كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

بحوث في العصمة

عصمة الإمام

مسألة عصمة الإمام لها أهمية كبرى عند الشيعة [عبد الله فياض/ تاريخ الإمامية: ص157.]، وهي من المبادئ الأولية في كيانهم العقدي [باقر شريف القرشي/ حياة الإمام موسى بن جعفر: 1/111.].

والعصمة في كلام العرب: تعني المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به [تهذيب اللغة: مادة "عصم".].

أما معنى العصمة عند الشيعة فيختلف بحسب أطوار التشيع وتطوراته، لكن يظهر أن مذهب الشيعة في عصمة الأئمة قد استقر على ما قرره شيخ الشيعة – في زمنه – المجلسي – صاحب بحار الأنوار (المتوفى سنة 1111ه‍) في قوله: "اعلم أنّ الإماميّة اتّفقوا على عصمة الأئمّة – عليهم السّلام – من الذّنوب – صغيرها وكبيرها – فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمدًا ولا نسيانًا ولا الخطأ في التّأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه" [بحار الأنوار: 25/211، وانظر: مرآة العقول: 4/352.].

فالمجلسي يسبغ على أئمته العصمة من كافة الأوجه المتصورة: العصمة من المعصية كلها – صغيرة أو كبيرة – العصمة من الخطأ، والعصمة من السهو والنسيان.

وهذه الصّورة للعصمة التي يرسمها المجلسي، ويعلن اتفاق الشيعة عليها لم تتحقّق لأنبياء الله ورسله كما يدلّ على ذلك صريح القرآن، والسّنّة، وإجماع الأمة [انظر: فكرة التقريب: ص299 (الهامش).]، فهي غريبة على الأصول الإسلامية، بل إنّ النّفي المطلق للسّهو والنّسيان عن الأئمّة تشبيه لهم بمن لا تأخذه سنة ولا نوم، ولهذا قيل للرّضا – وهو الإمام الثّامن الذي تدعي الشيعة عصمته -: "إنّ في الكوفة قومًا يزعمون أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقع عليه السّهو في صلاته، فقال: كذبوا – لعنهم الله – إنّ الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو" [بحار الأنوار: 25/350، وانظر: ابن بابويه/ عيون أخبار الرّضا: ص326.].

وهذا النص – إن صح – من الممكن أن نستقرئ منه بأن نفي السهو – والذي أصبح من أسس مفهوم العصمة عند الاثني عشرية المتأخرين – كان في عصر الرضا عقيدة لقوم ينتسبون للتشيع، لم يذكر لهم اسم لقلتهم أو حقارتهم أو شناعة قولهم، وكانوا يخصون بهذه العقيدة أفضل الخليفة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقد قوبل هذا الاتجاه الغالي باللعن والتكذيب والتفكير من إمام الشيعة نفسه؛ لأن في هذا تشبيهًا للرسول صلى الله عليه وسلم بمن لا تأخذه سنة ولا نوم، فماذا يقول الرضا إذًا فيمن يطلق هذا الوصف عليه، وعلى آخرين معه من أجداده وأبنائه؟

لا شك أن إنكاره عليهم أشد وأعظم، كما يمكن أن يؤخذ من هذا النص تأخر شيوع هذا الاتجاه عن عصر الرضا.

وهذا يدعونا لبحث بواكير النشأة لهذه العقيدة وتطورها.

 

نشأة هذه العقيدة وتطورها

إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر أن معتقد العصمة كان من آراء ابن سبأ [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/518، منهاج السنة: 4/60.]، ولكن لم أجد لفظ "العصم" مأثورًا عن ابن سبأ – في حدود اطلاعي -، ولا شك أن ابن سبأ قد نقل عنه ما يؤدي إلى القول بالعصمة وأعظم، فقد نقل عنه القول بألوهية أمير المؤمنين [انظر: مقالات الإسلاميين: 1/86، التنبيه والرد: ص18، الفرق بين الفرق: ص21، الملل والنحل: 1/174، وانظر في كتب الشيعة: رجال الكشي: ص106-107، الرازي/ الزينة: ص305، تنقيح المقال: 2/183.]، لكنه لم يقل بالعصمة حسب النظرية الإمامية، وكانت آراؤه في الغالب خاصة بأمير المؤمنين علي، حتى إنه كان أول من قال بالتوقف من الشيعة [القمي/ المقالات والفرق: ص20.] – أي انتظار ظهور الإمام علي ورجعته -.

ويرى القاضي عبد الجبار أن القول بعصمة الإمام وأنه لا يجوز عليه الخطأ والزلل في حال من الأحوال ولا يلحقه سهو ولا غفلة لم يعرف في عصر الصحابة والتابعين لهم إلى زمن هشام بن الحكم حيث ابتدع هذا القول [تثبيت دلائل النبوة: 2/528.].

ويتفق معه محب الدين الخطيب في تحديد الحقبة الزمنية التي نشأت فيها عقيدة العصمة، لكنه يعزوها إلى شخص آخر من معاصري هشام بن الحكم فيقول: "وأول من اخترع لهم هذه العقيدة الضالة خبيث يسميه المسلمون شيطان الطاق وتسميه الشعية "مؤمن آل محمد" [في رجال الكشي: ص185، «مؤمن الطاق».]، واسمه محمد بن علي الأحول" [مجلة الفتح: المجلد (18) ص277.].

وقد أشار دونلدسن إلى احتمال أن فكرة العصمة قد بدأت عند الشيعة في عصر جعفر الصادق [دونلدسن/ عقيدة الشيعة: ص329، محمود صبحي/ نظرية الإمامة: ص134.]، ويلحظ أن هشام بن الحكم، وشيطان الطاق من المعاصرين لجعفر، فلعل هذه العقيدة عرفت عند الشيعة في عصر جعفر الصادق، ولكنها تطورت، ومرت بمراحل حتى استقرت على تلك الصورة التي يعرضها المجلسي.

أطوار عقيدة العصمة:

وإذا حاولنا أن نرجع إلى النصوص الشيعية التي ورد فيها النص على العصمة لنستقرئ من خلالها الأطوار التي مرت بها هذه العقيدة نجد ما يلي: تنسب كتب الشيعة إلى زين العابدين علي بن الحسين أنّه قال: "المعصوم هو من اعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن" [ابن بابويه/ معاني الأخبار: ص132، بحار الأنوار: 25/194.].

وسواء صحت نسبة هذا النص إلى علي بن الحسين أم لم تصح فإنه يطلعنا على تلك النظرة السليمة للعصمة، وربطها بهذا المعنى الإسلامي الجميل في تلك الفترة المبكرة من تاريخ التشيع، فالاعتصام بالقرآن والتمسك به هو العصمة والنجاة، وهذا المعنى ليس مقصورًا على أناس معينين، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا} [آل عمران، آية: 103.]، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران، آية: 101.].

وبعد ذلك نجد أن هشام بن الحكم الذي ينسب له القاضي عبد الجبار اختراع عقيدة العصمة يسأله أحد رجال الشيعة ويدعى حسين الأشقر فيقول: ما معنى قولكم: "إن الإمام لا يكون إلا معصومًا؟" فقال هشام: سألت أبا عبد الله (جعفر الصادق) عن ذلك فقال: "المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، وقال تبارك وتعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران، آية: 101، والنص عن معاني الأخبار: ص132، بحار الأنوار: 25/194-195.].

ويقول شيعي آخر يدعى ابن أبي عمير: ما استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي إياه شيئًا أحسن من هذا الكلام في عصمة الإمام وهو: أن الإمام لا يذنب؛ لأن منافذ الذنوب الحرص والحسد والغضب والشهوة، وهذه الأوجه منتفية عن الإمام [بحار الأنوار: 25/192-193 "باختصار"، وانظر: ابن بابويه/ الخصال: 1/215، معاني الأخبار: ص133، أمالي الصدوق: ص375-376.].

ولكن هذا المفهوم – على كل حال – ليس من غلوّ المجلسي في العصمة، ولا يترتب عليه من الآثار ما يترتب على عصمة الشيعة في صياغتها الأخيرة والتي تزيد على ذلك، بجعل كلام الإمام وحيًا يوحى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتنفي عنه العوارض البشرية من السهو والغفلة والنسيان لتخرج به من طور المخلوقين إلى صفات خالق البشر.

كما يلحظ أن الحكم بامتناع الإمام من المعصية ولزوم فعله للطّاعة يعني أنّه مجبور من الله – سبحانه – على ذلك، وهذا يتعارض مع مذهب الاثني عشريّة في القدر، من القول بالحرّيّة والاختيار، وأنّ العبد يخلق فعله، ممّا يدلّ على أنّ مفهوم العصمة هذا سابق لمذهبهم في القدر والذي أخذوه عن المعتزلة في المائة الثّالثة.

ولهذا نجد أنه بعد تأثر الشيعة بالفكر الاعتزالي اصطبغ مفهوم العصمة عندهم ببعض الأفكار الاعتزالية كفكرة اللطف الإلهي، وفكرة الاختيار الإنساني، كما نلاحظ هذا في تعريف المفيد (المتوفى سنة 413ه‍) للعصمة حيث قال: "بأنها لطف يفعله الله – تعالى – بالمكلف بحيث يمنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة مع قدرته عليها" [المفيد/ النكت الاعتقادية: ص33-34، تصحيح الاعتقاد: ص106، الجيلاني/ توفيق التطبيق: ص16.]، فليس معنى العصمة أن يجبر الله الإمام على ترك المعصية بل يفعل به ألطافًا يترك معها المعصية مختارًا. فتلحظ الاستعانة بمصطلحات المعتزلة لتحديد مفهوم العصمة.

ومسألة العصمة لم تقف عند حد نفي المعصية بل تجاوزت ذلك.. ففي القرن الرابع يقرر ابن بابويه (المتوفى سنة 381ه‍) عقيدة الشيعة في العصمة في كتابه الاعتقادات الذي يسمى "دين الشيعة الإمامية" فيقول: "اعتقادنا في.. الأئمة.. أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر، واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل" [الاعتقادات: ص108-109.].

فهو هنا ينفي المعصية، وأيضًا الجهل والنقص، ويثبت الكمال الذي يلازمهم من أول حياتهم إلى آخرها، ويكفر من خالف ذلك.

فهذا طور آخر انتقل إليه مسألة العصمة، ولكنه لم يصرح بنفي السهو عن الأئمة كما فعل المجلسي وشيوخ الشيعة المتأخرون، بل إنّه نصّ في كتابه "من لا يحضره الفقيه" على أنّ نفي السّهو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو مذهب الغلاة والمفوّضة، يقول: "إنّ الغلاة والمفوّة – لعنهم الله – ينكرون سهو النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقولون: لو جاز أن يسهو في الصّلاة لجاز أن يسهو في التّبليغ؛ لأن الصلاة فريضة كما أن التبليغ فريضة.. وليس سهو النبي صلى الله عليه وسلم كسهونا؛ لأن سهوه من الله عز وجل وإنّما أسهاه الله ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ ربًا معبودًا دونه، وليعلم النّاس بسهوه حكم السّهو، وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السّهو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب مفرد في إثبات سهو النّبيّ والرّد على مُنكريه" [من لا يحضره الفقيه: 1/234.].

فأنت ترى أن ابن بابويه وهو رئيس الشّيعة – كما يسمّونه – ينكر على من نفى السّهو عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن هو أقل منه كالأئمة؟! ويعدّ نفي السّهو علامة الغلو، ويشير إلى أن هذا القول من مذاهب الغلاة.. ويلمح إلى ما ينطوي عليه نفي السهو من تشبيه المخلوق بالخالق جل شأنه.

ولكن نفي السّهو هو ممّا أضافه الشّيعة المتأخّرون إلى مسألة العصمة، في تطور آخر لهذه القضية، ولذلك فإن نصوصهم الموضوعة سلفًا عن الأئمة تخالف ذلك، فأبو عبد الله كان يقول – لمّا ذكر له السّهو -: "أو ينفلت من لك أحد؟ ربّما أقعدت الخادم خلفي يحفظ عليّ صلاتي" [بحار الأنوار: 25/351.].

والرضا يلعن من ينفي السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم - كما مرّ – ويقول: إن الذي لا يسهو هو الله سبحانه، وكتب الشيعة روت أخبارًا في سهوه صلى الله عليه وسلم في صلاته [انظر: من لا يحضره الفقيه: 1/233.].

ومن الغريب أنهم يحتجّون بإجماعهم رغم أنّه منقوض بمخالفة شيعة القرن الرّابع من قبلهم، وبنصوصهم.

ولكن شهوة الغلو تقول: "إنّ أصحابنا الإماميّة أجمعوا على عصمة الأئمّة – صلوات الله عليهم – من الذّنوب الصّغيرة والكبيرة عمدًا وخطأ ونسيانًا من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله عزّ وجلّ" [بحار الأنوار: 25/ 350-351.].

وإذا قيل لهم كيف ينعقد إجماعكم، وشيخكم الصّدوق ابن بابويه وشيخه ابن الوليد قد خالفا هذا المذهب؟ قالوا: "إن خروجهما لا يخل بالإجماع لكونهما معروفي النسب" [بحار الأنوار: 25/351.]، أما القسم الآخر الذين قالوا بالعصمة المطلقة ففيهم من لا تعرف هويته ونسبه أو كلهم كذلك، فيحتمل أن يكون الإمام الغائب خرج من مخبئه وأدلى بصوته معهم، وقوله هو العمدة في الإجماع [انظر: فصل الإجماع.]، أي أنه يكفي في إثبات حجية الإجماع في هذه المسألة وجود الظن بأن الغائب المعصوم يوجد مع الفئة المجهولة التي قررت نفي السهو.

ولك أن تعجب كيف يردون النصوص الصريحة في إثبات السهو والواردة في كتبهم عن الأئمة ويتعلقون بإجماع يكشف عن قول المعصوم الغائب على سبيل الظن والاحتمال؟!

ولكن مذهب الشيعة هو مذهب الشيوخ لا مذهب الأئمة.

ولقد احتار المجلسي – وهو يرى النصوص التي تخالف إجماع أصحابه - فقال: "المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السّهو عنهم، وإطباق الأصحاب إلا من شذ منهم على عدم الجواز" [بحار الأنوار: 25/351.].

وهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة المتأخرين على عصمة الأئمة بإطلاق يخالف رواياتهم، وهذا دليل واقعي واعتراف صريح في أنهم يجمعون على ضلالة، وعلى غير دليل حتى من كتبهم.

 

استدلالهم على عصمة أئمتهم

استدلالهم بالقرآن:

رغم أن كتاب الله سبحانه ليس فيه ذكر للاثني عشر أصلاً – كما مرّ – فضلاً عن عصمتهم، إلا أن الاثني عشرية تتعلق بالقرآن لتقرير العصمة، ويتفق شيوخهم على الاستدلال بقوله – سبحانه -: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة، آية: 124.].

وبهذه الآية صدر المجلسي بابه الذي عقده في بحاره بشأن العصمة بعنوان "باب.. لزوم عصمة الإمام" [بحار الأنوار: 25/191.].

وجملة من شيوخ الشيعة المعاصرين يجعلون هذه الآية أصل استدلالهم من القرآن، ولا يستدلون بسواها مثل محسن الأمين [انظر: أعيان الشيعة: 1/458.]، ومحمد حسين آل كاشف الغطا، والذي يقول بأنّ هذه الآية صريحة في لزوم العصمة [أصل الشّيعة: ص59.].

ويتولى صاحب مجمع البيان سياق وجهة استدلال أصحابه بهذه الآية على مرادهم فيقول: "استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصومًا من القبايح؛ لأنّ الله – سبحانه – نفى أن ينال عهده – الذي هو الإمامة [اختلف السّلف في معنى العهد – كم سيأتي – ولكن الرّوافض يأخذون بما يوافق هواهم ويقطعون به بلا دليل.] – ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالمًا إمّا لنفسه، وإما لغيره.

فإن قيل: إنما نفى أن ينال ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب فلا يسمى ظالمًا فيصح أن يناله.

والجواب: أن الظّالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالمًا، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها، والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظّالم وإن تاب فيما بعد" [الطّبرسي/ مجمع البيان: 1/201، وانظر: الطّوسي/ التّبيان: 1/449، المجلسي/ بحار الأنوار: 25/191.].

نقد استدلالهم:

أولاً: اختلف السلف في معنى العهد على أقوال:

قال ابن عباس والسدي: إنه النبوة، قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} "أي نبوتي"، وقال مجاهد: الإمامة، أي لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به، وقال قتادة وإبراهيم النّخعي وعطاء والحسن وعكرمة: لا ينال عهد الله في الآخرة الظّالمين فأمّا في الدّنيا فقد ناله الظّالم فأمن به وأكل وعاش.. قال الزّجّاج: وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني الظّالمين؛ أي: لا أؤمنهم من عذابي. والمراد بالظّالم: المشرك..، وقال الربيع بن أنس والضحاك، عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} يقول: ليس كلّ ذرّيتك يا إبراهيم على الحقّ.. وروي عن ابن عباس – أيضًا – {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، قال: ليس للظالمين عهد، وإن عادته فانقضه [انظر: تفسير الطبري: ج‍2 (من الأجزاء المحققة) ص20 وما بعدها، تفسير البغوي: 1/112، ابن عطية/ المحرر الوجيز: 1/250، القرطبي/ الجامع لأحكام القرآن: 2/108، تفسير ابن كثير: 1/172-173، الشوكاني/ فتح القدير: 1/138، الألوسي/ روح المعاني: 1/377، تفسير القاسمي: 2/245-246.].

فالآية – كما ترى – اختلف السلف في تأويلها، فهي ليست في مسألة الإمامة أصلاً في قول أكثرهم، والذين فسروها بالإمامة قصدوا إمامة العلم والصلاح والاقتداء، لا الإمامة بمفهوم الرافضة.

ثانيًا: لو كانت الآية في الإمامة فهي لا تدلّ على العصمة بحال؛ إذ لا يمكن أن يقال بأنّ غير الظّالم معصوم لا يخطئ ولا ينسى ولا يسهو.. إلخ كما هو مفهوم العصمة عند الشيعة، إذ يكون قياس مذهبهم من سها فهو ظالم ومن أخطأ فهو ظالم.. وهذا لا يوافقهم عليه أحد ولا يتّفق مع أصول الإسلام، فبيّن إثبات العصمة، ونفي الظّلم فرق كبير؛ لأنّ نفي الظّلم إثبات للعدل، لا للعصمة الشّيعيّة.

ثالثًا: لا يسلم لهم أن من ارتكب ظلمًا ثم تاب منه لحقه وصف الظلم ولازمه، ولا تجدي التوبة في رفعه، فإن أعظم الظّلم الشّرك، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية: 82.]، ثم فسّر الظّلم بقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان، آية:13.] ومع هذا قال – جلّ شأنه – في حقّ الكفّار: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: آية: 38.].

لكن قياس قول هؤلاء أنّ من أشرك ولو لحظة، أو ارتكب معصية ولو صغيرة فهو ظالم لا ينفكّ عنه وصف الظّلم، ومؤدّى هذا أنّ المشرك ولو أسلم فهو مشرك لأنّ الظّلم هو الشّرك [هم يعنون بالظّلم الشّرك؛ لأنّ مرادهم إبطال خلافة أبي بكر وعمر؛ لأنّهما قد أسلما بعد شرك، والشّرك لم ينفكّ عنهما بعد إيمانهما في زعمهم، ولذلك قال الكليني: "هذه الآية أبطلت إمامة كلّ ظالم". (أصول الكافي: 1/199).].

فصاروا بهذا أشدّ من الخوارج الوعيديّة؛ لأن الخوارج لا يثبتون الوعيد لصاحب الكبيرة إلا في حالة عدم توبته.

ومن المعلوم في بدائه العقول فضلاً عن الشرع والعرف واللغة "أن من كفر أو ظلم ثمّ تاب وأصلح لا يصحّ أن يطلق عليه أنّه كافر أو ظالم.. وإلا جاز أن يُقال: صبي لشيخ، ونائم لمستيقظ، وغني لفقير، وجائع لشبعان، وحي لميت، وبالعكس، وأيضًا لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرًا قبل سنين متطاولة أن يحنث، ولا قائل به" [الألوسي/ روح المعاني: 1/377.].

ومن المعروف أنه قد يكون التائب من الظلم أفضل ممن لم يقع فيه. ومن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يقتل ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله، وتاب بعد ذنوبه، فهو مخالف لما علم بالاضطرار من دين الإسلام، فمن المعلوم أن السابقين أفضل من أولادهم، وهل يشبه أبناء المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل [انظر: منهاج السنة: 1/302-303.]؟!

كما أن استدلالهم هذا يؤدي إلى أن جميع المسلمين وكذلك الشيعة وأهل البيت – إلا من تعتقد الشيعة عصمتهم – جميعهم ظلمة لأنهم غير معصومين، وقد قال شيخهم الطوسي بأن الظّلم اسم ذمّ فلا يجوز أن يطلق إلا على مستحقّ اللّعن لقوله – تعالى -: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [التّبيان: 1/158، والآية رقم18 من سورة هود.].

رابعًا: وأختم القول بما قرره أحد علماء الشيعة الزيدية في نقض استدلال الشيعة الاثني عشرية بهذه الآية حيث قال: "احتج الرافضة بالآية على أن الإمامة لا يستحقها من ظلم مرة، ورام الطعن في إمامة أبي بكر وعمر، وهذا لا يصح لأن العهد إن حمل على النبوة فلا حجة، وإن حمل على الإمامة فمن تاب من الظّلم لا يوصف بأنّه ظالم، ولم يمنعه – تعالى – من نيل العهد إلا حال كونه ظالمًا" [يوسف بن أحمد الزّيدي/ الثّمرات اليانعة: ج‍1 الورقة 60 (مخطوط).].

أدلتهم من السنة:

ويتمسكون بروايات من طرق أهل السنة للاحتجاج بها على أهل السنة، وإقناع قومهم بأن ما هم عليه موضع إجماع، وهي ما بين كذب، أو بعيد عن استدلالهم، وقد مضى الحديث فيها في فصل الإمامة.

والروايات التي يحتجون بها هي تتعلق بأهل البيت، ولا حجة للاثني عشرية في ذلك أصلاً لما ثبت من أن الاثني عشرية ليس لها علاقة بأهل البيت إلا العلاقة المزعومة بعلي وبعض أولاده، وهما الحسن والحسين، وبعض ذرية الحسين، وقد انقطع النسل الذين يقولون بإمامتهم لوفاة الحسن العسكري عقيمًا، فعلاقتهم منذ سنة 260ه‍ بشيوخ يزعمون النيابة عن معدوم لا وجود له، وهم الذين انتهوا بالمذهب إلى هذه النهاية المفزعة التي مر علينا جملة من صورها.

وقد سلف ذكر الشواهد في تكفيرهم لأهل البيت، ولذلك فإنّ تمسّكهم بالقول بعصمة أهل البيت هو من خداع العناوين.

غير أن الاثني عشرية تقيم معتقدها في العصمة وغيرها بما يرويه صاحب الكافي، وإبراهيم القمي، والمجلسي وأضرابهم من روايات منكرة في متنها فضلاً عن إسنادها، تثبت لهؤلاء الاثني عشر العصمة المزعومة، وقد ساق المجلسي في بابه الذي عقده في شأن العصمة ثلاثًا وعشرين رواية من روايات شيوخه كالقمي، والعياشي والمفيد وغيرهم، وقد ذكرها بعد استدلاله بآية البقرة، التي تبين لنا أن استدلالهم فيها باطل.

أما الكليني في الكافي فقد عقد مجموعة من الأبواب في معنى العصمة المزعومة، ساق فيها أخبارًا بسنده عن الاثني عشر يدّعون فيها أنهم معصومون بل وشركاء في النبوة، بل ويتصفون بصفات الألوهية، وقد مر في باب اعتقادهم في أصول الدين أمثلة من ذلك، وتجد ذلك في الكافي في باب "أن الأئمة هم أركان الأرض" وأثبت فيه ثلاثة روايات تقول بأن الأئمة الاثني عشر كرسول الله في وجوب الطاعة، وفي الفضل، وفي التكليف، فعلي "جرى له من الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم" [أصول الكافي: 1/198.]، كذا سائر الاثني عشر، ثم ما تلبث أن ترفعهم عن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقام رب العالمين حيث تقول بأن عليًا قال: "أُعطيت خصالاً لم يعطهنّ أحد قبلي: علّمت علم المنايا والبلايا.. فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عنّي ما غاب عنّي" [أصول الكافي: 1/197.].

والذي يعلم المنايا والبلايا هو الله – سبحانه – {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان، آية:34.].

والذي لا يعزب عنه شيء، ولا يفوته شيء هو الخالق – جل علاه – قال تعالى: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} [سبأ، آية:3.].

فالأمر تعدى حدود العصمة إلى دعوى الرسالة والألوهية، وهذا خروج عن الإسلام رأسًا.

وقد تتابعت أبواب الكافي في هذا المعنى [انظر: من أصول الكافي، باب فرض طاعة الأئمة: 1/185، وقد ذكر فيه (17) رواية لهم، وباب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: 1/192، وأورد فيه (6) روايات، وباب أن الأئمة خلفاء الله – عز وجل – في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى: 1/193، وفيه ثلاثة روايات، وغيرها من الأبواب والأخبار التي يعرف كذبها بالاضطرار من دين الإسلام.]، وهي لا تخرج عن دعاوى المتنبئين والملحدين على مدار التاريخ سوى أنهم نسبوا هذه المفتريات إلى جملة من أهل البيت الأطهار.

أدلتهم العقليّة على مسألة العصمة:

نستطيع أن نرجع أدلتهم العقلية التي يستدلون بها على عصمة الإمام إلى أصل واحد، وهو أنّ الأمّة كلّها معرّضة للخطأ والضّلال، والعاصم لها من الضّلال هو الإمام.

ولهذا رتبوا أدلتهم على هذا الأساس فقالوا: إن الأمة لابد لها من رئيس معصوم يسدد خطأها، فلو جاز الخطأ عليه لزم له آخر يسدّده فيلزم التّسلسل فحينئذ يلزم القول بعصمة الإمام؛ لأن الثقة عندهم بالإمام لا بالأمة.. وقالوا بأنه هو الحافظ للشرع، ولا اعتماد على الكتاب والسنة والإجماع بدونه… إلخ [انظر: ابن المطهر/ كشف المراد: ص390-391، وانظر: نهج المسترشدين: ص63، وانظر: الألفين: ص56 وما بعدها، القزويني/ الشيعة في عقائدهم: ص368-369، الزنجاني/ عقائد الإمامية: ص77، هاشم معروف الحسيني/ أصول التشيع: ص131-132.].

والحقيقة غير هذا تمامًا، فالأمّة معصومة بكتاب ربّها وسنّة نبيّها صلى الله عليه وسلم، ولا تجمع الأمّة على ضلالة، وعصمة الأمّة مغنية عن عصمة الإمام، وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة قالوا: لأن من كان من الأمم قبلنا كانوا إذا بدلوا دينهم بعث الله نبيًا يبين الحق، وهذه الأمّة لا نبي بعد نبيّها، فكانت عصمتها تقوم مقام النّبوّة، فلا يمكن أحد منهم أن يبدّل شيئًا من الدّين إلا أقام الله من يبيّن خطأه فيما بدّله، ولذلك فإنّ الله – سبحانه – قرن سبيل المؤمنين بطاعة رسوله في قوله – عزّ وجلّ -: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النّساء، آية: 155.].

فعصمة الأمة وحفظها من الضلال – كما جاءت بذلك النصوص الشرعية – تخالف تمامًا من "يوجب عصمة واحد من المسلمين، ويجوز على مجموع المسلمين – إذا لم يكن فيهم معصوم – الخطأ" [المنتقى (مختصر منهاج السنة): ص410.].

وكل ما سطروه وملأوا به الصفحات من أدلة عقلية تؤكد الحاجة إلى معصوم قد تحققت بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن الأمة ترد عند التنازع إلى ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة ولا ترد إلى الإمام {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النّساء، آية:59.]. "قال العلماء: إلى كتاب الله، وإلى نبيّه صلى الله عليه وسلم، فإن قبض فإلى سنّته" [ابن عبد البرّ/ التّمهيد: 4/264.]، وهي بهدي الكتاب والسنة لا تجمع على ضلالة؛ لأنها لن تخلو من متمسك بهما إلى أن تقوم الساعة.

ولهذا فإن الحجة على الأمة قامت بالرسل، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} إلى قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النّساء، آية:165.]، ولم يقل – سبحانه -: والأئمة، وهذا يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل كالأئمة [انظر: ابن تيمية/ الفتاوى: 19/66.].

وأدلّتهم العقليّة التي تؤكّد الحاجة إلى إمام معصوم، وأنّ الأمّة بدونه لا إيمان لها ولا أمان، هذه الحجج هي أيضًا تؤدّي في النّهاية إلى إبطال عصمة الأئمّة عندهم؛ لأنّ أئمّتهم لم يتحقّق بهام مقاصد الإمامة التي يتحدّثون عنها.

والواقع أنّه يكفي من ذلك انتهاء ظهور الإمام عندهم منذ سنة (260ه‍)، سواء كان لم يوجد أصلاً – كما يقوله أكثر الفرق الشّيعيّة التي وجدت إثر وفاة الحسن، وكما تقوله أسرة الحسن وعلى رأسهم أخوه جعفر، وكما يؤكّده علماء النّسب والتّاريخ، كما سيأتي – أو هو مختف لم يظهر – كما تقوله الاثنا عشريّة – فإنّ هذا الغائب الموعود أو المعدوم لم ينتفع به في دين ولا دنيا.

وهذه ثلمة لا تسد، وفتق لا يرتق في المذهب الاثني عشري لا يبقي ولا يذر لحججهم وزنًا ولا أثرًا، وكذلك أجداده من قبل إذ لم يتول منهم أحد ما عدا أمير المؤمنين علي، والحسن قبله تنازله، ولهذا قال أهل العلم: إن دعوى العصمة عندهم ليس عليها دليل إلا زعمهم بأن الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف.. وكذلك أجداده المتقدمون لم يحصل بهم المصلحة واللطف الحاصلة من إمام معصوم ذي سلطان كما كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، فإنه كان إمام المؤمنين الذي يجب عليهم طاعته، ويحصل بذلك سعادتهم، ولم يحصل بعده أحد له سلطان تدعى له العصمة إلا علي – رضي الله عنه – ومن المعلوم أن المصلحة واللّطف الذي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثّلاثة أعظم من المصلحة واللّطف الذي كان في خلافة علي زمن القتل والفتنة والافتراق [منهاج السّنّة: 2/104.].

أما من دون علي فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من نظرائه، وكان علي بن الحسين وابنه أبو جعفر، وابنه جعفر بن محمد يعلمون الناس ما علمهم الله كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمانهم من هو أعلم منهم وأنفع للأمة، وهذا معروف عند أهل العلم، ولو قدر أنهم كانوا أعلم وأدين فلم يحصل من أهل العلم والدين ما يحصل من ذوي الولاية من القوة والسلطان، وإلزام الناس بالحق ومنعهم باليد عن الباطل.

وأما من بعد الثلاثة كالعسكريين فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة؛ بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين.. ولذلك لم يأخذ عنهم أهل العلم كما أخذوا عن أولئك الثلاثة [منهاج السنة: 3/248.].

نقد عام لمبدأ "عصمة الأئمة":

دعوى العصمة للأئمّة تضاهي المشاركة في النّبوّة، فإنّ المعصوم يجب اتّباعه في كلّ ما يقول، ولا يجوز أن يخالف في شيء، وهذه خاصّة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال – تعالى -: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة، آية:136] فأمرنا أن نقول: آمنا بما أوتي النبيون.. فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به، وهذا ما اتفق عليه المسلمون.. فمن جعل بعد الرّسول معصومًا يجب الإيمان بكلّ ما يقوله فقد أعطاه معنى النّبوّة، وإن لم يعطه لفظها [منهاج السّنّة: 3/174.].

وهذا مخالف لدين الإسلام، للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.

أما القرآن فقال – سبحانه -: {وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النّساء، آية:59.]، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله عليه وسلم لأمرهم بالرد إليه؛ فدل القرآن أن لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم [منهاج السنة: 2/105.].

وقال – تعالى -: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا} [النّساء، آية: 69.]، وقال: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن، آية:23.] فدل القرآن – في غير موضع – على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم.

وقد اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص – سوى الرسول – فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، واتباعه فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [منهاج السنة: 3/175.].

والسنة المطهرة دلت على ذلك، ولكنهم – كما سلف – لا يرجعون إلا إلى أقوال أئمتهم،

 وإليك ما ينقض مذهبهم من أقوالهم:

جاء في نهج البلاغة – الذي لا تشك الشيعة في كلمة منه – ما يهدم كل ما بنوه من دعاوى في عصمة الأئمة؛ حيث قال أمير المؤمنين – كما يروي صاحب النهج -: "لا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام النفس، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشهورة بعد، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي" [نهج البلاغة: ص335.].

فأمير المؤمنين يطلب من أصحابه ألا يترددوا في إبداء النصيحة والمشورة، ولا يمنعهم من ذلك المجاملة والمصانعة، أو أن يظن به أنه لا يقبل الحق إذا قيل له، استثقالاً له وتعظيمًا لنفسه، فإن الحكم الذي لا يقبل مشورة الرعية ولا يرضى أن يقال له: أخطأت هو عن العمل بالحق والعدل أبعد؛ لأن من يثقله استماع النصيحة فهو عن العمل بها أعجز، فلا تكفوا عن مقالة بحق ولا مشورة بعدل فالجماعة أقرب إلى الحق والعصمة، والفرد لا يأمن على نفسه الوقوع في الخطأ.

فهو هنا لم يدّع ما تزعم الشيعة فيه من أنه لا يخطئ بل أكد أنه لا يأمن على نفسه من الخطأ، كما لم يعلن استغناءه عن مشورة الرعية بل طلب منهم المشورة بالحق والعدل لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وكل فرد لوحده معرض للضلالة، فعلم أن دعوى العصمة من مخترعات غلاة الشيعة.

وجاء في نهج البلاغة – أيضًا -: "لابدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السّبل، ويؤخذ به للضّعيف من القوي" [نهج البلاغة: ص82.].

فأنت ترى أنه لم يشترط العصمة في الأمير، ولم يشر لها من قريب أو بعيد، بل رأى أنه لابدّ من نصب أمير تناط به مصالح العباد والبلاد، ولم يقل أنه لا يلي أمر الناس إلا إمام معصوم، وكل راية تقوم غير راية المعصوم فهي راية جاهلية – كما تقول كتب الشيعة - ولم يحصر الإمارة في الاثني عشر المعصومين عند الشيعة ويكفر من تولاها من خلفاء المسلمين كما تذهب إليه الشيعة، بل رأى ضرورة قيام الإمام ولو كان فاجرًا، وجعل إمارته شرعية بدليل أنه أجاز الجهاد في ظل إمارة الفاجر؛ فأين هذا مما تقرره الشريعة بمنع الجهاد حتى يخرج المنتظر [انظر: فصل الغيبة والمهدية: ص824.].. لأن الإمامة الشرعية محصورة في الاثني عشر؟!

وكان الأئمة يعترفون بالذنوب ويستغفرون الله منها..

فأمير المؤمنين يقول في دعائه – كما في نهج البلاغة -: "اللّهمّ اغفر لي ما أنت أعلم به منّي، فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة، اللّهمّ اغفر لي ما وأيت [وأيت: وعدت.] من نفسي ولم تجد له وفاء عندي، اللّهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني، ثم خالفه قلبي، اللّهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشهوات الجنان، وهفوات اللّسان" [نهج البلاغة: ص104.].

فأنت ترى الإقرار بالذنب، وبالعودة إليه بعد التوبة، والاعتراف بسقطات الألفاظ وشهوات الجنان، ومخالفة القلب للسان.. كل ذلك ينفي ما تدعيه الشيعة من العصمة، إذ لو كان علي والأئمة معصومين لكان استغفارهم من ذنوبهم عبثًا.. وكل أئمتهم قد نقلت عنهم كتب الشيعة الاستغفار إلى الله – سبحانه – من الذنوب والمعاصي، ولو كانوا معصومين لما كانت لهم ذنوب.

قال أبو عبد الله – كما تروي كتب الشيعة -: "إنّا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متابًا" [بحار الأنوار: 25/207.].

وكان أبو الحسن (موسى الكاظم) يقول – حسب روايات الشيعة -: "ربّ عصيتك بلساني ولو شئت وعزّتك لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت لأكمهتني [كمه بصره: اعترته ظلمة تطمس عليه، عمى أو صار أعشى (بحار الأنوار: 25/203 –الهامش-).]، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزّتك لأصممتني، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزّتك لكنعتني [كنع يده: أشلّها وأيبسها. (بحار الأنوار: 25/203-الهامش-).]، وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزّتك لأعقمتني، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزّتك لجذمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها عليّ ولم يكن هذا جزاك منّي" [بحار الأنوار: 25/203.].

ولقد احتار شيوخ الشيعة في توجيه مثل هذه الأدعية والتي تتنافى ومقرراتهم في العصمة.

ولقد نقل لنا أحدهم صورة لهذا التردد حول الحديث السابق فقال: "كنت أفكر في معناه وأقول: كيف يتنزل على ما تعتقده الشيعة من القول بالعصمة؟ وما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه" ثم يذكر بأنه توجه بالسؤال عن هذا إلى شيخهم رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاووس العلوي الحسني وذكر له هذا الإشكال، فقال ابن طاووس: "إنّ الوزير مؤيّد الدّين العلقمي سألني عنه فقلت: كان يقول هذا ليعلم النّاس"، ويبدو أن ابن العلقمي اقتنع بالجواب ولكن صاحب الإشكال استدرك على جواب ابن طاووس وقال: "إنّي فكّرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في سجدته في اللّيل وليس عنده من يعلّمه".

يقول: "ثم خطر ببالي جواب آخر وهو أنه كان يقول ذلك على سبيل التواضع".

ولكن لم يقنعه هذا الجواب.. واستقر جواب السائل على أن اشتغالهم بالمباحات من "المأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح يعدونه ذنبًا، ويعتقدونه خطيئة ويستغفرون الله منه". ويذكر أن هذا هو الجواب الذي لا شيء بعده ويتمنى حياة ابن العلقمي ليهديه إليه ويكشف حيرته به [بحار الأنوار: 25/203-205.].

وهذا الجواب الذي يرى أنه هو الكاشف لهذه المعضلة عندهم لا يتفق وشريعة الإسلام التي تنهى عن تحريم ما أحل الله وترفض الرهبانية {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف، آية: 32.].

وكيف يعد الأئمة هذه الأمور ذنوبًا، كيف يجعلون النكاح الذي هو من شرائع الإسلام ذنبًا يستغفرون الله منه، والله – سبحانه – يقول: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء، آية: 3.]. ويعتبرون الأكل والشرب معاصي والله يقول: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف، آية:160، طه، آية:81.].

ولكن الجواب الذي يكشف هذه المعضلة، ويتفق مع واقع الأئمة وشرائع الإسلام هو بطلان دعوى العصمة بالصورة التي تراها الشيعة وأن الأئمة ليسوا بمعصومين من الخطأ والعصيان، وهذا كما يتفق مع النصوص الشرعية ينسجم مع واقع الأئمة، وبه تتحقق إمكانية القدوة.

ولهذا فإن أنبياء الله – سبحانه – كانوا كسائر البشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.. ويسعون في نشر الدعوة، ويعانون من أذى قومهم، ومن تكاليف الجهاد، كل ذلك لتتحقق بهم القدوة، وليكونوا لمن بعدهم أسوة.

وأمر آخر يبطل دعوى العصمة ومن كتب الشيعة نفسها؛ ذلك هو الاختلاف والتّناقض حيال بعض المواقف والمسائل، وأعمال المعصومين لا تتناقض ولا تختلف بل يصدق بعضها بعضًا ويشهد بعضها لبعض.. والاختلاف ناقض للعصمة التي هي شرط للإمامة عندهم، وهو ناقض بالتالي لأصل الإمامة نفسها، ولذلك فإن ظاهرة الاختلاف في أعمال الأئمة كانت سببًا مباشرًا لخروج بعض الشيعة من نطاق التشيع حيث رابهم أمر هذا التناقض.

ومن أمثلة ذلك ما يذكره القمي والنوبختي من أنه بعد قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين، لأنه إن كان الذي فعله الحسن حقًا واجبًا صوابًا من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن وقوتهم - فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم، وكثرة أصحاب يزيد حتى قُتل وقُتل أصحابه جميعًا باطل غير واجب، لأن الحسين كان أعذر في القعود من محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في القعود عن محاربة معاوية، وإن كان ما فعله الحسين حقًا واجبًا صوابًا من مجاهدته يزيد حتى قتل ولده وأصحابه، فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه العدد الكثير باطل، فشكوا في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام" [القمي/ المقالات والفرق: ص25، النوبختي/ فرق الشيعة: ص25-26.].

أما الأمثلة على الاختلاف والتّناقض في أقوال الأئمّة فهو باب واسع، وكان هو الآخر من أسباب انصراف بعض الشيعة من التشيع، وقد شهد بذلك شيخ الطّائفة الطّوسي وقال بأنّ أخبارهم متناقضة متباينة مختلفة حتى لا يوجد خبر إلا بإزائه ما يضادّه، ولا رواية إلا ويوجد ما يخالفها، وعدّ ذلك من أعظم الطّعون على المذهب الشّيعي، ومن أسباب مفارقة بعض الشّيعة للمذهب [انظر: ص361 من هذه الرّسالة.].

وكتابا التهذيب والاستبصار – وهما المصدران المعتمدان من المصادر الأربعة عند الشيعة – يشهدان بهذا التناقض والاختلاف عبر رواياتهما الكثيرة، وقد حاول الطوسي درء هذا الاختلاف ومعالجة هذا التناقض بحمله على التقية فما أفلح إذ زاد الطين بلة.

وقد أوجد الشّيعة عقيدة التّقية والبداء لتغطية هذا الاختلاف في أخبار الأئمةّ وأعمالهم.. فاكتشف بعض الشيعة هذه المحاولة، وعرف سبب وضع هاتين العقيدتين، فترك التشيع وقال: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية [المقالات والفرق: ص78، فرق الشيعة: ص55-56، والقائل هو: سليمان بن جرير الذي تنسب له طائفة السليمانية من الزيدية.].

وتنقل كتب الشيعة أن الإمام في مجلس واحد وفي مسألة واحدة يجيب بثلاثة أجوبة مختلفة متباينة، ويحيل ذلك على التقية، أو على حرية الإمام في الفتوى وأن له أن يجيب على الزيادة والنقصان.

وقد ذهب رجل من الشيعة يدعى عمر بن رياح ليسأل إمامه، فلما أفتاه عاد إليه من قابل فسأله عن نفس المسألة فأفتاه بخلاف الجواب الأول فاستنكر ذلك وقال: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: (أي الإمام): إن جوابنا خرج على التقية، فتشكك في أمره وإمامته. ثم خرج من عنده ولقي أحد الشيعة (ويدعى محمد بن قيس) وقص عليه ما حدث وقال له: وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقوله في العمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبخيت – كذا – ولم يحفظ ما أجاب به في العام الامضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إمامًا من يفتي بالباطل [فرق الشيعة: ص59-61.].

وقد روى الكليني عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر – رضي الله عنه – قال (زرارة): "سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت صاحبيه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم" [أصول الكافي: 1/65.].

وأحيانًا يفتي في تفسير آية من كتاب الله بثلاثة أجوبة مختلفة متباينة، ويزعم أن هذا قد فوض إليه، يقولون فيه ما يشاؤون [انظر: أصول الكافي: 1/265-266.].

فأنت ترى اختلاف الجواب في مسألة واحدة وفي مجلس واحد، والاختلاف ينفي دعوى العصمة.. هذا بحسب المنطق الشيعي، وإلا فإن شيئًا من ذلك لم يحدث من أبي جعفر محمد الباقر، فدينه وعلمه وورعه ينفي أن يفتي في دين الله بالكذب خوفًا وتقية، ولكن هذه الرواية وأمثالها هي حيلة ممن اخترع عقيدة العصمة والغلو في الأئمة لستر الخلاف والتناقص الحاصل في روايتهم والتي هي في الغالب – أيضًا – من صنع أيديهم، فيحصل فيها من التناقض ما يليق بجهلهم.

ثم إن المعصوم الذي يدعون اتباعه لم يعصمهم من الخلاف في أصل الدين عندهم وأساسه وهو الإمامة؛ فتجدهم مختلفين متنابذين متلاعنين يكفر بعضهم بعضًا لاختلافهم في عدد الأئمة، وفي تحديد أعيانهم، وفي الوقف وانتظار عودة الإمام، أو المضي إلى إمام آخر.. هذا عدا الروايات المختلفة المتناقضة في الكثير من أمور الدين – أصوله وفروعه – فما منعت العصمة المزعومة أهل الطائفة من الاختلاف.. وعدم وجود أثرها يدل على انعدام أصلها.

هذا، وقد يكون مبدأ العصمة ورثته الشيعة عن المذهب المجوسي، ذلك أن المجوس تدعي في منتظرهم الذي ينتظرون وأصحابه أنهم لا يكذبون، ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة صغيرة ولا كبيرة [تثبيت دلائل النبوة: 1/179.].

وقد يقال بأن اعتقادهم في عصمة الأئمة أمر لا يؤثر اليوم لأن الأئمة قد انتهى وجودهم الفعلي منذ عام 260ه‍.. ولم يبق إلا الانتظار للغائب الموعود.

وأقول: إن هذه العقيدة لها آثارها اليوم في واقع الشيعة، ويتمثل ذلك في جوانب منها:

أولاً: علمهم بما يؤثر عن الأئمة الاثني عشر كما يعلم سائر المسلمين بالقرآن والسنة.

ثانيًا: غلوهم في قبورهم وأضرحتهم؛ فالغلو في عصمتهم إلى حد وصفهم بصفات الألوهية تحول إلى غلو في قبورهم ومشاهدهم فيطاف بها وتدعى من دون الله سبحانه.

ثالثًا: أن المجتهد الشيعي أصبح له شيء من هذه الصفة، فهم يرون أن الراد عليه كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله [سيأتي – إن شاء الله – ذكر بعض نصوصهم في ذلك في فصل الغيبة.]، وهذا من الخطورة بمكان؛ لأن آيات الشيعة اليوم هم الذين يقودون الحكم في دولة الشيعة.. فينفذ الشعب تعاليمهم على أنها من شرع الله، ولا يعترض عليهم خشية الوقوع في الشرك.

 


 

عقيدة عصمة الأئمة الاثنا عشر:

 

ذكر محمد بن يعقوب الكليني في "أصول الكافي" عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ما جاء به علي عليه السلام أخذ به وما نهى عنه انتهي عنه جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وسلم ولمحمد الفضل على جميع من خلق الله المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله.....وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدا بعد واحد جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها-حجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرا ما يقول أنا قسيم الله بين الجنة والنار أنا الفاروق الأكبر أنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب (1).

ونقل الكليني أيضا (قال الإمام جعفر الصادق: نحن خزان علم الله نحن تراجمة أمر الله نحن قوم معصومون-أمر الله تعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا ونحن حجة الله البالغة على من دون السماء وفوق الأرض) (2).

وذكر الكليني (سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (3).

ونقل الكليني في (باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة عليهم السلام واحدا فواحد) عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فيمن نزلت؟ فقال نزلت في الأمرة إن هذه جرت في ولد الحسين عليه السلام ومن بعده فنحن أولى بالأمر وبرسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين والمهاجرين والأنصار –قلت فولد جعفر لهم فيها نصيب؟ فقال: لا، قال فقلت: فلولد عباس فيها نصيب؟ قال: لا، فعددت عليه بطون بني عبدالمطلب، كل ذلك يقول: لا- ونسيت ولد الحسن عليه السلام، فدخلت بعد ذلك عليه فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ قال: لا، والله يا عبدالرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا (4).

باب فرض طاعة الأئمة:

عن أبي الصباح قال: أشهد أني سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: أشهد أن عليا إمام فرض الله طاعته وأن الحسن إمام فرض الله طاعته، وأن الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن علي بن الحسين إمام فرض الله طاعته، وأن محمد بن علي إمام فرض الله طاعته (5).

ونقل الكليني أيضا: قال الإمام محمد الباقر: إنما يأتي بالأمر من الله تعالى في ليالي القدر إلى النبي وإلى الأوصياء: افعل كذا وكذا الأمر قد كانوا علموه أمره كيف يعملون فيه (6).

إن الشيعة اخترعوا معنى الإمامة من عند أنفسهم حيث جعلوا الإمام معصوما مثل أنبياء الله وجعلوه عالما للغيب وأوردوا لتأييد أهدافهم هذه روايات موضوعة افتراء وكذبا والحق أن الإمام يكون بمعنى القدوة مطلقا، وهذا اللفظ يطلق على المؤمن والكافر-كقوله تعالى ((إني جاعلك للناس إماما)) وكقوله تعالى: ((ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)) وكقوله تعالى: ((فقاتلوا أئمة الكفر)) وقوله تعالى ((جعلناهم أئمة يدعون إلى النار)).

فهذه الكلمة لا تقتضي العصمة ولا علم الغيب ولا التصرف في الأمور وليس عندهم حجة شرعية تثبت لهم هذه الصفات التي أثبتوها للإمام، نعم إن كتاب الله أثبت المراتب الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ((من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)) فليس في هذه المراتب الأربعة منصب الإمامة الذي اخترعه الشيعة وجعلوه أساس مذهبهم مع أن عليا وآله رضي الله عنهم ينكرون بشدة كون الإمام بمعنى أنه (مفترض الطاعة أو المعصوم) فإنه لما أراد الناس بيعة علي رضي الله عنه بعد شهادة عثمان (وقالوا مد يدك نبايعك على خلافتك فقال: دعوني والتمسوا غيري وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا) (7).

وهذا منقول في نهج البلاغة وهو من مراجع الشيعة التي يعتمدون عليها.

فلو كانت إمامته من عند الله لما اعتذر هذه العذرة، فإن الإمامة المنصوصة من الله واجبة الإطاعة للإمام ولرعيته وهكذا فوض الحسن رضي الله عنه الإمامة لمعاوية رضي الله تعالى عنهما وبايع على يده وكذلك بايع الحسين على يد معاوية رضي الله عنهما (8).

فلو كان الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما إمامين منصوصين من الله تعالى لما بايعا معاوية رضي الله عنه ولما فوضا الأمر إليه.

وقال مأمون الرشيد لعلي رضا رحمه الله أني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك..فقال لست أفعل ذلك طائعا أبدا.

فهذا يدل أيضا على أن الإمام علي رضا رحمه الله تعالى لم يقبل الإمامة فهي ليست من الأمور المنصوصة المفترضة التي كفر الروافض والشيعة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بسببها كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.

وأما الصفات التي نعتقدها في رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي ثابتة بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فالقرآن يصرح ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)).

((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)).

((قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)).

((تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)).

((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)).

((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)).

((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)).

((ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)).

((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)).

وقد اتفقت الأمة أن محمدا صلى الله عليه وسلم أشرف خلق الله وأكرمهم. وأن له مكانة عليا لا يدانيه في صفاته وفضائله صلى الله عليه وسلم أحد من الخلق وهو معصوم ومطاع وهو خاتم النبيين وخلفاؤه صلى الله عليه وسلم يحذون حذوه ويتبعون آثاره ويقتدون به في كل صغيرة وكبيرة وأنهم

أصحاب ورع وفضيلة عظيمة ولكنهم لا يشتركون معه لا في العصمة ولا يساوونه في الفضل والكمال كما تفتري الشيعة في أئمتهم.

ـــــــــــ

(1) أصول الكافي كتاب الحجة ص117.

(2) المرجع السابق ص165.

(3) المرجع السابق.

(4) المرجع السابق ص177.

(5) المرجع السابق ص109.

(6) المرجع السابق ص154.

(7) نهج البلاغة الجزء الأول ص 183.

(8) معرفة أخبار الرجال (رجال الكشي) صفحة 72.




يقول محمد رضا المظهر في كتابه عقائد الإمامية ص 91 دار الصفوة – بيروت : "ونعتقد أن الإمام كالنبي، يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان".

ويقول أيضاً: "بل نعتقد أن أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم ومعصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه، ولا يجوز الرد عليهم، والرد عليهم كالراد على رسول الله، والراد على الرسول كالرد على الله تعالى".

ويقول الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية ص 91: "نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا يزال محفوظاً لهم، لأن الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم".

ويقول الإمام الأكبر محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها ص59 (الإمام يجب أن يكون معصوما كالنبي عن الخطأ والخطيئة).

ويقول عالمهم الزنجاني في كتابه عقائد الاثنى عشرية 2/157 الأعلمي – بيروت نقلا عن رئيس المحدثين (الصدوق) ما نصه: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة أنهم معصومون ومطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون لا صغيرا ًولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر".


عصمة الأئمة

ذكرت من قبل ما ذهب إليه الشيعة من القول بعصمة الأئمة ، فلا يخطئون عمداً ولا سهواً ولا نسياناً طوال حياتهم ، لافرق في ذلك بين سن الطفولة وسن النضج العقلى ، ولا يختص هذا بمرحلة الإمامة .

ومما استدلوا به قوله تعالى :- " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " .

قالوا : تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح ، لأن الله سبحانه وتعالى نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم ، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إما لنفسه وإما لغيره ، فإن قيل : إنما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه ، فإذا تاب لا يسمى ظالماً ، فيصح أن يناله ، فالجواب أن الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالماً . فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها . والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت ، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها ، فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد ([1][110]) .

ثم قالوا : إن الله سبحانه وتعالى عصم اثنين فلم يسجدا لصنم قط وهما : محمد بن عبد الله وعلى بن أبى طالب ، فلأحدهما  كانت الرسالة ، وللآخر كانت الإمامة ، أما الخلفاء الثلاثة فلم يعصموا ، وهم ظالمون ليسوا أهلاً للإمامة .

ونلاحظ هنا :

1. في تأويل الآية الكريمة ([2][111])" إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا " يحتمل جعله رسولاً ُيقتدي به ، لأن أهل الأديان، مع اختلافهم ، يدينون به ، ويقرون بنبوته . ويحتمل إماماً من الإمامة والخلافة ، أو الإمامة والاقتداء ، فيقتدي  به الصالحون . والعهد اختُلف في تأويله : فقيل الرسالة والوحي ، وقيل الإمامة ، وهو واضح من التأويل السابق ، ويؤيده عدة روايات . وعن  ابن عباس     قال : " لا ينال عهدي الظالمين " قال : ليس للظالمين عهد ، وإن عاهدته أنقضه ، وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حبان نحو ذلك. وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه  قال : ليس لظالم عهد . وقال عبدالرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة قال : لا ينال عهد في الآخرة الظالمين ، وأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش ، وكذا قال إبراهيم النخعى وعطاء والحسن وعكرمة . وقال الربيع بن أنس : عهد الله الذي عهد إلى عباده دينه ، يقول لا ينال الظالمين ، ألا ترى أنه قال :

" وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ  " ([3][112])

يقول : ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق ، وكذا روى عن أبى العالية وعطاء ومقاتل بن حيان ، وقال جويبر عن الضحاك : لاينال طاعتي عدو لي يعصيني ، ولا أنحلها إلا ولياً يطيعني . وروى عن على بن أبى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينال عهدي الظالمين " قال :  " لا طاعة إلا في المعروف . فالآية الكريمة إذا اختلف في تأويلها ، والقطع بأن المراد هو ما ذهب إليه الجعفرية من التأويل ينقصه الدليل ، ورد باقي الأدلة .

2. ولكن مع هذا فلا خلاف بأن الظالم لا يصلح لإمامة المسلمين ، قال الزمخشري : " وكيف يصلح لها من لايجوز حكمه وشهادته ، ولا تجب طاعته ، ولا يقبل خبره ، ولا يقدم للصلاة ؟ وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتى سراً بوجوب نصرة زيد بن على رضوان الله عليهما ، وحمل المال إليه ، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقى([4][113]) وأشباهه ، وقالت له امرأة : أشرت على بنى بالخروج مع إبراهيم ومحمد بنى عبد الله بن الحسن حتى قتل : فقال ليتنى مكان ابنك وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة ، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر : من استرعى الذئب ظلم "([5][114])

ا 3. لايمكن التسليم بأن غير المعصوم لابد أن يكون ظالماً ، أو أن غير الظالم لابد أن يكون معصوماً  ، فبين العصمة وعدم الظلم فرق شاسع ، فالمخطئ قبل التكليف ليس ظالماً ولا يحاسب بالاتفاق ، ومن ندر ارتكابه للصغائر وأتبعها بالتوبة والاستغفار لا يكون ظالماً ، أما الخطأ والنسيان فمما لايحاسب عليه كما قال صلى الله عليه وسلم : " وُضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ([6][115]). وكما يؤخذ من دراسة قوله تعالى :

"  رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا "  ([7][116])

4. في رفض الآلوسى لما ذهب إليه الشيعة قال : استدل بها بعض الشيعة على نفى إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله عنهم ، حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك ، وإن الشرك لظلم عظيم ، والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة ، وأجيب بأن ( غاية ما يلزم أن الظالم في حال الظلم لايناله ، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم ) ، ثم قال : " ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر ، أو ظالم في لغة وعرف وشرع ، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفى غيره مجاز ، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً بل حيث يكون متعارفاً وإلا لجاز صبى لشيخ ونائم لمستيقظ وغنى لفقير وجائع لشبعان وحى لميت وبالعكس ، وأيضاً لو اطرد ذلك يلزم من حاف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل سنين متطاولة أن يحنث ، ولا قائل به " ([8][117]) .

5. ليس من المقطوع به أن الإمام عليا لم يسجد لصنم قط ، ولم أجد أثراً صحيحاً يؤيد هذا ، ولكن يرجحه أن الإسلام أدركه وهو صبى ، وأنه تربى في بيت النبوة ، واقتدى بابن عمه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وتخلق بخلقه ، ولهذا كان أول من أسلم بعد خديجة رضي الله تعالى عنهما .

والذين لم يسجدوا للأصنام كثيرون كالصحابة الذين عاشوا في بيئة إسلامية في صغرهم فنشئوا على الإسلام ، ثم الذين ولدوا في هذه البيئة ، فلا اختصاص لأمير المؤمنين هنا .

6. العصمة من الخطأ كبيره وصغيره ، عمداً وسهواً ونسياناً من المولد إلى الممات أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية ، فلا يقبله العقل إلا بالدليل قطعى من النقل . وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عموماً فضلاً عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص ، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة حتى بالنسبة لخير البشر جميعاً الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة . وقد أثبتُّ هذا من قبل في بحثى الذي نلت به درجة الماجستير ([9][118]) ، وسيأتي الحديث عن العصمة في الفصل الخامس من هذا الجزء .

7. الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه ، والذين مدحهم القرآن الكريم في أكثر من موضع ، ويبين أنهم .

" كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " ([10][119])

كيف يستبيح مسلم لنفسه أن يصفهم بأنهم ظالمون ؟ وكيف يصدر هذا ممن يقول : الظلم اسم ذم ، ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله تعالى:

"أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" ([11][120])

وكيف يبين القرآن الكريم أنهم خير أمة أخرجت للناس ثم تؤول آية من آياته بأنهم ملعونون ؟

فعلى الجعفرية إذا أن يعيدوا النظر في تأويلهم ، وما بنوه على هذا التأويل.

والآية الكريمة على كل حال لا تدل على أن إمام المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون على بن أبى طالب و لا على إمامة أحد بعينه .


عصمة الأئمة

يرى الشيعة الاثنى عشرية وجوب عصمة الإمام " بحيث يحصل للمكلفين القطع بأنه حجة الله ، وأن قوله قول الله تعالى ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحكمه وجوب طاعته والتسليم له ، والرد إليه على جهة القطع. ([12][257])

وأهم أدلتهم على وجوب هذه العصمة ما يأتي :-

 

1.وجوب وجود الإمام لطف من الله سبحانه ، فبه يتم ارتفاع القبيح وفعل الواجب ، وفعل القبيح والإخلال بالواجب لا يكونان إلا ممن ليس بمعصوم ، فلابد على هذا من أن يكون الإمام معصوماً ، فهو مكان النبي ، متصف بكل صفاته إلا النبوة .

2.الإمام مقتدى به في جميع الشريعة ، فلو كان غير معصوم لم نأمن في بعض أفعاله مما يدعونا إليه أن يكون قبيحاً ، ويجب علينا موافقته من حيث وجب الاقتداء به ، ولا يجوز من الحكيم تعالى أن يوجب علينا الاقتداء بما هو قبيح ، فإذا لم يجز ذلك عليه تعالى دل على أن من أوجب علينا الاقتداء به لا يصدر منه فعل القبيح ولا يكون كذلك إلا المعصوم .

3.إذا ثبت لنا عصمته في الظاهر ، فلابد من عصمته في الباطن ، إذ لا يحسن من الحكيم تعالى أن يولى الإمامة ـ وهى منصب يقتضي التعظيم والتبجيل ـ من يجوز أن يكون مستحقا للعنة والبراءة في باطنه .

4.لابد أن يكون معصوما قبل حال الإمامة لأنه لو لم يكن كذلك لأدى إلى التنفير عنه، وعدم الاطمئنان إليه([13][258]) .

وهم يرون كذلك أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فيهما ما يؤيد اعتقادهم ، فكريمة قوله تعالى : " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمن تدبرها جـيدا([14][259]).

" ومن ذلك مثل قوله تعالى : " أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"

وجه الاستدلال العقلى من دليل الموعظة الحسنة أنه سبحانه أخبرهم بأن من يهدى إلى الحق أولى بالاتباع ، ومن فعل الذنب لا يكون هادياً إلى الحق حال معصيته ولا بفعله ، أما حال معصيته فلا يقبل منه ولا تؤثر موعظته في القلوب ، بل تنكر عليه ، وذلك موجب لخلاف دعوته إلى الحق ، وأما بفعله ففعله ذنب والذنب باطل يدعو إلى الباطل ، وأما في غير تلك الحال فالعقول تجوز عليه حالاً لمعصيته لما فيها من شائبة النفرة ، فلا يتم له هدايته إلى الحق ، ولو فرض أنها لا تجوز عليه حال الطاعة حال المعصية ، لم يستحق أحقية الاتباع المطلقة المستمرة التي هي مراد في الآية الشريفة ، ولو فرض الاستحقاق والحال هذه في الجملة ، أو بقول مطلق ، لم يكن في الاستحقاق للأتباع مثل إن لم يقع منه ذنب مطلقا ، فإذا كان الاتباع إنما هو للهداية للحق والصواب الموجبة للنجاة من عذاب الله وسخطه ، وجب في العقل اتباع من لم يجوز عليه العقل شيئاً من المعاصي بالقطع بحصول النجاة في اتباعه ، دون من وقع منه الذنب ، لعدم القطع بحصول النجاة في      اتباعه " ([15][260]) .

ومعنى هذا أن الإمام غير المعصوم عندما يعصى ويفعل الذنب لا يصلح للدعوة إلى الحق ، وفي غير حال المعصية لا يصلح كذلك ، لأن العقول تجوز وقوع المعصية منه . وإذا فرض أنها لا تجوز ذلك في حال طاعته فإن غير المعصوم ـ مع هذا ـ ليس أهلا لأن يتبع الاتباع المطلق المستمر .

وأما السنة الشريفة فهى ـ في رأيهم ـ مستفيضة في الدلالة على العصمة ، بل إنه " ما نشأ القول بعصمة الأئمة إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله " ([16][261]).

وهم يرون كذلك أن ما ورد في القرآن الكريم من العتابات المروية في حق الأنبياء عليهم السلام ليست مقصودة على ما هو المعروف عند سائر الناس ، " فإن المعروف عندهم أن الشخص إذا عاتب آخر ، والسيد إذا عاتب عبده ، فإنه في تلك الحال واجد عليه أو مريد لعقوبته ، لأجل مخالفته لما أمره به أو نهاه عنه ، لأنه عاص له ، قادم على مخالفة أمره ، وأما عتاب الله عز وجل فإنه ليس من هذا  القبيل ؛ لأن أنبياءه لا يقدمون على مخالفته ، وإن ما يقع منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ليس مما نهى الله عنه نهى تحريم ليقال كيف يرجحون داعي الطبيعة البشرية على داعي أمر الله وداعي الطبيعة البشرية النفس الأمارة بالسوء ، وداعي أمر الله هو العقل . وأصحاب العقول الكاملة لا يطيعون قرين الشيطان . وإنما هو نهى تنزيه وإرشاد " .

والنبي أو الولي " قد يقع منه خلاف الأولى لأنه ينافي الكمال ، ولا يستلزم النقصان ، لأنه بتلك الصفات الحميدة تام قائم في مقامه ومرتبته التي وضعه الله فيها ، فإذا وقع منه خلاف الأولى استوجب العقاب والذم من رب الأرباب لعلم ذلك الولي أنه مرجوح لا ينبغى له أن يفعله ، فإذا فعله مع علمه بذلك عرف من نفسه التقصير واستحقاق العتاب ، لأن الله سبحانه أقامه مقام القدس الذي هو محل الخلافة والسفارة المقتضى لأن يجرى على الحكمة التي هي مقتضى إرادة المولى سبحانه وفعله ، فإذا ورد عليه الذم والعتاب انكسر وأناب ، فاستحق بانكساره وذله واستغفاره وتوبته تلك الدرجة العالية " ([17][262]).

" فتلك العتابات والتوبيخات  دالة على عظم شأنهم ، وجلالة قدرهم عنده لعظيم اعتنائه عز وجل بهم ، فإنه قد يعاتبهم ويلومهم على ما ليس بذنب ، وإنما هو تكميل على تكميل ، وتنزيه لهم عن ملابسة مالا يليق بمقامهم عنده " ([18][263]).

ومن أمثلة ذلك قول الله عز وجل : " عَفَا اللّهُ عَنكَ "، فقالوا تفسيرا للعفو: " هذا يستعمل من لطيف المعاتبة ، وإن كان العتاب على فعل جائز مثل المراد في هذه الآية ، وليس للعفو متعلق إلا التلطف في العتاب " ([19][264]).

وقوله تعالى : " لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ "

خرجوا معنى الآية الكريمة على أنه " محمول على ترك الأولى كما تقدم " . وقيل : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك بشفاعتك ، وحسنت إضافة ذنوب أمته إليه للاتصال بينه وبينهم .

وعن الصادق رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال ما كان له ذنب ولا هم  بذنب ، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له ..

وفي رواية ابن طاووس عنهم عليهم السلام أن المراد : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر عند أهل مكة وقريش ، يعنى ما تقدم قبل الهجرة وبعدها ، فإنك إذا فتحت مكة بغير قتل لهم ولا استيصال ، ولا أخذهم بما قدموه من العداوة والقتال ، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنبا لك عندهم متقدماً أو متأخراً ، وما كان يظهر من عداوته لهم في مقابلة عداوتهم له . فلما رأوه قد تحكم وتمكن ، وما استقصى ، غفروا ما ظنوه من الذنوب ، ونقل أنه صلى الله عليه وسلم وآله حين كسر الأصنام قالوا: ما كان أحد أعظم ذنباً من محمد ، كسر ثلثمائة وستين إلهاً ، فقال تعالى :" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ " من عبادتها " وَمَا تَأَخَّرَ"بكسرك إياها ، تهكما بهم واستهزاء ([20][265]).

وفي واقعة آدم رضي الله عنه " لا يقال إنه عصى من حيث هو معصوم ـ كما هو حال ما نحن بصدده ـ بل إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة ليتم مقادير الله عز وجل " ([21][266]).

وتفسير العصيان بأنه راجع إلى ترك الأولى ، وهو ليس بذنب في الحقيقة . نعم يسمى معصية وذنباً وسيئة إذا صدر من أصحاب المراتب العالية في القرب من الله عز وجل كالنبيين ، ولهذا ورد : حسنات الأبرار سيئات المقربين([22][267]).

وفي قصة داود رووا عن الرضا أنه قال : " إن داود رضي الله عنه إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه ، فبعث الله عز وجل إليه ملكين فتسورا المحراب . فقالا له : خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة ، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب . فعجل داود رضي الله عنه على المدعى عليه فقال : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، ولم يسأل المدعى البينة على ذلك ، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له : ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة رسم حكم " ([23][268]).

هذا هو رأي الإمامية في مسألة العصمة ، والذي دفعهم إلى كل هذا نظرتهم إلى الإمام على أنه مكان النبي تماما بفارق واحد هو مسألة النبوة ! فلولا وجود الإمام لضلت الأمة ، وهذا الذي يعصم الأمة من الضلال لابد أن يكون معصوماً .

وإن كان هؤلاء الغلاة يقصدون أئمتهم على وجه الخصوص دون غيرهم من سائر أئمة المسلمين ، فإن أي إمام من الأئمة في الإسلام كائنا من كان منفذ للشرع وليس مشرعا ، والذي يعصم الأمة الإسلامية من الضلال هو القرآن الكريم الذي تعهد الله سبحانه بحفظه " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ([24][269]) ثم من بعد ذلك السنة النبوية الشريفة . وما تحتاج إليه الأمة ولا تجده في هذين المصدرين ، فإنها تعمل عقلها وتجتهر فيما يعرض لها ، فإنها لا تجمع على ضلالة بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم ([25][270]) ، وهى التي تعصم الإمام من الخطأ ، فالإمام فرد يخطئ ويصيب كسائر البشر من لدن آدم عليه السلام ، أما الأمة فهى أحقٍ بأن تصيب .

وعندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن ، فوضه في أن يجتهد بعد الرجوع إلى الكتاب والسنة ، ومعاذ ليس معصوماً ، فلو وجبت العصمة للإمام لوجبت هنا لنفس الأدلة التي ساقوها : من فعل القبيح وترك الواجب ، واتباع الناس له ، إلى غير ذلك .

ولو وجبت العصمة للإمام ، لوجب نصب إمام معصوم لكل بلد ، لأن الإمام الواحد لا يكفي ، ولوجب استمرار وجود هؤلاء الأئمة المعصومين في كل زمان ومكان وهذا ـ كما يسلم الجميع ـ لم يحدث .

فاللطف من الله سبحانه إذا ليس في وجود الإمام المعصوم ، وإنما في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنزال القرآن الكريم وحفظه لهداية الناس  .

 

ونحن إذا تمسكنا بالقرآن الكريم ، وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلن نضل أبدا كما قال نبينا صلوات الله عليه في حجة الوداع : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا . كتاب الله وسنة نبيه ([26][271]).

ويقول تعالى في سورة النساء :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"

( فلم يقل : وأطيعوا أولى الأمر ، ليبين أن طاعتهم فيما كان طاعة للرسول أيضا ، إذ اندراج طاعة الرسول في طاعة الله أمر معلوم ، فلم يكن تكرير لفظ الطاعة مؤذنا بالفرق ، بخلاف ما لو قيل : أطيعوا الرسول وأطيعوا أولى الأمر منكم ، فإنه قد يوهم طاعة كل منهما على حياله .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال " إنما الطاعة في المعروف " ، وقال : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ، وقال : " على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا  طاعة " .

ولهذا قال سبحانه بعد ذلك : " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"

فلم يأمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله والرسول دون الرد إلى أولى الأمر ... ولو كان غير الرسول معصوماً أو محفوظاً فيما يأمر به ويخبر به لكان ممن يرد إليه مواقع النزاع ([27][272]).

فإذا أمر الإمام بالقبيح فليس على الأمة أن تطيعه وتقتدى به ؛ لأن ذلك لا يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله ، ولا يعقل أن أمة لا تستطيع أن تميز القبيح من غير القبيح ، في حين يستطيع ذلك الإمام وحده حتى لو كان طفلا !

قال ابن تيمية ([28][273])، معقبا على القول بعصمة الإمام الثانى عشر : أجمع أهل العلم بالشريعة على ما دل عليه الكتاب والسنة : أن هذا لو كان موجودا لكان من أطفال المسلمين الذين يجب الحجر عليهم في أنفسهم وأموالهم حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد ، كما قال تعالى : ([29][274])" وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ "

وليس في القرآن الكريم ، ولا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذه العصمة.

فقوله تعالى : ([30][275])" قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "

ليس فيه معنى العصمة ، فهناك فرق كبير بين الظلم وعدم العصمة ، فغير المعصوم إذا أخطأ فلم يصر على هذا الخطأ وتاب وأناب إلى الله تعالى فليس بظالم. ثم أين هذا من السهو والنسيان الذي لا يحاسب عليه الإنسان ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ؟ ([31][276]) وقوله تعالى ([32][277])" أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى "

جزء من آية كريمة جاءت في سياق الاستدلال على إبطال دعوى المشركين فيما أشركوا بالله غيره ، وعبدوا من الأصنـام والأنداد . قال تعالى: ([33][278]) "  قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"

فالله سبحانه يهدى للحق وهو أحق أن يتبع ، والمشركون ضالون فيما أشركوا بالله ، فأين وجوب العصمة للإمام هنا ؟!

وبصفه عامة كل من يدعو للحق أحق أن يتبع سواء أكان إماماً أم غير إمام ، ومن دعا إلى الضلال أحق ألا يتبع .

ويقول تعالى في سورة السجدة : ([34][279]) "  وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ "

فإذا كانت العصمة واجبة للأئمة ، فهل هؤلاء جميعا ـ الذين ذكرتهم الآية الكريمة ـ معصومون ؟!

إن القرآن الكريم يبين أن لا عصمة لبشر ، فهذا آدم رضي الله عنه أبو البشر قد عصى ربه فغوى كما يبين القرآن الكريم ، قال تعالى : ([35][280])" وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"

وفي سورة الأعراف : ([36][281]). " فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"

وفي سورة طه ([37][282]) : " فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى"

فهذه الآيات الكريمة تذكر أن آدم رضي الله عنه قد أطاع الشيطان وعصى الله تعالى فغوى ، وظلم نفسه . فلو كان معصوماً كالعصمة  التي تدعى للأئمة ما فعل ذلك .

وكونه " إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة " ([38][283]) يمكن أن يقال مثله عن أي إنسان ، فكل إنسان معصوم إذن . وإنما يخطئ عندما يصرف عنه وجه العصمة ! وليس الأمر كذلك ! وإذا لم يكن ذلك ذنبا من آدم ـ كما قيل ـ فلم حاسبه الله تعالى وعاقبه ثم تاب عليه وهداه ؟ ولم عد ذلك الذي فعله ظلماً وخسراناً وغياً ؟

يقول ابن تيمية : " من زعم أن الله ذم أحدا من البشر أو عاقبه على ما  فعله ، ولم يكن ذلك ذنبا ، فقد قدح فيما أخبر الله به وما وجب له من حكمته  وعدله " . ([39][284])

ويقول فخر الدين الرازى ـ وهو يدافع عن مبدأ عصمة الأنبياء ـ إن ما نسب لآدم رضي الله عنه كان قبل النبوة . وأورد رأي أولئك الذين لم يجوزوا صدور المعصية عن الأنبياء قبل النبوة ولكنه لم يستطع أن يسلم بهذا الرأي ، وانتهى    إلى قوله بلزوم أن يكون اطلاق لفظ العصيان على آدم إنما كان لكونه تاركا للواجب ([40][285]) .

إن تلك الآيات الكريمة واضحة الدلالة في عدم العصمة ، ويزيد ذلك وضوحا لا لبس فيه قول الله تعالى :

" وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "([41][286])

فقتل موسى للرجل ، واعتبار ذلك من عمل الشيطان ، واعترافه بظلم نفسه، وطلبه المغفرة من الله تعالى ، واستجابة الله له ، كل هذا لا تتحقق معه عصمة.

وفي أكثر من موضع في القرآن الكريم لم يقر الرسول صلى الله عليه وسلم على أخطاء وقع فيها .

ففي سورة الأنفال : ([42][287])

" مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"

وفي سورة التوبة : ([43][288]) " لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ"

وفي سورة الأحزاب ([44][289]) "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ "

وفي سورة عبس : ([45][290]) "عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى "

وفي آيات كريمة أخرى ذكر أن له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذنوباً : قال تعالى : ([46][291]) "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ"

وقال عز وجل : ([47][292]) "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ"

وقال سبحانه : ([48][293]) " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا"

وقال تعالى : ([49][294]) "  وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ"

وتخريج هذه الآيات الكريمة على أنها من باب ترك الأولى لا يتفق مع دعوى العصمة المطلقة .

وما روى عن الصادق في الآية الثانية من سورة الفتح أنه قال : " ما كان له ذنب ولا هم بذنب ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له " . ([50][295]) يعد مبدأ خطيرا يتنافي مع مبادئ الإسلام كلية ، فأين هذا من قوله تعالى : ([51][296])

"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"

 

ومن قوله سبحانه : ([52][297]) " فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"

فالقرآن الكريم إذن ينفي وجوب هذه العصمة المطلقة لخير البشر أجمعين وهم الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم ، وإنما عصمتهم مقيدة محددة ، فمثلا " اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه ، فلا يقرون على سهو فيه ، وبهذا يحصل المقصود من البعثة " . ([53][298])

قال الإمام فخر الدين الرازى بعد نقل الآراء المختلفة في القول بعصمة الأنبياء : " والذى نقول :

إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد . أما على سبيل السهو فهو جائز . ([54][299])

فالرازى وقد كتب رسالته ـ كما يقول ([55][300]) ـ في النضح عن رسل الله وأنبيائه والذب عن خلاصة خلقه وأتقيائه ، لم يدع لهم عصمة كتلك  التي ادعيت للأئمة .

وبالطبع لا يمكن أن تتعارض السنة الشريفة مع هذا المبدأ . لكن الإمامية يستدلون على عصمة الأئمة بكثير من الأحاديث ، بعضها صحيح وبعضها لا يمكن الأخذ به ، وقد رأينا فيما سبق نظرة الشيعة إلى الإمام ونحن لا يمكن بحال أن نأخذ بها ، فهى ترفعه فوق الأنبياء والبشر جميعا !

فما وجه الاستدلال في الأحاديث الصحيحة  التي استدلوا بها ؟

من الأحاديث  التي استدلوا بها قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلى : " أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى " .   وقوله صلى الله عليه وسلم : " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله  ورسوله " ثم أعطاها علياً .

وهذا الحديثان الشريفان ورد معناهما في البخاري ومسلم .([56][301])

أما الحديث الأول فقد ذكر مسلم بإسناده عن سعد بن أبى وقاص قال : " خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب في غزوة تبوك ، فقال : يا رسول الله تخلفنى في النساء والصبيان ، فقال : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير انه لا نبي من بعدى " .

فالإمام على كرم الله وجهه يشبه هارون رضي الله عنه في الاستخلاف ([57][302])، وقد استخلف غيره أيضا . وهذا الحديثان الشريفان يبينان مكانة ! على رضي الله عنه ، وما أسماها من مكانة ولكنهما لو كانا يوجبان عصمة لوجبت لكل الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ، فكلهم يحبون الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويحبهم الله عز وجل ، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولوجبت العصمة كذلك لكل من استخلف على المدينة ، فهم جميعا بمنزلة هارون من موسى في الاستخلاف ، ولوجبت أيضا لكثيرين غير من ادعيت لهم ، مثال ذلك ما جاء في حق أبى بكر الصديق رضي الله عنه من الأحاديث الصحيحة .

روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أمن     الناس على في صحبته ، وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربى لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته . لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر " ([58][303]) .

وأكثر من هذا صراحة ما روياه أيضاً بإسنادهما أن أمرأة أتت النبيصلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه . قالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول الموت . قال عليه الصلاة والسلام  : إن لم تجدينى فأتى أبا بكر " ([59][304]) .

وبمنطق الشيعة نقول : إذا جاءت المرأة ولم تجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنها مأمورة بأن تسأل أبا بكر ، وتتبعه فيما يقوله لها ، فإذا لم يكن معصوماً فربما دلها على قبيح فتتابعه عليه ، وهذا غير جائز فلابد إذن أن يكون معصوماً ! أظن هذا أكثر منطقية واستدلالاً من استدلال الإمامية ، ولكن أحدا لم يقل به ، لأن أبا بكر - رضي الله عنه - بشر كسائر البشر ، يصيب ويخطئ ، والمرأة مأمورة بأن تتبعه فيما يوافق كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وأبو بكر - كغيره - منفذ للشرع وليس مشرعاً . وغير هذا كثير فيما ورد عن فضائل الصحابة رضوان الله عليهم ([60][305]).

نخرج من كل هذا إلى أن عصمة الأنبياء ليست مطلقة ، فهم بشر معرضون للخطأ والسهو والنسيان ، ولكنهم – عليهم السلام - لا يقرون على هذا الخطأ " بل لابد من التوبة والبيان ، والاقتداء إنما يكون بما استقر عليه الأمر ، فأما المنسوخ ، والمنهى عنه ، والمتوب عنه ، فلا قدوة فيه بالاتفاق ، فإذا كانت الأقوال المنسوخة لا قدوة فيها ، فالأفعال التي لم يقر عليها أولى بذلك" ([61][306]) أما باقي البشر فهى أدنى من هذا بكثير جداً .

ودعوى العصمة للأئمة ليس لها سند من الشريعة والعقل ، فإنها ترفعهم فوق مستوى الأنبياء عليهم السلام . ولا نقول إن الأئمة جميعاً لا يصلون إلى درجة الأنبياء ، فهذا مسلم به ، وإنما نقول : إن جميع الأئمة ليس فيهم من يصل إلى منزلة الصديق والفاروق رضي الله عنهما باعتراف الإمام على نفسه كرم الله وجهه، فقد روى الإمام البخاري رضي الله عنه بسنده عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال : " قلت لأبى : أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر " . ([62][307])

قال ابن تيمية : " قد روى هذا عن على من نحو ثمانين طريقاً ، وهو متواتر عنه " ([63][308]).

والواقع العملي للأئمة يتنافى مع هذه العصمة ، مثال ذلك أن الحسن رضي الله عنه هادن مع كثرة أنصاره ، والحسين رضي الله عنه حارب مع قلة من أنصاره ([64][309]). فلو كان أحدهما مصيباً ، كان الآخر مخطئاً ، أي غير معصوم ، ولا يمكن أن يكون الاثنان مصيبين . فلعل في هذا كله ما يكفى لدحض دعوى      العصمة ، والله سبحانه يهدينا سواء السبيل .


العصمة:

الجديد في هذه المسألة عند المعاصرين هو أخذهم برأي المتأخرين من الشيعة في دعوى العصمة المطلقة للأئمة، والذي يمثل نهاية الغلو والشطط حيث إن هؤلاء يزعمون أن الأئمة لا يسهون ولا ينسون.

وهذا المذهب كان في نظر الشيعة في القرن الرابع بمثل الاتجاه الغالي المتطرف حتى اعتبر شيخهم ابن بابويه القمي - صاحب من لا يحضره الفقيه أحد أصولهم الأربعة المعتمدة - اعتبر علامة الغلو في التشيع هو نفي السهو عن الأئمة. وقال: "إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وسلم.." [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 1/234.].

ومن ينكر سهو الأئمة أغرق في الغلو والتطرف.

وأقر شيخهم المجلسي "بدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو منهم" [بحار الأنوار: 25/351.]. ولكن متأخريهم لم يبالوا بذلك وأطبقوا على مخالفته باعتقاد أن الأئمة لا يسهون، ولهذا رأى المجلسي أن هذه "المسألة في غاية الإشكال" [بحار الأنوار: 25/351.]، لأن أصحابه أطبقوا على مخالفة أخبارهم الكثيرة [بحار الأنوار: 25/351.].

وقد سار المعاصرون على خطى المتأخرين مخالفين لأخبار الشيعة نفسها، وما قاله كبار شيوخهم، فهذا شيخ الشيعة المعاصر ومن يلقب عندهم بـ"الآية العظمى" (عبد الله الممقاني) يؤكد أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضرورات المذهب الشيعي" [الممقاني/ تنقيح المقال: 3/240.]. وهو لا ينكر أن من شيوخهم السابقين من يعتبر ذلك غلواً، لكنه يقول: "إن ما يعتبر غلواً في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب" [الممقاني/ تنقيح المقال: 3/240.].

وهذه المقالة: أن الأئمة لا يسهون - يتكرر التأكيد عليها في أقوال شيوخهم المعاصرين؛ فالمظفر يعتبرها من عقائد الإمامية الثابتة، ولا يذكر أدنى خلاف بينهم في ذلك [عقائد الإمامية: ص95.]، والخنيزي وهو يكتب كتابه في "الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنة والإمامية" يؤكد على هذه المقالة ولا يتقي في ذلك [الخنيزي/ الدعوة الإسلامية: 1/92.]، والخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" ينفي مجرد تصور السهو في أئمته [الحكومة الإسلامية: ص91.].

وإذا كانت دعوى عصمة الأئمة تعني الارتفاع بالأئمة إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والفعل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3-4]. فإن دعوى أن الأئمة لا يسهون أولا يتصور فيهم السهو هو تأليه لهم.

ولهذا قال شيخهم ابن بابويه: إن الله سبحانه أسهى نبيه "ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه" [من لا يحضره الفقيه: 1/234.].

وكان ابن بابويه وغيره من شيعة القرن الرابع يعتبرون الرد لهذه الروايات (روايات سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته) يفضي إلى إبطال الدين والشريعة. يقول ابن بوبايه: "ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن ترد جميع الأخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة، وأنا احتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله والرد على منكريه إن شاء الله تعالى" [بحار الأنوار: 17/111.].

ولكن الزمرة المتأخرة والمعاصرة لم تبال بما قاله ابن بابويه، كما لم تبال في قوله برد أسطورتهم في التحريف، ولم تراع أي قول يخالف ما تواضع عليه شيوخ الدولة الصفوية.

لقد عد الشيعة المعاصرون على لسان شيخهم "الممقاني" نفس السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي - كما مر -.

وقد قرر شيخهم محسن الأمين أن منكر ما هو ضروري في التشيع كافر عندهم [محسن الأمين/ كشف الارتياب، المقدمة الثانية، وهو أيضاً مقرر عندهم في: مهذب الأحكام: 1/388-393.].

ومعنى هذا أن متأخريهم يكفرون متقدميهم لإنكارهم ما هو من ضروريات مذهب التشيع، ومتقدموهم يلعنون متأخريهم لأخذهم بمذهب الغلاة المفوضة الملعونين على لسان الأئمة.

وليس ذلك فحسب؛ بل إننا نجد في الكتابات الموجهة لديار السنة [وهي كتابات محمد جواد مغنية التي نرى فيها التحرر من بعض غلو الشيعة وتعصباتهم.. وهي تنشر في ديار السنة فاحتمال التقية فيها وارد.] القول بأن الاعتقاد بأن الأئمة يسهون هو مذهب جميع الشيعة [محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: ص272-273.]، ونرى في كتابات شيعية معاصرة أخرى نقل إجماع الشيعة على نفي السهو عنهم [محمد آصف المحسني/ صراط الحق: 3/121.].. وأن ذلك من ضرورات مذهب التشيع [كما سبق نقله عن الممقاني في تنقيح المقال.].

فمن نصدق، ومن هو الذي يعبر عن مذهب الشيعة؟

وهكذا يكفر بعضهم بعضاً وينقض بعضهم بعضاً، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الطائفة.


هل الانبياء و الرسل معصومين مقال للدكتور كامل النجار


هل الأنبياء والرسل معصومون ؟

كتابات - د. كامل النجار

من المسلّم به أن الإنسان منذ بداية التاريخ أخذ يُعظّم ويقدس كل معبوداته من أسلاف وأصنام وحيوانات معينة مثل البقرة عند الهنود وما شابه ذلك، وأمتد التقديس إلى كل شئ يرتبط بالمعبود من أماكن العبادة التي ظلت محرّمة على الأنثى الحائض، إلى الأيام أو الشهور التي يحج فيها الناس إلى معبوداتهم. وقد قدس عرب ما قبل الإسلام أصنامهم وحتى بعض الأشجار مثل " ذات أنواط" وكذلك الكعبة التي كانوا يحتفظون فيها بأصنامهم. ثم جاءت الأديان التوحيدية فجعلت التقديس لله وحده، ولكن مع مرور الوقت امتد التقديس لأماكن العبادة من أديرة وكنائس ومساجد وحتى قبور الأولياء أصبحت مقدسة. ولأن الأديان التوحيدية منعت عبادة الأشخاص ولم تسمح للشخص العادي الذي كان يرى أن النبي أو الرسول أعظم منه بدرجات لأن الله قد اختاره لتبليغ الرسالة ولأن الله يخاطبه مباشرة، كما فعل مع موسى أو عن طريق الوحي، كان لا بد للشخص العادي المؤمن من إسباغ صفات مميزة على النبي أو الرسول حتى يكون مختلفاً عنه، فجادت قريحة الإنسان، وخاصةً المسلم، بفكرة العصمة للأنبياء والرسل. ولكن هل تنسجم هذه العصمة مع تعاليم الإسلام أولاً ومع العقل ثانياً ؟ فنحن نعلم أن الأنبياء بشر خلقهم الله، وكان أول الخلق آدم، كما تقول الأديان السماوية. ويعتقد المسلمون أن آدم كان أول نبي بعثه الله. فهل كان آدم معصوماً من الخطأ ؟ والجواب قطعاً بالنفي لأن الله قد منع آدم من الأكل من الشجرة المحرمة، فعصى آدم ربه وأكل منها، وبذلك يكون أول من أخطأ، والمخطئ ليس بمعصومٍ، وإن أحببنا أن نسبغ عليه هذه الصفة. وليس بمقدورنا الحديث بالتفصيل عن الأنبياء اليهود إذ أن التاريخ اليهودي لم يُتحفنا بتفاصيل حياة الأنبياء حتى نستطيع أن نُحصي أخطاءهم، ولا بد أنهم أخطأوا، ولكنه أتحفنا بتفاصيل عديدة عن النواحي الشخصية في حياة داود وسليمان الذين كانا بمثابة الملوك لبني إسرائيل رغم أن الإسلام يعتبرهما نبيين. وحياتهما الشخصية كانت مليئة بالأخطاء، كما تخبرنا الكتب اليهودية. ويختلف عن ذلك كُتّاب السيرة النبوية الذين أتحفونا بعدة تفاصيل عن حياة الرسول محمد بن عبد الله (ص). فهل كان معصوماً ؟

ليس هناك خلاف بين المسلمين أن الرسول بشرٌ مثلنا، " وما أنا إلا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ ". وكذلك " أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون ( الأعراف 63). فما دام الرسول رجلاً منا فلا بد أنه يمتلك كل صفات البشر من فرح وحزن وغضب ونسيان وما إلى ذلك. ونحن ن