اليهم ، مما اغضب الأتراك وزعيمهم توزون الذين سيطروا على بغداد سنة 332 فتآمروا على المتقي وخلعوه أرسلوا الى عبد الله بن علي المستكفي وبايعوه بالخلافة في 3/2/333 ولكنه خلع بعد عام وسملت عيناه ، وذلك على يدي احمد بن بويه الديلمي ، الذي اتهمه بمكاتبة بني حمدان واطلاعهم على أسراره ، وولى المطيع مكانه في 23/ شعبان / 334ه

  القسم الثاني: وضع المعارضة

 كما شاهدنا في القسم الأول: كان من ابرز خصائص العصر العباسي الثاني: التفسخ والانحلال ، وقد نشأ من ضعف الخلافة وعدم امتلاكها زمام الأمور.. فصار أي واحد من أمراء الأطراف في الدولة الإسلامية الواسعة غير مقيد بالارتباط الوثيق بالعاصمة ، ان شاء كان مواليا ، وان شاء اصبح مستقلا وناجز الآخرين ، فكانت الحروب تدور في الأطراف بين الأمراء والولاة.

ومن أوضح تلك الموارد: الاندلس التي استقلت تلك الفترة بالخلافة تحت حكم عبد الرحمن الناصر الاموي ، وكان الشمال الافريقي مستقلا الى حد كبير تحت امرة آل الاغلب ، وكانت بلاد فارس والعراق مسرحا خصبا لجيوش يعقوب بن الليث الصفار وحروبه من سنة 253 الى ان توفي سنة 265 ، حيث خلفه أخوه عمرو بن الليث ، وفي عام 261 استقل الى حد كبير نصر بن احمد الساماني ببلاد ما وراء النهر حتى توفي عام 270 ، ولم تكن الأطراف القريبة من العاصمة (سر من رأى) بأحسن حالا من الأطراف البعيدة ، فقد كانت أيضا مسرحا لمصالح العمال والقواد من ناحية ، ومسرحا لنشاط الخوارج والزنج ثم القرامطة من ناحية أخرى.

 وكان الخليفة المعتمد الذي كان مولعا بالطرب والملاهي وشرب الخمور ، بالخصوص ضعيفا الى درجة كبيرة بحيث لم تبق معه من الخلافة الا صورتها بلا واقع.. لا حل له ولا عقد .

وشهد هذا العصر سلسلة من ثورات الشيعة والعلويين بمختلف فئاتهم وأحزابهم ، رغم ان بعض الخلفاء العباسيين بدأ يميل الى التشيع او يتعاطف مع العلويين بصورة كبيرة ، فقد كان النظام يتفسخ ويتفتت ، وربما حدث الصراع داخل البيت العباسي نفسه.

 

الثورات العلوية عشية (الغيبة)

 

يقول المسعودي في (مروج الذهب):· في عام 250 ه ظهر ببلاد طبرستان الحسن بن زيد العلوي ، فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شرير.. وظلت في يده الى ان توفي سنة 270 فخلفه اخوه محمد بن زيد ، الى ان حاربه رافع بن هرثمة ، ودخل محمد بن زيد الديلم في سنة 277 فصارت في يده وبايعه بعد ذلك رافع بن هرثمة وصار في جملته وانقاد الى دعوته والقول بطاعته..

وكان الحسن ومحمد يدعوان الى الرضا من آل محمد ، وكذلك من طرأ بعدهما ببلاد طبرستان وهو الحسن بن علي الحسني المعروف بالاطروش وولده الداعي الحسن بن القاسم . 13

وفي نفس الوقت (سنة 250) ظهر بالري محمد بن جعفر ودعا للحسن بن زيد صاحب طبرستان .(14) كما ظهر بقزوين الكركي ، وهو ثائر علوي آخر، ثم التحق بالحسن بن زيد.

وظهر بعده بالري علوي آخر هو : احمد بن عيسى ، ودعا الى الرضا من آل محمد ، وسيطر على الري. كما ظهر بعد ذلك بعام الحسين بن محمد العلوي بالكوفة ، وأجلى عنها عامل الخليفة . وثار بعده علوي آخر هو : محمد بن جعفر .

وفي عام 251 ثار علي بن عبدالله الطالبي المسمى بالمرعشي في مدينة آمل. كما ثار الحسين بن احمد الأرقط بقزوين ، وظل مستوليا عليها حتى عام 252 ، كما استولى على الري أيضا .

وقد تم كل ذلك في ظل تدهور الأمور أيام الخليفة المستعين الذي اختلف مع اهل بيته ، وانحدر الى بغداد ، فاضطرب عليه الموالي وحاربوه واجبروه على خلع نفسه ، وتمت البيعة للمعتز. 15

وفي عام 252 في ظل خلافة المعتز الشاب الذي لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره ، ثار العلوي: اسماعيل بن يوسف ، في المدينة وخلفه بعد وفاته أخوه محمد بن يوسف ، ثم سار الى اليمامة والبحرين واستولى عليها ، و خلف بها عقبه المعروف ببني الأخضر. 16

وفي خلافة المهتدي سنة 255 ظهر صاحب الزنج في البصرة.

وفي عام 256 خرج في مصر ، العلوي: إبراهيم بن محمد المعروف بابن الصوفي . كما ثار علي بن زيد العلوي في الكوفة ، وقاتل بعكبرا ، حتى قتل سنة 257 .

وفي سنة 257 ظهر القرامطة في البحرين وامتدوا الى البصرة والعراق والجزيرة.

وقد تفجرت في الري ثورة شيعية بقيادة احمد بن الحسن المادراني الذي سيطر عليها في عهد المعتمد ، في عام 275 ، واظهر فيها التشيع وأقام حكومة شيعية.17

  الثورات الإسماعيلية في اليمن وشمال أفريقيا

وكان (الحسين بن حوشب) قبل ذلك ، وبعد سنوات قليلة من وفاة الامام العسكري ، وذلك في سنة 266 قد استطاع ان يؤسس في اليمن أول حركة إسماعيلية ناجحة ويجمع حوله عددا كبيرا من قبائل اليمن ويظهر بينهم الدعوة ل :(المهدي الإسماعيلي ) الذي كان يعيش مستترا في مدينة سلمية في سوريا ، ويؤسس أول دولة إسماعيلية في التاريخ. ثم ارسل ابن حوشب : الداعي (ابا عبد الله الشيعي) الذي كان قد انسحب من الفرقة القائلة بوجود (محمد بن الحسن العسكري) والتحق بالاسماعيلية ، وكان يعمل محتسبا في بغداد ، ارسله الى شمال أفريقيا للدعوة الى الامام الإسماعيلي المستتر (عبيد الله المهدي) . واستطاع ابو عبد الله في ظل ضعف قبضة الدولة العباسية ، ان يكسب تأييد قبيلة كتامة ، ويسيطر على المغرب ويكتسح نفوذ بني الأغلب ، ويقضي على دولتهم في القيروان في تونس عاصمة أفريقية ، ويؤسس الدولة الفاطمية التي امتدت بعد ذلك الى مصر وسوريا ، وذلك في سنة 296 في عهد الخليفة العباسي المقتدر ، الذي بويع وله من العمر 13 عاما ، وكان الامام المهدي الإسماعيلي يقود نشاطاته المعارضة للدولة العباسية ويعمل على إسقاطها ، وبعد نجاحه في تفجير الثورة في اليمن على يدي الداعي بن حوشب ، استطاع ان يفجر الثورة في واسط في العراق ، على يدي احد أتباع المذهب الإسماعيلي:( حمدان بن قرمط) الذي اكتسح جنوب العراق والجزيرة العربية وامتد الى سوريا .

 تعاطف الخلفاء العباسيين مع العلويين

ونتيجة لذلك فقد كانت سياسة المعتضد لينة مع العلويين كسياسة من سبقه من الخلفاء العباسيين ، بالرغم من خروج الداعي في طبرستان واستقلاله بالسلطة هناك.

ويقول المسعودي: ان الداعي العلوي بعث بمال الى عاصمة الخلافة لكي يوزع على آل ابي طالب فيها ، فعلم الخليفة المعتضد بذلك ، فلم يستطع ، او لم يشأ ان يعارض ذلك ، بل ارسل الى الرجل المكلف بالتوزيع

أحضره أنكر عليه إخفاء ذلك وأمره بإظهاره ، وقرب اليه آل ابي طالب ، و ادعى الخليفة المعتضد انه كان قد شاهد الامام علي في الرؤيا قبل ان يصل الى الخلافة وقال له: ان هذا الأمر سيصل اليك فلا تتعرض لولدي ولا تؤذهم ، فقال : السمع والطاعة. 18

ويروي المجلسي في (بحار الأنوار) عن محمد بن جرير الطبري: ان المعتضد ، الذي ولي الخلافة بعد المعتمد ، عزم على لعن معاوية بن ابي سفيان على المنابر ، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس. 19

واخفق المعتضد في مسعاه لمقاومة الحركة القرمطية ، أرسل جيشا لقمعها لكنه هزم واسر قائده ، وكان القرامطة يزحفون على البصرة تارة وعلى بغداد تارة ، وعلى الحجاز تارة أخرى. ونودي بزعيم لهم هو ( صاحب الناقة ابو عبد الله محمد) خليفة وتسمى بأمير المؤمنين ، ثم هجموا على الشام وظهروا فيها سنة 289 وظل خطرهم جاثما على المنطقة حتى نهبوا الكعبة وسرقوا الحجر الأسود وقتلوا آلافا من الحجاج سنة 317 ، ثم نهبوا البصرة واحتلوا الكوفة ، واضطر الخليفة المعتضد ان يعقد معهم الهدنة ويؤدي لهم ( مائة وعشرين الف دينار) كل عام .

وفي عهد الخليفة الطفل المقتدر بالله أصيبت الدولة العباسية بالضعف الشديد داخليا وخارجيا ، واحتل الروم ساحل الشام ومدينة اللاذقية سنة 298 ، وظهر محسن بن جعفر بن علي الهادي في دمشق سنة 300 ، ولكنه هزم وقتل بعد ذلك .

 ومنذ ذلك الحين شهد العصر العباسي سيطرة البويهيين (الشيعة) على مقاليد السلطة في عاصمة الخلافة العباسية بغداد ، حيث كانوا ينصبون الخلفاء ويعزلونهم . 20

 اذن فان الظروف المحيطة ب :(الغيبة) من قبل ومن بعد ، لم تكن تنطوي على أي مبرر للخوف والتقية ، بحيث يخفي الامام الحسن العسكري مولد ابنه ويكتمه بالمرة ، ولم يكن من العسير على (محمد بن الحسن العسكري) لو كان موجودا فعلا ، ان يظهر هنا وهناك . وحتى لو كان قد أعلن عن نفسه منذ البداية انه (المهدي المنتظر) لم يكن يصعب عليه اللجوء الى أطراف الدولة العباسية ويختبيء بالجبال والغابات ، وان يتحدى السلطات العباسية الضعيفة جدا ويقيم دولته المعهودة ، ويؤدي مسئولياته في إمامة الشيعة والمسلمين ، ومن المعروف ان الحكام البويهيين (الشيعة المؤمنين به) طالبوا الشيخ المفيد ان يخرج ويحكم بدل الخليفة العباسي ، كما خرج (المهدي الفاطمي) وحكم في شمال أفريقيا ، بعد ان كان مستترا ، فلم يحر المفيد جوابا ، بعد تهافت حكاية التقية والخوف على نفسه من القتل .

 ماذا في علائم الظهور؟

إضافة الى عدم وجود مبرر حقيقي للغيبة ، فان القائلين بها يتحدثون عن محاولات السلطة العباسية للتفتيش عن (الامام المهدي) والقبض عليه ، ومع ذلك فانهم يتحدثون عن اختباء (المهدي) في بيت ابيه في عاصمة الخلافة (سامراء) ولمدة طويلة ، وهو ما يناقض فلسفة الغيبة المفترضة :( الخوف والتقية) حيث كان ينبغي لو صح وجوده ان ينأى عن قبضة السلطة بالاختباء في نواحي البلاد البعيدة .

وبما ان الغيبة مناقضة لفلسفة الإمامة ، خاصة بتلك الصورة الطويلة ، فقد كان القول بها في البداية يتأرجح بين ستة ايام او ستة شهور او ست سنين ، ثم تطور الى ثلاثين عاما او اربعين عاما او مائة وعشرين عاما ، حسبما تقول روايات كثيرة ينقلها الطوسي في :(الغيبة) ص 76 - 78

ولم تكن مدة الغيبة تتصور اكثر من عمر الإنسان الاعتيادي ، ولذا فقد رفض الشيخ الصدوق قول (الواقفية) بغيبة الامام موسى الكاظم ، لإنه كان قد تجاوز العمر الطبيعي في القرن الرابع الهجري ، اي اصبح له من العمر حوالي مائتي عام . (إكمال الدين )

وعلى اي حال ، فان الروايات التي تتحدث عن علائم الظهور ، تشكل دليلا إضافيا على عدم صحة نظرية (المهدي محمد بن الحسن العسكري) وذلك لأنها تتحدث عن علائم ظهور مضى عليها الزمان ، كالظهور بعد سقوط الدولة الأموية ، والانتقام من الأمويين .

 او الظهور في العهد العباسي ، او نهايته عند اختلاف ولد بني العباس فيما بينهم ، او في أعقاب قتل (ذي النفس الزكية) كما تقول روايات أخرى يذكرها الطوسي والنعماني والكليني

 وتشير بعض الروايات الى ان (المهدي) سيفتح القسطنطينية التي استعصت على المسلمين قرونا طويلة ، وانه سيفتح الديلم والسند والهند وكابل والخزر . وكل هذه العلائم او المهمات قد حدثت ولم يظهر المهدي الموعود ، مما يدل على عدم صحة الروايات او ارتباطها بأشخاص آخرين.

وتتحدث بعض الروايات عن علائم تعجيزية لا تحدث الا يوم القيامة او بعد زوال الدنيا ، كركود الشمس وسط السماء وطلوعها من المغرب ، وامتداد اليوم الى 240 ساعة ، وخروج أموات من قبورهم .

او تتحدث عن معاجز تقنية كالحديث مع القائم ورؤيته عن بعد ، بما يشبه جهاز (البث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية) وقد حدث هذا الجهاز مؤخرا ، ولكن ليس على يدي القائم ، مما يحول دون اعتباره معجزة من معاجز (المهدي).

او حدوث بعض العلائم الغريبة التي تتنافى مع سنة الله في الحياة كولادة الذكور دون الإناث بالآلاف للشخص الواحد ، كما يقول المفيد .

ومن الجدير بالذكر ان جميع الروايات الواردة في هذا الشأن هي مرسلة او مروية عن مجاهيل وغلاة ووضاعين ، وهي لا تذكر هوية القائم المهدي بالتحديد ، وانما تشير اليه بصورة عامة ، مما يحتمل وضعها او اختلاقها من قبل الحركات المهدوية السابقة في القرون الهجرية الاولى ، وبالتالي فانها تشكل دليلا على تطور النظرية المهدوية ، وتطبيق اصحاب نظرية (المهدي محمد بن الحسن العسكري) تلك الأحاديث عليه.

 

دور الغلاة الباطنيين في صنع الفرضية (المهدوية)

 

بعد تهافت الأدلة العقلية والنقلية والتاريخية التي قدمها أصحاب نظرية ( وجود المهدي محمد بن الحسن العسكري) واتضاح ان ذلك القول لم يكن الا ·فرضية اجتهادية سرية افترضها جماعة من الناس ، يأتي السؤال المحير الكبير : من كان وراء ذلك القول الغريب الافتراضي ؟.. وكيف استطاع اولئك الناس إحداثه ؟ وما هي مصلحتهم من وراء ذلك؟ وما هي أجواؤهم الثقافية والعقلية ؟ و لماذا اختاروا القول بوجود ولد للامام العسكري ، بالخصوص من بين الخيارات العديدة التي كانت تواجه الشيعة الأمامية بعد الحيرة ؟ وكيف نجحوا في تسويق نظريتهم ؟

لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة ومعرفة حلولها بدقة ، الا بالرجوع الى الوراء وقراءة التاريخ الشيعي العام خلال القرون الثلاثة الأولى ، والإطلاع على جذور الحركات المهدوية السابقة وعلاقتها بالفرق الباطنية الغالية التي كانت تحاول إلصاق نفسها بأهل البيت (عليهم السلام) .

 

 العلاقة بين الغلو والمهدوية في التجارب السابقة

 

كنا قد استعرضنا في الفصل الثاني قصة نشوء حوالي عشرين حركة مهدوية ، وكان معظمها وليد الحركات المغالية ، وقد رأينا ان أول نظرية مهدوية في التاريخ الشيعي كانت تدور حول الامام أمير المؤمنين (ع) وقد اختلقها الغلاة (السبئية) الذين كانوا يغالون في شخصية الامام علي ويرفعونه الى درجة الربوبية .

 اما النظرية الثانية فقد كانت حول محمد بن الحنفية ، وقد اختلقها الكيسانية المتأثرين بالسبئية الغلاة ، وخاصة (الكربية( منهم .

وكان رجل من الكيسانية الغلاة اسمه ( حمزة بن عمارة البربري ) قد طور نظرية مهدوية ابن الحنفية ، فقال بألوهيته وبنبوة ابن كرب ، وجعل من نفسه إماما مرتبطا بالسماء .

وقد تناسلت تلك الحركة المغالية ، بعد ذلك ، الى عدة فرق ، وقالت فرقة منهم تعرف ب :(البيانية) بزعامة (بيان النهدي) قالت: بمهدوية ابي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وغلت فيه ، وادعى (بيان) النبوة عن ابي هاشم.

كما قال قسم آخر من الكيسانية الغلاة يعرف ب :(الجناحية) ب مهدوية الثائر الطالبي عبد الله بن معاوية بن جعفر الطيار .

وقد انتقلت عدوى الغلو من الكيسانية الى بعض الزيدية الذين قالوا بمهدوية (ذي النفس الزكية : محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن) حيث رفض قسم منهم الاعتراف بوفاته وقالوا بغيبته ، وحدث فيهم ما حدث في الحركة الكيسانية ، عندما قام رجل يدعى (المغيرة بن سعيد) بتطوير النظرية المهدوية وادعى الإمامة لنفسه في ظل (غيبة) ذي النفس الزكية ، ثم ترقى به الأمر الى ان ادعى انه رسول نبي ، وان جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله ، كما يقول النوبختي والاشعري .

وتسربت روح الغلو بعد ذلك من ( المغيرية) الى (الخطابية) اصحاب ابي الخطاب محمد ين ابي زينب الأجدع ، الذين كانوا يغالون في الامام الصادق (ع) ويؤلهونه ، وقد قالوا بامامة اسماعيل بن جعفر الصادق ورفضوا الاعتراف بوفاته في حياة ابيه ، وقالوا بمهدويته وغيبته .

وبالقرب من أجواء الغلو اللامنطقية تلك ، قال فريق آخر من الشيعة الامامية الفطحية بمهدوية (محمد بن عبد الله ألا فطح بن جعفر الصادق) وكان هذا اغرب قول بالمهدوية في ذلك الزمان ، حيث نسب ذلك الفريق (المهدوية) الى شخص وهمي ليس له وجود ، نتيجة المرور في أزمة نظرية بعد وفاة (الامام عبد الله الافطح) دون عقب يخلفه في الإمامة ،وذلك بسبب إيمانهم بضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب الى يوم القيامة ، وعدم جواز الجمع بين أخوين في الامامة .

وقد كان القول بوجود (محمد بن عبد الله ألا فطح) في البداية ، مجرد فرضية فلسفية ، ولكنهم قاموا بعد ذلك بحياكة مجموعة من القصص الاسطورية حول اللقاء به ومشاهدته هنا وهناك ، واختلقوا بعض المعاجز للاستدلال الغيبي على وجوده.

والى جانب هؤلاء وأولئك.. كان فريق آخر من الشيعة الامامية المتأثرين بالغلاة وهم (الواقفية) يقولون بمهدوية الامام موسى الكاظم (ع) وغيبته واستمرار حياته الى أمد غير منظور. وكان بعضهم يزعم ان الكاظم مات ثم قام بعد موته واختفى في موضع من المواضع السرية .

وكما حدث في الحركتين الشيعيتين الكيسانية والزيدية من استغلال بعض أقطابهما لفكرة المهدوية وادعاء الامامة او النبوة ، قام واحد من (الواقفية) اسمه ( محمد بن بشير الكوفي) بادعاء الخلافة و (النيابة الخاصة) عن الامام الكاظم والالتقاء به في (غيبته) . وذلك من اجل الحصول على منافع مالية وسياسية ضخمة ، ثم نقل الخلافة الى ولده سميع والى من أوصى اليه سميع من بعده . وقال : ·انه الإمام المفترض الطاعة على الامة الى وقت ظهور موسى ، فما يلزم الناس من حقوقهم في أموالهم مما يتقربون به الى الله عليهم أداؤه اليه الى قيام القائم .

 ويقول النوبختي والاشعري : ان محمد بن بشير كان على قدر كبير من الغلو والقول بالتناسخ والتفويض والإباحة.

التفسير الباطني

الى جانب القول بالمهدوية والغلو في الأئمة ، الذي طبع قسما من المنتسبين للحركة الشيعية العريضة ، كان يوجد أيضا القول بالتفسير الباطني ، وفي الحقيقة ان كثيرا من المقولات الباطلة لم تكن تستقيم الا بهذا التفسير الباطني المقلوب للأحداث والأقوال ، ورفض الاعتراف بالحقائق التاريخية الظاهرية ، او اختلاق حوادث وأشخاص لا وجود لهم ، كعدم الاعتراف بوفاة الامام أمير المؤمنين ، او وفاة محمد بن الحنفية ، او وفاة ابنه ابي هاشم ،او وفاة ذي النفس الزكية ، او وفاة الامام الصادق ، او وفاة ابنه اسماعيل ، او وفاة الامام الكاظم ، واختلاق ولد لعبد الله ألا فطح الذي مات دون خلف ظاهر ، والقول بوجود ولد له في السر أخفاه للتقية .

وقد كان (الخطابية ) أتباع ( محمد بن ابي زينب الأجدع ) ينسبون الى الامام الصادق معاني الغلو الفاحشة ويقولون انه الله ، وقد حج جماعة منهم الى بيت الله الحرام ولبوا هكذا :( لبيك يا جعفر لبيك) فارتعش الامام الصادق من قولهم وخرّ ساجدا الى الأرض واستنكر قولهم اشد استنكار ، ثم لعن ابا الخطاب ، فذهب أصحابه اليه واخبروه بلعن الامام الصادق له ، فأجابهم بأن الامام لا يلعنه شخصيا وانما يلعن رجلا آخر يحمل نفس الاسم في البصرة ، وقد كان هو يعيش في الكوفة.

فعاد أصحابه الى الامام الصادق في المدينة واخبروه بمقالة ابي الخطاب الكوفي ، فحدده الامام بالاسم واللقب والمكان وجميع المواصفات الخاصة وكرر لعنه والبراءة من قوله.وعندما اخبره أصحابه بذلك لم يتراجع وظل مصرا على دعواه بالانتماء الى الشيعة والى الامام الصادق ونسبة أقواله الى الامام سرا ، وقال: ان الامام لم يلعنه بهذه الصورة الدقيقة العلنية الا لكي يحافظ على بقية الشيعة من آثار قول الألوهية ، تماما كما فعل الخضر الذي خرق السفينة لينقذها من الغصب والمصادرة ، وقرأ قوله تعالى:· وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت ان اعيبها وكان من ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا .

وكان الباطنيون ينسبون كثيرا من الأقوال والآراء الى أئمة اهل البيت (ع) سرا وخلافا لما كان يعلن به اهل البيت ويقولوه أمام الملأ من الناس ، وبشكل يتعارض مع مواقفهم الحقيقية ، ولما كان الأئمة ينفون تلك الأقوال الغريبة ويستهجنونها او يرفضونها ، كان الباطنيون يتشبثون بأقوالهم ويفسرون نفي الأئمة لادعاءاتهم بالتقية وبخوف الأئمة من إعلان الحق والتحدث بما لا يحتمله الناس !.

 وبغض النظر عن مناقشة دعوى( التقية ) ونسبتها الى اهل البيت بهذه الصورة المناقضة لأمانة الكلمة والمحافظة على الرسالة ، فان الباطنيين استطاعوا لعب أدوار كبيرة في التاريخ الشيعي وتحريف الناس عن خط أهل البيت ، في كل زمان ، حتى جاء عهد الامام الحسن العسكري ، الذي توفي عن دون ولد ظاهر ، واوصى بأمواله الى أمه (حديث) ولم يتحدث عن وجود ولد له في حياته . وقد قبل جميع المسلمين هذه الحقيقة كما قبلها معظم الشيعة الامامية وذهبوا الى القول بإمامة جعفر بن علي الهادي ، او القول بانقطاع الإمامة ، او القول بالشورى .. ولكن فريقا من الغلاة والباطنيين رفض التسليم بهذه الحقيقة الظاهرية ، وأصر على اختلاق قصة سرية ووجود ولد مكتوم ومخفي لم يعلن عنه الامام العسكري خوفا عليه من القتل ، وتقية . وارتد قسم منهم عن القول بامامة الحسن العسكري ، وراح يقول بمهدوية محمد بن علي الهادي الذي كان قد توفي في حياة ابيه ، ويرفض الاعتراف بهذه الحقيقة ، ويصر على اختفائه واستمرار حياته الى يوم الظهور ، تماما كما فعل قسم من الإسماعيلية الذين رفضوا التسليم بوفاة اسماعيل بن جعفر الصادق ، وفسروا عملية الدفن التي قام بها الامام الصادق بأنها مسرحية من قبل الامام !

وقد رفض مشايخ الطائفة الامامية الاثني عشرية كالشيخ المفيد والمرتضى والطوسي منهج الفرق الشيعية الأخرى الباطنية التي ترفض الاعتراف بوفاة الامام علي او ابنه محمد بن الحنفية او ابنه ابي هاشم او وفاة الامام الصادق او ابنه اسماعيل او وفاة الامام موسى الكاظم ، او وفاة الامام العسكري او اخيه محمد ، وذلك لمخالفة منطقها الباطني للظاهر ، الذي يشكل حجة لله على الناس . ولكن جميع القائلين بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) ينتهجون بدورهم المنطق الباطني حيث يعترفون بعدم إعلان الامام العسكري لولادة (ابنه) ووصيته لوالدته عند وفاته ، ويفسرون ذلك بالخوف و التقية . وبغض النظر عن مناقشة هذه الدعوى والتأكد من حقيقة الظروف المحيطة بوفاة الامام العسكري ، فان القول بوجود ولد له في السر ، هو إذن قول باطني سري مخالف للظاهر .

النصيرية (او النميرية)

وقد رأينا أيضا : ان معظم الروايات التي تتحدث عن ولادته ومشاهدته في حياة أبيه تتضمن معاني الغلو الفاحشة والعلم بالغيب وما الى ذلك ، من مقولات الغلاة المتطرفين ، ويجدر بنا ان نتوقف قليلا عند الحركة المغالية (النصيرية) او (النميرية) التي كانت قد نشأت حول الامام علي بن محمد الهادي ، على يدي محمد بن نصير النصيري (او النميري) الذي كان من أقطاب الشيعة في البصرة . وكان هذا قد رفع الامام الهادي الى درجة الألوهية ، وادعى لنفسه مرتبة النبوة والرسالة من قبل الامام ، وكان يقول بالتناسخ .

 وقد التف هذا الغالي (النصيري) بعد وفاة الامام الهادي حول ابنه الامام الحسن العسكري ، وكان بعد وفاته من ابرز القائلين بوجود (ولد) له في السر ، هو : ( محمد بن الحسن العسكري) وقد ادعى البابية و(النيابة الخاصة) عنه ، ثم ادعى النبوة وأورثها الى عدد من اصحابه .

المخمسة

والى جانب النصيرية كان يوجد في تلك الأيام تيار آخر من الغلو والغلاة في صفوف الشيعة الامامية ، هم : (المخمسة) الذين يعتقدون - كما يقول سعد بن عبد الله الاشعري القمي في :(المقالات والفرق) - : · ان الله عز وجل هو محمد ، وانه ظهر في خمس صور مختلفة .. ظهر في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وان أربعة من هذه الصور الخمسة تلتبس لا حقيقة لها ، والمعنى شخص محمد وصورته لأنه أول شخص ظهر وأول ناطق نطق ، لم يزل بين خلقه موجودا بذاته يتكون في اي صورة شاء ، يظهر نفسه لخلقه في صور شتى من صور الذكران والإناث والشيوخ والشباب والكهول والأطفال ، يظهر مرة والدا ومرة ولدا وما هو بوالد ولا بمولود ، ويظهر في الزوج والزوجة ، وانما اظهر نفسه بالإنسانية والبشرانية لكي يكون لخلقه به انس ولا يستوحشوا ربهم.

 وان محمدا كان آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى لم يزل ظاهرا في العرب والعجم.. وانه كان يظهر نفسه لخلقه في كل الأدوار والدهور ، وانه ترأى لهم بالنورانية ، فدعاهم الى الإقرار بوحدانيته فأنكروه فتراءى لهم من باب النبوة فأنكروه فتراءى لهم من باب الإمامة فقبلوه ، فظاهر الله عز وجل بالإمامة وباطنه الله الذي معناه محمد يدركه من كان من صفوته بالنورانية ، ومن لم يكن من صفوته بدرجة بالبشرانية اللحمانية الدموية ، وهو الامام ...وان كل من كان من الأوائل مثل ابي الخطاب وبيان وصائد والمغيرة وحمزة وبزيع والسري ومحمد بن بشير هم أنبياء أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم ، وان المعنى واحد ، وهو سلمان وهو الباب الرسول يظهر مع محمد في كل صورة ظهر ، وهو رسول محمد متصل به ، ومحمد الرب... .

ويقول الاشعري القمي : انهم ( لعنهم الله ) اظهروا دعوة التشيع واستبطنوا المجوسية فزعموا ان سلمان (رحمه الله ) هو الرب ، وان محمدا داعٍ اليه ، وان سلمان لم يزل يظهر نفسه لأهل كل دين . وذهبوا في جميع الأشياء مذهب المجوس .

وقد كان شيعة الكرخ في تلك الأيام من (المخمسة ) وانه لا أحد يشك في ذلك . كما يقول الشيخ الطوسي في :(الغيبة) .

وكان شيخ الشيعة بالكرخ يوم ذاك :(احمد بن هلال العبرتائي) وهو من اعظم الغلاة -وقد اخرج الحسين بن روح النوبختي (النائب الثالث) توقيعا بلعنه بشدة والتبرؤ ممن لا يلعنه - وقد كان قطبا رئيسيا في عملية اختلاق نظرية (وجود ولد مخفي ) للامام الحسن العسكري ، ومن اقرب المساعدين ل عثمان بن سعيد العمري (النائب الأول) وقد أيده في دعوى (الوكالة عن المهدي) ثم اختلف مع ابنه محمد (النائب الثاني) وادعى النيابة لنفسه .

 المفوضة

والى جانب أولئك الغلاة النميرية والمخمسة كان يوجد في صفوف الشيعة تلك الأيام صنف آخر من الغلاة هم (المفوضة) الذين كانوا يعتقدون:· ان الله أقام شخصا واحدا كاملا لا زيادة فيه ولا نقصان ، ففوض اليه التدبير والخلق ، فهو محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وسائر الأئمة ، ومعناهم واحد ، والعدد يلبس ، وان هذا (الواحد الكامل) - اي محمد - هو الذي خلق السماوات والأرضين والجبال والإنس والجن والعالم بما فيه .

 وقد اضطر هؤلاء (المفوضة ) بعد وفاة الامام الحسن العسكري الى افتراض (وجود ولد ) له في السر ، لكي تستمر نظرية (الواحد الكامل) الذي يدبر الكون ويخلق ويرزق ..

ولكن بقية الشيعة لم يكونوا يؤمنون بأفكارهم الغالية ، وقد حدث بين الفريقين نوع من التنازع والاختلاف ، وقاموا بالاحتكام الى محمد بن عثمان العمري ، باعتباره (نائبا عن صاحب الزمان) وطلبوا منه ان يحسم النزاع ، فأخرج لهم (توقيعا) يتضمن رفض نظرية (التفويض الكامل) ، ويؤكد تدخل الأئمة في السؤال من الله ان يخلق فيخلق او يرزق فيرزق .

ولم يخلُ جواب العمري لهم ، في الواقع ، من درجة مخففة من القول بالتفويض ، وهو ما يدل على ارتباطه وارتباط القول بوجود (ابن الحسن ) بالغلاة.

وهذا ما يؤكده الحسين بن روح النوبختي في حديثه عن اختلاف الشيعة في ذلك الزمان حول مسألة التفويض ، وذهابه الى ابي طاهر ابن بلال (احد أقطاب النظرية المهدوية) ومناقشته في الموضوع ، وإخراجه حديثا عن ابي عبد الله (ع) يذكر فيه:· ان الله اذا اراد أمرا عرضه على رسول الله ثم أمير المؤمنين ثم الأئمة واحدا بعد واحد .. الى ان ينتهي الى صاحب الزمان ، ثم يخرج الى الدنيا . واذا اراد الملائكة ان يرفعوا الى الله عز وجل عملا عرض على صاحب الزمان ثم يخرج على واحد واحد من الأئمة الى ان يعرض على رسول الله ثم يعرض على الله عز وجل ، فما نزل من الله فعلى ايديهم ، وما عرج الى الله فعلى أيديهم ، وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عين .

وهو ما يوحي بمشاركة الأئمة مع الله في إدارة الكون ، وهذا نوع من (التفويض) غير الكامل .

وكان محمد بن الحسن الصفار القمي - صاحب كتاب (بصائر الدرجات ) - الذي كان معاصرا لفترة الحيرة ، وكان أحد أقطاب (النظرية المهدوية الاثني عشرية )، يعتقد بنوع من التفويض للأئمة في التشريع وادارة الحياة ، وهو يقول: · وجدت في كتاب قديم في نوادر محمد بن سنان ، قال قال ابوعبدالله: لا والله ما فوّض الله الى أحد من خلقه ، الا الى رسول الله والأئمة ، فقال:( انا انزلنا الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ) وهي جارية في الأوصياء .

ومن الواضح ان هذه النظرية تحتوي على درجة من الغلو ، وان لم تصل الى درجة القول بالتفويض في الخلق والرزق و إدارة الكون . وقد كان الصفار يتطرف في الغلو في الأئمة ، يشهد على ذلك كتابه (بصائر الدرجات) المليء بالأفكار المرفوضة من الشيعة اليوم .

وكان بعض اهل نيسابور من الشيعة على درجة كبيرة من الغلو والارتفاع والتفويض ، كما يقول الكشي في ترجمة الفضل بن شاذان . وعموما فقد كان الغلو بمختلف مدارسه ومذاهبه ينتشر بين الشيعة في منتصف القرن الثالث الهجري ، كما يقول السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمته لكتاب الشيخ المفيد :(أوائل المقالات ) .

وقد لعب جعفر بن محمد بن مالك الفزاري وآدم البلخي واحمد الرازي و الحسين بن حمدان الخصيبي دورا كبيرا في نشر نظرية (وجود الامام المهدي) ونسج الروايات الأسطورية حول مولده واللقاء به ، وكان هؤلاء من أعاظم الغلاة الذين يجمع علماء الحديث الشيعة على رفض أحاديثهم .

 

دور الإعلام في تكريس الفرضية المهدوية

 

السؤال الذي يفرض نفسه الآن .. بعد وضوح تأليف نظرية (المهدي محمد بن الحسن العسكري ) من قبل الغلاة والمتكلمين وأدعياء النيابة المستفيدين ، وتبين عدم وجود رصيد لها من الواقع والحقيقة ، وانها لم تكن الا فرضية وهمية اخترعت في عصر (الحيرة) التي أعقبت وفاة الامام العسكري دون ولد يرثه في الإمامة .. السؤال هو: كيف إذن شقت هذه النظرية أو الفرضية طريقها الى عقول وقلوب ملايين المسلمين من الشيعة الامامية الاثني عشرية ، وغيرهم عبر التاريخ؟ وكيف أصبحت عقيدة راسخة وقوية ؟

في الإجابة على هذا السؤال لا بد ان نقول أولا :

- ان الشيعة الأوائل في عصر الأئمة من أهل البيت (ع) لم يعرفوا هذه النظرية بتاتا ، كما لم يعرفها الشيعة بعد وفاة الامام الحسن العسكري مباشرة ، وقد احتار الامامية في أمرهم عندما لم يجدوا له خلفا ظاهرا ، وكان المهدي مجهولا لديهم بالمرة وغامضا غير محدد في شخص معين ، وقد قالت فرقة واحدة من أربعة عشر فرقة بنظرية وجود ولد للامام العسكري ، مما يعني ان الشيعة لم يجمعوا على هذه النظرية في فترة (الغيبة الصغرى) وربما مال اليها بعض الشيعة الامامية .

 ثم .. ان عامة الشيعة تراجعوا عن هذا القول بعد حوالي خمسين عاما ، وقد سجل الكليني في (الكافي) والخصيبي في (الهداية الكبرى ) ظاهرة التراجع عن القول بوجود الولد عند قوم من أهل المدينة من الطالبيين .

 وقال تلميذ الكليني : محمد بن ابي زينب النعماني (توفي سنة 340ه ) في (الغيبة):·انا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة الى التشيع ممن يقول بالإمامة .. قد تفرقت كلمتها وتشعبت مذاهبها.. وشكوا جميعا الا القليل في امام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم ... فلم يزل الشك والارتياب قادحين في قلوبهم... حتى أداهم ذلك الى التيه والحيرة والعمى والضلالة ، ولم يبقَ منهم الا القليل النزر .

وقال في موضع آخر من كتابه:· أي حيرة اعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير والجم الغفير؟.. ولم يبقَ ممن كان فيه الا النزر اليسير ، وذلك لشك الناس .

وروى النعماني مجموعة من الروايات التي تتحدث عن وقوع الحيرة بعد الغيبة ، ووصف حالة الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك الوقت ، فقال:· ان الجمهور منهم يقول في (الخلف) أين هو؟ وأنى يكون هذا ؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيّف وثمانون سنة ؟ فمنهم من يذهب الى انه ميت ، ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة ، ويستهزئ بالمصدق به ، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد .

وقال: · شذّ الأكثر ممن كان متقدما وطار يمينا وشمالا .. وتفرق الناس عنه (الخلف) ويأسهم منه واستهزائهم بالمعتقد لإمامته ونسبتهم إياهم الى العجز . ووصف القائلين بوجود (الامام الثاني عشر) ب : · الشرذمة المنفردة عن هذا الخلق الكثير المدعين للتشيع الذين تفرقت بهم الأهواء.. واستوحشوا من التصديق بوجود الامام مع فقدان شخصه وطول غيبته .

كما أشار الشيخ محمد بن علي بن بابويه الصدوق (توفي سنة 381 ه ) في مقدمة كتابه :( إكمال الدين واتمام النعمة) الى حالة الحيرة التي عصفت بالشيعة ، وقال:· وجدت اكثر المختلفين اليّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم الى الآراء والمقاييس.. وورد الينا شيخ من بخارى من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم ، فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارى من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاما في القائم قد حيره وشككه في أمره .

وقد ذكر الكليني والنعماني والصدوق مجموعة من الروايات التي تؤكد وقوع الحيرة بعد غيبة صاحب الأمر واختلاف الشيعة وتشتتهم في ذلك العصر ، واتهام بعضهم بعضا بالكذب والكفر ، والتفل في وجوههم ولعنهم ، وانكفاء الشيعة كما تكفأ السفينة في أمواج البحر ، وتكسرهم كتكسر الزجاج أو الفخار ، وقولهم بموت صاحب الأمر ، وارتدادهم وعدم البقاء على أمره الا يسيرا منهم .

وبغض النظر عن مناقشة هذه الروايات المختلقة أو المستوردة من الفرق الشيعية والحركات المهدوية القديمة ، فان نقل الكليني والنعماني والخصيبي والصدوق وغيرهم لها ، وتطبيقهم لها على الشيعة في القرن الرابع ، يكشف عن تراجع عامة الشيعة عن القول بوجود (محمد بن الحسن العسكري) بعد قول فئة منهم بذلك فترة من الزمن.

وإذا كانت النظرية قد أصبحت في وقت لاحق عند قسم من الشيعة الامامية وهم (الاثني عشرية) أشبه بالعقيدة الراسخة التي لا تقبل الجدل أو النقاش ، فليس ذلك الا بسبب عملية إعلامية كبرى قام بها أدعياء النيابة وأعوانهم ، وامتدت آثارها الى اليوم .

كانت العملية الإعلامية تتألف من عدة أمور ، هي :

 1 - التلفيق الروائي ، واختلاق الأحاديث المختلفة حول (الاثني عشرية والمهدي) . وقد مرّ عرضها ونقدها في الفصل الخاص بالأدلة النقلية حول إثبات المهدي .

2 - الإرهاب الإعلامي ، وقد استخدم أصحاب النظرية ، بالإضافة الى ذلك ، قسما آخر من الروايات الهجومية التي تتهم من لا يؤمن بالمهدي المفترض :(محمد بن الحسن العسكري) بالكفر والردة والفسق والضلال ، والتي تساوي بين إنكار (وجود ) المهدي وإنكار الرسول الأعظم ، وتكذيبه والجحد بنبوته .

واعتمدت الحملة الإعلامية على بعض الأحاديث القديمة التي تعتبر من يموت ولا يعرف امام زمانه كأنه قد مات ميتة جاهلية ، وفسرتها بمعرفة (صاحب الزمان وامام العصر المهدي المنتظر) واعتبرت كل من لم يعرفه ومن لم يؤمن به بأنه سوف يموت ميتة جاهلية ، وذلك بالرغم من عدم وجود طريق الى معرفته والالتفاف حوله ونصرته والانقياد اليه.

وقال محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني) : انه سمع الحسن العسكري يقول: · من مات ولم يعرف ابني مات ميتة جاهلية .

وذهب العمري شأواً بعيدا جدا في هجومه الإعلامي حيث اعتبر المشككين بوجود المهدي مفارقين للدين ومرتابين ومعاندين للحق ، وأخرج (توقيعا) باسم المهدي يندد بمن لا يؤمن به ويهدده بالويل الوخيم . وقد ساعد الشيخ ابو عبد الله جعفر الحميري القمي وسعد بن عبد الله الاشعري القمي على نشر تلك الرسالة في صفوف الشيعة.

3 - الأدعية والزيارات ، وربما كانت الأدعية والزيارات أهم عمل إعلامي ساهم في ترسيخ نظرية (المهدي محمد بن الحسن) بين الشيعة ، وذلك لما لهذه الادعية والزيارات من دور حيوي مؤثر في حياة الناس ، حيث يدأب الشيعة على قراءة الادعية عقيب كل صلاة وفي جميع المناسبات الدينية ، ويحرصون على زيارة قبور الأئمة دائما وفي الجمعات.

والأدعية والزيارات المتداولة بين الشيعة حول المهدي والقائم تنقسم الى قسمين :

أ - أدعية عامة وغير محددة بمحمد بن الحسن العسكري ، وانما تدور حول القائم أو المهدي المطلق ، كدعاء صاحب الأمر ، أو الدعاء في غيبة الامام ، وهي مروية عن الأئمة السابقين كالباقر والصادق والكاظم والرضا ، مما ينسجم مع العمومية التي كانت تلف موضوع المهدي نفسه وعدم تحديد هويته في زمن الأئمة ، الأمر الذي بحثناه في الفصول الماضية ، وهو ما يوحي بأن هذه الادعية والزيارات مستوردة من التراث الشيعي القديم أو الفرق الشيعية المختلفة كالواقفية التي كانت تقول بمهدوية الامام الكاظم ، وقد طبق الشيعة المتأخرون تلك الادعية والزيارات على المهدي (محمد بن الحسن) الذي افترضوا وجوده ، حتى لم يعد لها من مفهوم سوى هذا (الامام المهدي) ، ولم يعد أحد ينتبه الى عمومية الروايات وعدم تحديد المصداق الخاص بها .

 ب - أدعية خاصة محددة بمحمد بن الحسن العسكري ، كأدعية شهر رمضان ودعاء الافتتاح والاختتام واليوم الثالث عشر منه ، ودعاء العهد والندبة ، والزيارات المختلفة لمراقد أهل البيت (ع) وزيارة سرداب الغيبة في سامراء. وهي أدعية وزيارات مؤلفة بصورة مستقلة أو ملفقة من مجموعة روايات ، أو أدعية عامة مضاف اليها اسم المهدي .

ومما يميز هذه الادعية والزيارات التي تتحدث عن المهدي وتذكر اسمه بالتحديد ، بعد ان تسرد أسماء الأئمة السابقين واحدا واحدا ، انها تخلو من ذكر السند ، وتعتمد على الإرسال التام ، وهي صادرة عن عثمان بن سعيد العمري (النائب الأول) أو ابنه محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني) أو الحسين بن روح النوبختي (النائب الثالث) أو محمد بن جعفر الحميري الذي كان أحد مساعدي العمري في مدينة قم .

وقد روى السيد ابن طاووس في (مهج الدعوات) دعاء يقول انه يصلح لأيام الغيبة ، يقول انه رأى في المنام من يعلمه إياه ! ()

وقد روى المجلسي بالاسناد الى علي بن محمد بن عبد الرحمن البشري ، قال : دخلت مسجد صعصعة (في الكوفة) واذا برجل عليه ثياب الحجاز وعمته كعمتهم قاعد يدعو بهذا الدعاء :( اللهم ياذا المنن السابغة...( ثم سجد طويلا وقام وركب الراحلة وذهب ، فقال صاحبي : هو والله صاحب الزمان .

4 - الطقوس والقصص المرتبطة برؤية المهدي

وبالإضافة الى الادعية والزيارات الواردة حول (المهدي) هناك بعض الطقوس المعتادة التي تلعب هي الأخرى دورا إعلاميا مهما في تكريس الاعتقاد بنظرية (وجود المهدي) وتحويلها الى · حقيقة راسخة في أذهان الشيعة ، وذلك مثلا ، كالقيام و أداء التحية والانحناء عند سماع اسم (القائم) وهو ما يفعله عامة الشيعة المتدينين اليوم ومنذ زمن طويل ، الأمر الذي يبعث على الاحترام والخشوع والرهبة والتحسس بوجود المهدي ، والتعامل معه كأنه حي وحاظر في الأوساط.

وتلعب القصص الكثيرة التي يتداولها العامة والخاصة من الشيعة حول رؤية بعض الناس أو العلماء للمهدي ولقائهم به ، وهي قصص يسرد المجلسي كمية كبيرة منها في موسوعته :(بحار الأنوار / الجزء 51) .. تلعب دورا كبيرا أيضا في تعزيز نظرية المهدي ، وتحويلها الى قصة قريبة من الواقع ، خاصة وانها تروى عن مجموعة من الزهاد والعباد والعلماء البارزين .

وهناك مسجد شهير في الكوفة في العراق يعرف بمسجد السهلة يشتهر بأنه مسجد الامام المهدي ، وان من يدأب على الصلاة فيه أربعين ليلة أربعاء فانه يحضى برؤية المهدي ، وتوجد بعض المساجد هنا وهناك في العراق تعرف ب ( مقامات المهدي) حيث يقال انه قد شوهد (الامام) في تلك الأماكن وهو يصلي فبني فيها مساجد ، وان هذه المساجد أو المقامات تلعب هي الأخرى دورا إعلاميا في تعزيز الإيمان بالنظرية المهدوية (الاثني عشرية) وتحويلها من فرضية الى واقع مادي يعيشه الناس وينظرون إليه بأعينهم.

وهكذا يلعب الإعلام المهدوي بكل فقراته وفروعه دورا كبيرا في تعزيز نظرية · وجود الامام المهدي وترسيخها بين أوساط الشيعة ، وتحويلها من فرضية وهمية الى · حقيقة بديهية لا تقبل الجدال !

 

  نظرية التقية والانتظار

 

تأثر الفكر السياسي الشيعي بنظرية (وجود الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) تأثرا كبيرا ، واتسم لقرون طويلة بالسلبية المطلقة ، وذلك لأن هذه النظرية قد انبثقت من رحم النظرية ( الامامية ) التي تحتم وجود امام معصوم معين من قبل الله ، ولا تجيز للامة ان تعين او تنتخب الامام ، لأنه يجب ان يكون معصوما ، وهي لا تعرف المعصوم ، الذي ينحصر تعيينه من قبل الله . ولذلك اضطر الاماميون الى افتراض وجود (الامام الثاني عشر) بالرغم من عدم وجود أدلة علمية كافية على وجوده .

وقد كان من الطبيعي ان يترتب على ذلك ، القول بالانتظار للامام الغائب ، وتحريم العمل السياسي او السعي لإقامة الدولة الإسلامية في (عصر الغيبة) .. وهذا ما حدث بالفعل ، حيث أحجم (النواب الخاصون) عن القيام بأي نشاط سياسي في فترة (الغيبة الصغرى) ولم يفكروا بأية حركة ثورية ، في الوقت الذي كان فيه الشيعة الزيدية والإسماعيلية يؤسسون دولا في اليمن وشمالي أفريقيا وطبرستان .

لقد كانت نظرية (الانتظار) للامام الغائب ، بمعناها السلبي المطلق ، تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود (الامام المعصوم ) ولازمة من لوازمها ، ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفا سلبيا من مسألة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، و أصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج (المهدي الغائب) .

وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري وسيطرتها على الدولة العباسية ، فان العلماء الاماميين ظلوا متمسكين بنظرية (الانتظار) وتحريم العمل السياسي ، وقد قال محمد بن ابي زينب النعماني (توفي سنة 340ه ) في (الغيبة):· ان أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره ، لا من خلقه ولا باختيارهم ، فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ، وَرَدَ مورد الظالمين والمنافقين الحالّين في ناره . 1

وقال في (باب : ما أُمر الشيعة به من الصبر والكف والانتظار للفرج وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره) بعدما ذكر سبع عشرة رواية حول (التقية والانتظار في عصر الغيبة) :·انظروا - يرحمكم الله - الى هذا التأديب من الأئمة (ع) والى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج ، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين ، وكذب المتمنين ، ووصفهم نجاة المسلّمين ، ومدحهم الصابرين الثابتين ، وتشبيههم إياهم على الثبات بثبات الحصون على أوتادها ، فتأدبوا - رحمكم الله - وامتثلوا أمرهم ، وسلموا لهم ولا تتجاوزوا رسمهم ، ولا تكونوا ممن أردته الهوى والعجلة ومال به الحرص عن الهدى والمحجة البيضاء . 2

وكان من تلك الروايات التي اعتمد عليها محمد بن ابي زينب النعماني في تنظيره لفكرة الانتظار ، هي ما رواه عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال:

- الزم الأرض ، لا تحركن يدك ولا رجلك أبدا حتى ترى علامات اذكرها لك.. وإياك وشذاذ آل محمد ، فان لأل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات ، فالزم الأرض ولا تتبع منهم رجلا أبدا حتى ترى رجلا من ولد الحسين معه عهد النبي ورايته وسلاحه.. فالزم هؤلاء أبدا وإياك ومن ذكرت لك .

- أوصيك بتقوى الله وان تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس ، وإياك والخوارج منا فانهم ليسوا على شيء ولا الى شيء.

- انظروا الى اهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا ، وان استصرخوكم فانصروهم ، تؤجروا ، ولا تستبقوهم فتصرعكم البلية .

- كل راية ترفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله .

- كل بيعة قبل ظهور القائم فانها بيعة كفر ونفاق وخديعة.

- والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم الا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل ان يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به.

 و هكذا روى النعماني في (الغيبة) عن أهل البيت :· ان من ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا وروى الصدوق عن الامام الصادق (ع) انه قال:· من مات منكم على هذا الأمر منتظرا كان كمن في فسطاط القائم (3) وروى عن الرضا (ع) انه قال: · ما أحسن الصبر وانتظار الفرج؟.. أما سمعت قول الله عز وجل :(فارتقبوا اني معكم رقيب)؟ (فانتظروا اني معكم من المنتظرين) فعليكم بالصبر فانه انما يجيء الفرج على اليأس ، وقد كان من قبلكم أصبر منكم (4) · ان من عرف بهذا الأمر ثم مات قبل ان يقوم القائم كان له أجر من قتل معه . 5

وقال الشيخ الصدوق (توفي سنة 381 ه ) في كتاب (الاعتقادات) الباب الخامس والثلاثين،):· لا قائم غير المهدي وان طالت الغيبة بعمر الدنيا ، لأن النبي أشار الى اسمه ونسبه وبشّر به . وافتى بناء على هذه النظرية قائلا:· التقية واجبة .. وتركها لا يجوز حتى خروج القائم ، ومن يتركها قبل خروج القائم فانه خارج من دين الامامية ومخالف لله والرسول والأئمة (6) كما أفتى بنفس الحكم في كتاب :(الهداية ص 47) حيث قال:· التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين ، فمن تركها فقد خالف دين الامامية وفارقه ، وقال الصادق: خالطوا الناس بالبرانية وخالفوهم بالجوانية مادامت الإمرة صبيانية.. والتقية واجبة لا يجوز تركها الى ان يخرج القائم ، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله والأئمة (ع) ويجب الاعتقاد ان حجة الله في ارضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن.. ويجب ان يعتقد انه لا يجوز ان يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي ، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره .

وقال الصدوق في :(إكمال الدين ):· .. علينا فعل ما نؤمر به ، وقد دلت الدلائل على فرض طاعة هؤلاء الأئمة الأحد عشر الذين مضوا ، ووجب القعود معهم إذا قعدوا والنهوض معهم إذا نطقوا ، فعلينا ان نفعل في كل وقت ما دلت الدلائل على ان نفعله . 7

وهكذا علق الشيخ المفيد ( توفي 413ه ) مسؤولية الإصلاح على (الامام المهدي ) الذي قال عنه : انه غائب بسبب الخوف من الظالمين ، فقال:· انه إذا غاب الامام للخوف على نفسه من القوم الظالمين فضاعت لذلك الحدود وانهملت به الأحكام ووقع به في الأرض الفساد ، فكان السبب لذلك فعل الظالمين دون الله عز وجل اسمه ، وكان المأخوذين بذلك المطالبين به دونه . 8

وكان السيد المرتضى علم الهدى ( 355 - 436) يعتقد ان مهمة نصب الأئمة تقع على عاتق الله وليس على عاتق الامة وان ذلك لا يسوغ لها . ومن هنا فقد حرم السعي لتنصيب الامام وتشكيل الحكومة في عصر الغيبة · لأن ذلك ليس بأيدينا وانما بيد الله وأوجب الانتظار ، وقال: · ليس إقامة الامام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته . 9

و قال في :(الشافي):· اعلم ان كلامنا في وجوب النص وانه لا بد منه ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه.. كافٍ في فساد الاختيار ، لأن كل شيء أوجب النص بعينه فهو مبطل للاختيار . واعلم ان الذي نعتمده في فساد اختيار الامام هو بيان صفاته التي لا دليل للمختارين عليها ، ولا يمكن إصابتها بالنظر والاجتهاد ، ويختص علام الغيوب تعالى بالعلم بها كالعصمة والفضل في الثواب والعلم على جميع الامة ، لأنه لا شبهة في ان هذه الصفات لا تستدرك بالاختيار ، ولا يوقف عليها الا بالنص .

ولا يمكن ان يقال بصحة الاختيار مع هذه الصفات ، لأن ذلك تكليف قبيح .. لما لا دلالة عليه ولا إمارة تميز الواجب من غيره .

ومما يمكن ان يعتمد في فساد الاختيار : ان العاقدين للإمامة يجوز ان يختلفوا فيرى بعضهم : ان الحال يقتضي ان يعقد فيها للفاضل ، ويرى آخرون : انها تقتضي العقد للمفضول ، وهذا مما لا يمكن . 10

وقال الشيخ الطوسي في :(تلخيص الشافي) :· ومما يدل على وجوب النص او ما يقوم مقامه من المعجز ، انا قد دللنا على ان الامام لا بد ان يكون افضل الخلق عند الله تعالى وأعلاهم منزلة في الثواب ، وفي حال ثبوت إمامته ، وإذا ثبت كونه كذلك ، ولم يمكن التوصل اليه بالأدلة ولا بالمشاهدة وجب النص او المعجز . 11

وقد رفض العلامة الحلي في :(الالفين) فكرة قيام الامة بنصب الامام واختياره عبر الشورى (12) واعتبر إسناد أمر الامامة الى اختيار الأمة خلافا لقول الله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) وانه تقديم بين يدي الله ورسوله ، وقد نهى الله عن ذلك .(13) ورأى في إسناد مهمة اختيار الامام الى الامة فتح باب عظيم للفساد ينافي الحكمة الإلهية ، لأن كل واحد من الامة يختار رئيسا ، وهذا ما يؤدي الى الفتنة والهرج والمرج والتغلب والمقاهرة . (14) وقال: لا طريق الى الامامة الا بالنص بقول النبي (ص) او الامام ، او بخلق المعجز على يده . 15

وقد أسهب العلامة الحلي في (الالفين) في استعراض الأدلة التي تنقض نظرية الشورى ، وأكد على ضرورة تعيين الامام (العالم المعصوم) من قبل الله تعالى ، ولم يبحث في كتابه أدلة إثبات الإمامة الإلهية للأئمة الاثني عشر فقط ، وانما بحث حرمة الإمامة لغيرهم بشكل مطلق ، وألقى باللوم لعدم القدرة على تشكيل الدولة في فترة (الغيبة) على الذين تسببوا في إخافة الامام المهدي واضطروه للغيبة. (16) وقال بصراحة:· ان رئاسة غير المعصوم في الدين والدنيا جالبة لخوف المكلف.. ولا شيء من غير المعصوم بإمام . 17

و بناء على ذلك قال الميرزا محمد تقي الاصفهاني ( توفي 1348ه ) في :(مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) :· لا يجوز مبايعة غير النبي والامام.. إذ لو بايع غيره جعل له شريكا في المنصب الذي اختصه الله تعالى به ونازع الله في خيرته وسلطانه ، قال تعالى :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقد ورد في تفسير قوله تعالى (ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) روايات بأن المراد : لئن أشركت في الولاية غير علي .

 وقد تبين من ذكرنا عدم جواز مبايعة أحد من الناس من العلماء وغيرهما بالاستقلال ولا بعنوان نيابتهم عن الامام في زمن الغيبة ، لما قدمناه آنفا من ان ذلك من خصائصه ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وسلطنته الكلية ، فان بيعته بيعة الله (18) وأضاف:· ويدل على عدم جوازه مضافا الى ما عرفت من كونه من خصائص الامام وكون أمور الشرع توقيفية ماروي في البحار (ج3 ص 8 ) و(مرآة الانوار) عن المفضل بن عمر عن الصادق (ع) انه قال : ( يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة ، لعن الله المبايع بها والمبايع له) وهذا كما ترى صريح في عدم جواز مبايعة غير الامام من غير فرق بين كون المبايع له فقيها او غير فقيه ، ومن غير فرق بين ان يكون البيعة لنفسه او بعنوان النيابة عن الامام . 19

وقال الاصفهاني:· ويؤيد ما ذكرنا من كون المبايعة بالمعنى المذكور من خصائص الامام ولوازم رياسته العامة وولايته المطلقة وعدم جوازه لغيره ، أمور:

منها: انه لم يعهد ولم ينقل في زمان أحد من الأئمة تداول المبايعة بين أصحابهم.

ومنها: انه لم يرد منهم (ع) إذن في مبايعة غيرهم من أصحابهم بنيابتهم.

ومنها : عدم معهودية ذلك في ألسنة العلماء ولا في كتبهم ، ولم ينقل في آدابهم وأحوالهم وافعالهم ، بل لم يكن معهودا في سائر المؤمنين من زمن الأئمة الى زماننا ان يبايعوا احدا بعنوان ان بيعته بيعة الامام.

ومنها : ما تقدم من المجلسي في (البحار) ( ج 102 ص 111 باب 7 من الطبعة الحديثة ) بعد ذكر دعاء تجديد العهد والبيعة في زمان الغيبة ، انه قال:· وجدت في بعض الكتب القديمة بعد ذلك :( ويصفق بيده اليمنى على اليسرى) فانظر كيف جوّز ان يصفق بيده على يده ، ولم يجوّز مصافقة الغير . 20

واستنتج الاصفهاني صاحب (مكيال المكارم):· اقول : فمن جميع ما ذكرنا وغيره يحصل الجزم بأن المبايعة من خصائص النبي والامام ولا يجوز لأحد التصدي لذلك الا من جعله النبي او الامام نائبا له في ذلك .

فان قلتَ : بناءً على القول بثبوت الولاية العامة للفقيه يمكن ان يقال: بأن الفقهاء خلفاء الامام ونوابه ، فيجوز لهم أخذ البيعة من الناس نيابة عن الامام ويجوز للناس مبايعتهم. قلتُ : اما اولاً: فالولاية العامة غير ثابتة للفقيه، واما ثانياً: فانما هي فيما لم يكن مختصا بالنبي والامام ، وقد ظهر من الروايات - دليلا وتأييدا - اختصاص المبايعة بهما ، فليس للنائب العام نيابة في هذا المقام. وهذا نظير الجهاد حيث انه لا يجوز الا في زمان حضور الامام وبإذنه ، اما في مثل زماننا هذا فجواز المبايعة على وجه المصافقة مما دليل له، فهي من البدع المحرمة التي توجب اللعنة والندامة . 21

 

الموقف السلبي من الاجتهاد وولاية الفقيه

 

المطلب الأول: الموقف السلبي من الاجتهاد

وقد رفض أولئك العلماء الذين التزموا بنظرية :( التقية والانتظار) اي بديل للامام المعصوم الغائب (المهدي المنتظر) ، حتى لو كان فقيها عادلا ، وذلك لأنهم كانوا يحرمون الاجتهاد والعمل بالقياس والأدلة الظنية ، ويشترطون حصول العلم اليقين بأحكام الدين من أهل البيت (ع) ، وذلك عبر الأخبار الواردة عنهم . وقد روى القاسم بن العلاء ( وكيل الامام المهدي في آذربايجان) رواية عن الامام علي بن الحسين يقول فيها:· ان دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب الا بالتسليم ، فمن سلم لنا سلم ومن اقتدى بنا هدي ، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا فقد كفر بالذي انزل السبع المثاني والقرآن العظيم ، وهو لا يعلم وقد نقلها الشيخ الصدوق في كتابه :(إكمال الدين) . 1

وألّف سهل النوبختي ، في القرن الثالث الهجري ، كتابين في :(ابطال القياس) و (نقض اجتهاد الرأي) . كما كتب ابن أخته الحسن بن موسى النوبختي كتابا في نفس الموضوع وكتابا آخر في :(خبر الواحد والعمل به) وكل هذه الكتب تدور في مجال العمل بالأخبار ، ولم تتجاوز لكي تفتح باب (الاجتهاد) على مصراعيه لكي يشمل القياس او القياس العلمي واستنباط روح الشريعة الإسلامية واستحداث المسائل الجديدة.

و روى الكليني في :(الكافي ) حديثا عن الامام الصادق جاء فيه :· المداومة على العمل في أتباع الآثار والسنن ، وان قلّ ، أرضى لله وانفع عدة في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء . ونقل النعماني ابن ابي زينب في :(تفسيره) حديثا عن الامام الصادق جاء فيه:· واما الرد على من قال بالاجتهاد ، فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب ... على انهم لا يقولون انهم مع اجتهادهم أصابوا معنى حقيقة الحق عند الله عز وجل لأنهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الى اجتهاد . ومن هنا اقتصر العلماء الأوائل على رواية الأخبار ، ولم يعرفوا معنى الاجتهاد بالمعنى المتعارف عليه اليوم . وبالرغم من محاولة العماني وابن جنيد الاسكافي فتح باب الاجتهاد في القرن الرابع ، الا ان الجو العام كان يرفض اي نوع من الاجتهاد ، وذلك انسجاما مع نظرية (الامامة الإلهية ) التي تحصر العمليتين : التشريعية والتنفيذية في (الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله ) .

وقد أدى الموقف السلبي من الاجتهاد ، الى حدوث أزمة في التشريع عند المدرسة (الامامية - الاخبارية) واشتدت هذه الأزمة مع انقطاع اي الاتصال بالامام الغائب في ظل (الغيبة الكبرى) ومع ذلك فقد استمر (الاماميون - الاخباريون) بالالتزام بنظرية (التقية والانتظار) في مجال التشريع ، لأنهم كانوا يحصرون ذلك في (الامام المعصوم ) الغائب .

وقد اتخذ عبد الرحمن بن قبة من الحديث النبوي الذي يقول:( اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي.. ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) دليلا على حتمية علم اهل البيت بالكتاب وعلم الدين كله ، واستنتج ضرورة التمسك بهم واخذ العلم منهم فقط . 2

كما اعتمد الشيخ الصدوق ( توفي 381 ه ) على ذلك الحديث وأكد ان علم اهل البيت علم يقيني يكشف عن مراد الله عز وجل كعلم رسول الله (ص) وليس علما قائما على الاستخراج والاستنباط والاستدلال . (3) ونفى الصدوق إمكانية معرفة تأويل القرآن بالاستنباط لأي أحد غير اهل البيت . 3

وهكذا حصر الشيخ المفيد أدلة جميع الأحكام في منابع ثلاثة هي : الكتاب والسنة واقوال الأئمة من اهل البيت (ع) . 4

و أنكر المفيد على أوائل المجتهدين (العماني وابن جنيد) اشتغالهم عن حمل الآثار بالرأي والاستحسان وهجرانهم من أمر الله تعالى بصلته ، واخذ معالم الدين عنه وعن عترة نبيه . 5 وألّف المفيد كتابين في الرد على أستاذه ابن الجنيد الذي كان يحاول (الاجتهاد) .

وأكد السيد المرتضى في :(الشافي): بطلان الاجتهاد ، واستدل على ذلك بأن الاجتهاد في الشريعة هو طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه ، والظن لا مجال له في الشريعة ، ولا يصح ان يطلب في الظن تحريم شيء منها او تحليله ، لأن الشريعة مبنية على ما يعلمه الله تعالى من مصالحنا التي لا عهد لنا فيها ولا عادة ولا تجربة. وقال: · ان الاجتهاد والقياس لا يثمران فائدة ولا ينتجان علما ، فضلا عن ان تكون الشريعة محفوظة بهما . 6

وقد شكى الشيخ الطوسي في مقدمة :(المبسوط) من قلة رغبة هذه الطائفة في الاجتهاد ، وترك عنايتهم به ، لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ ، حتى ان مسألة لو غيّر ألفاظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها ، وقصر فهمهم عنها. ولكنه قال في :(تلخيص الشافي) :· اما القياس وأخبار الآحاد والاجتهاد ، فقد بينا .. انه لا يجوز التعبد به ، واما رجوع العامي الى العالم ، فعندنا انه لا يجوز ان يقلد غيره ، بل يلزمه طلب العلم من الجهة التي تؤدي الى العلم ، ولو أجزنا ذلك لم يشبه أمره أمر الامام ، لأنه انما جاز ذلك من حيث لم يكن حاكما فيه بل لزمه تقليد العالم والعمل به . 7

 وبالرغم من ممارسة العلامة الحلي ( توفي 762) للاجتهاد في كثير من أبواب الفقه ، الا انه نفى الحجية عن القياس ، ورفض الاعتماد على أخبار الآحاد ، وقال : انها لا تصلح لإفادة الشريعة ، لقوله تعالى:( ان الظن لا يغني من الحق شيئا) . 8

واشترط الحلي :· العلم بالأحكام يقينا لا ظنا بالاجتهاد ، لأن المصيب واحد ، وقد تتعارض الأدلة وتتساوى الإمارات ويستحيل الترجيح بلا مرجح ، وتتساوى أحوال العلماء بالنسبة الى المقلدين ، فلا بد من عالم بالأحكام يقينا لا ظنا بالإمارة ، ليرجع اليه من يطلب العلم ويطلب الصواب يقينا . 9

وقال :· ان تحصيل الأحكام الشرعية في جميع الوقائع من الكتاب والسنة وحفظها .. لا بد له من نفس قدسية تكون العلوم الكسبية بالنسبة اليها كفطرية القياس ، معصومة عن الخطأ ، ولا يقوم غيرها مقامها في ذلك ، اذ الوقائع غير متناهية ، والكتاب والسنة متناهيان ، ولا يمكن ان تكون هذه النفس لسائر الناس .. فتعين ان تكون لبعضهم وهو الامام . 10

وقال:· الوقائع غير محصورة.. والكتاب والسنة لا يفيان بها .. فلا بد من امام منصوب من قبل الله تعالى من الزلل والخطأ يعرفنا الأحكام ويحفظ الشرع لئلا يترك بعض الأحكام ان يزيد فيها عمدا وسهوا او يبدلها . 11

وانطلاقا من هذا الفكر الامامي الرافض للاجتهاد والمجتهدين شنَّ الميرزا محمد امين الاسترابادي ( توفي سنة 1036) في :(الفوائد المدنية) حملة شعواء ضد أنصار المدرسة الاجتهادية الأصولية التي راجت في الدولة الصفوية وقال:· ان الروايات التي ذكرها قدماء أصحابنا الإخباريين كالشيخين الأعلمين الصدوقين والامام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ، كما صرح به في اوائل كتاب (الكافي) وكما نطق به في : باب حرمة الاجتهاد والتقليد ، وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة (ع) المسطورة في تلك الكتب المؤلفة بأمرهم . 12

وقال :· الصواب عندي مذهب قدمائنا الإخباريين وطريقتهم.. اما مذهبهم فهو: ان كل ما تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من قبله تعالى ، حتى ارش الخدش ، وان كثيرا مما جاء به (ص) من الأحكام وما يتعلق بكتاب الله او سنة نبيه (ص) من نسخ او تقييد وتخصيص وتأويل مخزون عند العترة الطاهرة (ع) وان القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة الى أذهان الرعية ، وكذلك كثير من السنن النبوية ، وانه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الأحكام النظرية الشرعية ، أصلية كانت او فرعية ، الا السماع من الصادقين (عليهما السلام) وانه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا ظواهر السنن النبوية ، ما لم يعلم أحوالهما من جهة اهل الذكر (عليهم السلام) بل يجب التوقف والاحتياط فيهما.

وان المجتهد في نفس أحكامه تعالى ان اخطأ كذب على الله وافترى ، وان أصابه لم يؤجر ، وانه لا يجوز القضاء ولا الإفتاء الا بقطع ويقين ، ومع فقده يجب التوقف ، وان اليقين المعتبر فيهما قسمان: يقين متعلق بأن هذا حكم الله في الواقع ، ويقين متعلق بأن هذا ورد عن معصوم ، فانهم (عليهم السلام) جوزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم (عليه السلام) وان كان وروده في الواقع من باب (التقية) ولم يحصل لنا منه ظن بما هو حكم الله تعالى في الواقع ، والمقدمة الثانية متواترة معنى عنهم . 13

المطلب الثاني: الموقف السلبي من ولاية الفقيه

كان من البديهي بعد قول الامامية بحرمة الاجتهاد في ظل (الغيبة) ان يتخذوا موقفا سلبيا من نظرية (ولاية الفقيه) وذلك لفقدان شرط العلم الإلهي والعصمة في العلماء والمجتهدين.

واذا كان بعض العلماء قد مال ، منذ بداية القرن الخامس الهجري ، الى فتح باب الاجتهاد شيئا فشيئا ، فان الموقف العام للعلماء الأوائل ، وربما لبعض العلماء حتى اليوم ، ظل سلبيا من مسألة :( ولاية الفقيه) وقيام الفقهاء بتشكيل الدولة في (عصر الغيبة) فقد كان الفكر الامامي القديم اخباريا يرفض الاجتهاد ، وقد رفض نظرية (ولاية الفقيه) لأنها تقوم على الاجتهاد ، والاجتهاد من مختصات الأئمة المعصومين ،

وكان الموقف السلبي الذي اتخذه اولئك العلماء يبتني على امرين :

الأول: هو الإيمان باشتراط العصمة والعلم الإلهي والنص في الامام (اي الحاكم او الرئيس) والايمان بوجود الامام المعصوم العالم المنصوص عليه من قبل الله وغيبته ( وهو المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري) .

الثاني: الايمان بحرمة الاجتهاد وحرمة تصدي غير المعصوم المعين من قبل الله ، للامور السياسية

و من هنا فقد رفض المتكلمون (الاماميون) الأوائل دعوة المعتزلة والشيعة الزيدية الذين لم يكونوا يشترطون العصمة الإلهية ولا النص في الامام ، الى تبني نظرية (ولاية الفقيه) ، خاصة في ظل (الغيبة الكبرى) التي لا صلة فيها بينهم وبين الامام الغائب ، ولكن الالتزام بنظرية :( الامامة والتقية والانتظار) منعهم من قبول ذلك ، استنادا الى فقدان الفقيه للعصمة والتعيين من الله ، وتعارض نظرية (ولاية الفقيه) مع نظرية (الامامة الالهية) . ودار نقاش حامٍ بين الطرفين حول الموضوع ، وقد نقله الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه :(اكمال الدين) حيث نقل مقتطفات من كتاب (الاشهاد) لأبي زيد العلوي ، وكتاب علي بن احمد بن بشار حول الغيبة وولاية الفقيه ، ورد الشيخ عبد الرحمن بن قبة عليهما . وقد استند ابن قبة في رفضه لنظرية :( ولاية الفقيه) على رفضه للاجتهاد ، وحتمية وجود العالم المفسر للقرآن الكريم من اهل البيت ، واستنتج ضرورة اشتراط العصمة في الامام . 14

وكان الشيخ ابن قبة ( توفي حوالي 350ه ) قد طالب الزيدية بالعودة الى موضوع النص والشورى بعد وفاة رسول الله مباشرة ، فان ثبت هناك بالنص ، فان الخلافة والإمامة لا بد ان تثبت بالنص في كل زمان ، وقال:· اذا ذكروا الحجة الصحيحة فننقلها الى الامام في كل زمان ، لأن النص ان وجب في زمن وجب في كل زمان ، لأن العلل الموجبة له موجودة ابدا . 15

ولما كانت الشورى المباشرة بعد الرسول باطلة في نظر الزيدية والامامية ، فقد استصحب عبد الرحمن بن قبة بطلانها في كل العصور ، ومنها بطلانها في (عصر الغيبة) وأجاب بذلك عن سؤال الزيدية من الامامية : لماذا لا تقيمون الحكومة في عصر الغيبة؟ لأن ذلك يتطلب خروجا على النص وعودة الى نظام الشورى الباطل في نظره. ورفض الشيخ ابن قبة إقامة اية حكومة في عصر الغيبة حتى تحت قيادة الفقهاء العدول ، وقال:· ليس يقوم عندنا مقام الامام الا الامام . 16

وقد خاطب عبد الرحمن بن قبة الشيعة الزيدية والمعتزلة الذين عرضوا على الشيعة الاثني عشرية نظرية (ولاية الفقيه) قائلا :· اننا نرضىمن اخواننا بشيء واحد ، وهو ان يدلونا على رجل من العترة .. لا يستعمل الاجتهاد والقياس في الأحكام السمعية ، ويكون مستقلا كافيا حتى نخرج معه ، فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة وحسب الإمكان ، والعقول تشهد ان تكليف مالا يطاق فاسد ، والتغرير قبيح . 17

و أضاف الشيخ الصدوق في مجال رفضه لنظرية (ولاية الفقيه) القائمة على الاجتهاد :· ان الامامة لا يتم أمرها الا بالعلم بالدين والمعرفة بأحكام رب العالمين ، وأئمة الزيدية قائلون في التأويل - اعني تأويل القرآن - على الاستخراج ، وفي الأحكام على الاجتهاد والقياس ، وليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط .. وفيه أشياء لا يعرف المراد منها الا بتوقيف ، مثل الصلاة والزكاة والحج.

فان قال قائل منهم : لم ينكر ما كان سببه ان يعرف بالتوقيف قد وقفه الله ورسوله عليه ، وما كان سبيله ان يستخرج فقد وكل الى العلماء وجعل بعض القرآن دليلا على بعض ، فاستغنينا بذلك عمن تدعون من التوقيف والموقف؟

قيل له : لا يجوز ، لتعدد الاحتمالات في الآية الواحدة ، وليس يجوز ان يكون للمتكلم الحكيم كلاما يحتمل مرادين متضادين .. انه لا بد للقرآن من مترجم يعلم مراد الله تعالى فيخبر به ونفى الصدوق إمكانية معرفة تأويل القرآن بالاستنباط لأي أحد غير الأئمة من اهل البيت . 18

 وقال السيد المرتضى في : (الشافي): · لا بد من كون امام معصوم في كل زمان ، لأن أدلة الشرع من كتاب وسنة لا تدل بنفسها ، لاحتمالها عدة وجوه ، ولذلك اختلفوا في معناها مع اتفاقهم في كونها دلالة ، فلا بد من مبيّن عرف معناها اضطرارا من الرسول او من امام سواه .. ( وقال ): لسنا نقول ان جميع أدلة الشرع محتملة غير دالة بنفسها ، بل فيها ما يدل اذا كان ظاهره مطابقا لحقائق اللغة .. ولا شبهة ان جميع أدلة الشرع ليست بهذه الصفة ، لأنا نعلم ان في القرآن متشابها وفي السنة محتملا ، وان العلماء من اهل اللغة قد اختلفوا في المراد بهما ومالوا في مواضع الى طريقة الظن والأولى ، فلا بد والحال هذه من مبيّن للمشكل ومترجم للغامض يكون قوله حجة كقول الرسول (ص) .. فلا بد من امام مؤدٍ لترجمة النبي (ص) مشكل القرآن وموضح عما غمض عنا من ذلك ، فقد ثبتت الحاجة الى الامام . 19

 وقد رفض الشيخ الطوسي نظرية ولاية الفقيه اعتمادا على ضرورة علم الامام (اي الحاكم الاسلامي) بجميع أحكام الدين علما يقينيا قاطعا ، وقبح ولاية الفاقد للعلم . 20

ورفض فكرة اعتماد الامام على الاجتهاد ، او الاخبار ، او استفتاء العلماء ، او التوقف فيما لا يعلمه حتى يتبين له الحكم الشرعي بأحد طرق العلم ، واشترط حصول العلم الإلهي للامام ، وشكك بصحة الطرق الظنية كالقياس والاجتهاد وكونها طريقا للعلم الإلهي المطلوب في الامام .

كما رفض فكرة تقليد الحكام للعلماء ، لعدم جواز التقليد أساسا ، او لعدم جواز التقليد لخصوص الحكام ، وضرورة حصول العلم اليقيني لديهم ، وهو ما لا يمكن الا في (الأئمة المعصومين ) . 21

وهكذا رفض الشيخ الطوسي ان يكون الحاكم مجتهدا او مقلدا للمجتهدين ، واشترط ان يكون حاصلا على العلم من الله ، بالرغم من ان الطوسي ومن قبل استاذيه المرتضى والمفيد كانوا قد فتحوا باب الاجتهاد ومارسوه .. ولكنهم لم يرتقوا بشرعيته الى درجة صياغة نظرية دستورية تعتمد على ولاية الفقيه بدلا من الامام المعصوم ، حتى في عصر الغيبة الذي لم يكن بمقدور الشيعة فيه التوصل الى الامام الغائب والتعاون معه على إقامة حكومة في الارض .

وبالرغم من انهم كانوا يعيشون في ظل الدولة البويهية الشيعية الا انهم لم يستطيعوا انتاج نظرية عصرية سياسية تلبي متطلبات الحياة ، وأصروا على تكريس نظرية (الانتظار) السلبية وترديدها في مختلف