كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

نقد عقيدة العصمة

فيصل نور

مُوجز لدراسة مستفيضة في عصمة الأنبياء والأئمة عند الشيعة أنوي القيام بها إن شاء الله إن كان في العمر بقية .

 

المحتويات

- عقيدة الشيعة في العصمة

- بيان معنى الرجس

-  روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام

- روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

-  روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأئمة

-  روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الملائكة عليهم السلام

 

عقيدة الشيعة في العصمة

 

لنشرع الآن في الكلام في العصمة، ولكن قبل ذلك دعنا نبين عقيدة القوم في العصمة:

 

يقول الصدوق: ان جميع الانبياء والرسل والأئمة افضل من الملائكة وانهم مطهرون من كل دنس ورجس لا يهمون بذنب صغير ولا كبير ولا يرتكبونه [1][1] .

 

ويقول: اعتقادنا في الانبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وانهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى عنهم العصمة في شييء من احوالهم فقد جهلهم .

 

واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من اوائل امورهم إلى اواخرها لا يوصفون في شييء من احوالهم بنقص ولا جهل [2][2]

 

ويقول علم الهدي: لا يجوز عليهم شييء من المعاصي والذنوب كبيرا كان او صغيرا لا قبل النبوة ولا بعدها [3][3] .

 

ويقول المفيد: الانبياء والأئمة صلوات الله عليهم من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر كلها [4][4] .

 

ويقول المجلسي: الإمامية اجمعوا علي عصمة الانبياء والأئمة من الذنوب الصغيره والكبيرة عمدا وخطأ ونسيانا قبل النبوة والإمامة وبعدها، بل من وقت ولادتهم إلى ان يلقوا الله سبحانه [5][5] .

 

وعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية [6][6] .

 

ويقول: اعلم ان الإمامية y اتفقوا علي عصمة الأئمة من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب اصلا لا عمدا ولا نسيانا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه [7][7] .

 

ويقول المظفر: ونعتقد ان الإمام كالنبي يجب ان يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدا وسهوا، كما يجب ان يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان [8][8] .

 

وعلى هذا القول سائر الإمامية مما يغنينا عن ذكرها جميعا .

 

بيان معنى الرجس

 

وقد رد علي ذلك من وجوة عقلية كثيرة، ليس هذا الكتاب مكان ذكرها، ولكننا سنقتصر علي ايراد النصوص الدالة علي خلاف هذا القول فهو ابلغ في المقصود كما سترى، ونبدأ قبل ذلك بايراد معني الرجس الذي في الآية موضوع حديثنا فنقول:

وردت كلمة الرجس في القرآن في مواضع عدة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة90 .

وقوله: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ  – الانعام 125 .

وقوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام145.

وقوله: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ }الأعراف71.

وقوله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }التوبة95

وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ }التوبة125 .

وقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }يونس100 .

وقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ  – الحج 30 .

وليس فيما أوردناه من الآيات دليل علي حمل مفهوم الرجس علي الدلالة الموجبة للعصمة كما يدعيها القوم في آية التطهير .

ويؤيد ذلك ايضا روايات ذكرها القوم عن الأئمة في ذلك منها:

قول الصادق في قول الله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، الآية، قال: الرجس هو الشك [9][9] .

وقول الباقر: الرجس هو الشك والله لا نشك في ربنا - وفي رواية في ديننا - وفي أخرى في الله الحق ودينه - أبدا[10][10].

وقول الصادق في قوله تعالى: كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون، قال: هو الشك [11][11] .

فهل ترى في هذه الروايات او تلك الآيات ما يستوجب القول بالعصمه التي يراها القوم لأئمتهم . لا شك ان القوم سيأبون هذا التأويل .

لذا لا نرى بدا من ان نورد عليهم ما ينافي تلك العصمه المزعومة، ففيها غناء عن كل كلام وترفع عن اي خصام، ولك بعدها ان تحكم بنفسك.

 

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام

 

نبدأ كلامنا بذكر بعض ما أورده القوم ويتعلق بشأن الانبياء عليهم السلام، ونبدأ بذكر آدم علي نبينا وعليه افضل الصلاة والتسليم :

ففي قول الله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى - طه 121 .

روى القوم عن الصادق أنه قال: كان لسان آدم العربية، فلما عصي ربه ابدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث، وبلسان العربية السريانية [12][12] .

وعنه ايضا قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس ياتون إلى آدم فيقولون: أنت أبونا وانت نبي فسل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم خلقني ربي بيده وحملني علي عرشه واسجد لي ملائكته ثم أمرني فعصيته [13][13] .

 

وذكروا في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه - البقرة 37، عن الصادق قال: ان آدم عليه السلام نظر إلى ارواح الأئمة ومنزلتهم في الجنة فحسدهم وتمني منزلتهم [14][14].

 

وفي رواية: لما اسكن الله تبارك وتعالى آدم الجنة مثل له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة باوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده واقر بالولاية ودعا بحق الخمسة: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر الله له، وذلك قوله: فتلقي آدم من ربه كلمات ، الآية [15][15]

 

وكذلك ارجع الي القول في الآيات الأخرى التي نزلت في شأنه وحواء عليهما السلام، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ }الأعراف189

 

وقوله تعالى: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ  - الاعراف 22

 

ومنها سهوه ونسيانه، فقد روي عن الباقر ان آدم قد وهب ثلاثين سنة من عمره لداود عليه السلام لما راي قصر عمره، فلما مضى عمر آدم عليه السلام هبط ملك الموت لقبض روحه فقال له ادم: يا ملك الموت أنه بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم الم تجعلها لابنك داود النبي  عليه السلام وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الانبياء من ذريتك وعرضت عليك اعمارهم، فقال آدم عليه السلام : ما اذكر هذا، فقال له ملك الموت: يا آدم لا تجحد، الم تسال الله تعالى ان يثبتها لداود ويمحوها من عمرك فاثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر؟ قال آدم  عليه السلام: حتى اعلم ذلك ، قال الباقر: وكان آدم صادقا لم يذكر ولم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالي العباد ان يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى اجل مسمي لنسيان آدم وجحوده ما جعل علي نفسه [16][16] .

 

وفي نوح  عليه السلام رووا عن الصادق أنه قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس يأتون آدم  عليه السلام فيدلهم علي نوح عليه السلام  فيقولون: سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم إني قلت: ان إبني من أهلي [17][17]

اشارة الي قوله تعالى: ونادى نوح ربه فقال رب إن إبني من أهلي وأن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلني ماليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين، 00الى قوله: رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم والا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين - هود 45-46 .

 

وهذا إبراهيم عليه السلام  ذكروا في قوله تعالى: فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، عن الصادق أنه قال في قصة حشر الناس يوم القيامة ومجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام للشفاعة فيقول: لست بصاحبكم إني قلت: إني سقيم [18][18] .

 

ورووا عنه ايضا: ان عرفات سميت بعرفات لإعتراف إبراهيم عليه السلام بذنبه [19][19] .

 

وعنه ايضا: ان ملك الموت اتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت [20][20]  .

 

وللمزيد في شأن إبراهيم عليه السلام راجع الكلام في قوله تعالى: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما افلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون - الانعام 76 – 78 .

 

وقوله: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فأسئلوهم إن كانوا ينطقون - الانبياء 63 .

 

وقوله: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي - البقرة 260 .

 

وقوله تعالى: وما كان إستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم - التوبة 114 .

 

وقال تعالى: يجادلنا في قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك - هود 74-76 .

 

ورووا في قصة يوسف واخوته وقوله تعالى: قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ،الآية، ان يعقوب عليه السلام بعث بمكتوب إلى عزيز مصر يساله ان يخلي سبيله، فنزل جبرئيل علي يعقوب فقال له: يا يعقوب ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟ قال يعقوب: بلوتني بها عقوبة منك وأدبا، قال الله: فهل كان يقدر علي صرفها عنك احد غيري؟ قال يعقوب: اللهم لا، قال: فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بك الى؟ فقال يعقوب: استغفرك يا الهي واتوب اليك واشكو بثي وحزني اليك، فقال الله تبارك وتعالى: قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين العناية في ادبي، ولو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك إلى عند نزولها بك واستغفرت وتبت إلى من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري اياها ولكن الشيطان انساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي[21][21].

 

وهذا إبنه يوسف عليه السلام، روى القوم عن الرضا ان يوسف عليه السلام شكى في السجن إلى الله فقال: يا رب بما استحققت السجن؟ فاوحى الله إليه أنت إخترته حين قلت: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، هلا قلت: العافية أحب إلى مما يدعونني الية؟ [22][22] .

 

وقوله لصاحبه في السجن: أذكرني عند ربك – يوسف 42، حتى روى القوم في ذلك ان جبرئيل اتاه بعد قوله هذا فضربه برجله حتى كشط له الأرض السابعة، فقال له: يا يوسف أنظر ماذا ترى؟ قال: أرى حجرا صغيرا ففلق الحجر فقال ماذا ترى؟ قال: أرى دودة صغيره، قال فمن رازقها: قال: الله، قال: فإن ربك يقول لم انس هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، اظننت إني انساك حتى تقول للفتى: اذكرني عند ربك، لتلبثن في السجن بمقالتك هذه بضع سنين، فبكا يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان فتأذى به اهل السجن فصالحهم علي ان يبكي يوما ويسكت يوما وكان في اليوم الذي يسكت أسوء حالا [23][23].

 

وفي رواية: ان الله تعالى قال ليوسف: الست حببتك إلى ابيك وفضلتك علي الناس بالحسن؟ او لست الذي صرفت عنك كيد النساء؟ فما حملك علي ان ترفع رغبتك او تدعو مخلوقا دوني، فألبث لما قلت في السجن بضع سنين [24][24] .

 

وروى القوم في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟ وفي رواية: لو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث [25][25] .

 

ورووا ايضا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط ان يخرجوني، وحين اتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لاسرعت الاجابة وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر [26][26] .

 

ورووا أنه صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اجعلني علي خزائن الأرض، لولاه من ساعته، ولكنه اخر ذلك سنة [27][27] .

 

ونختم هذا برواية القوم عن الصادق: لما اقبل يعقوب عليه السلام إلى مصر خرج يوسف عليه السلام ليستقبله، فلما رآه يوسف هم بأن يترجل ليعقوب ثم نظر إلى ماهو فيه من الملك فلم يفعل، فلما سلم علي يعقوب نزل جبرئيل عليه السلام فقال له: يا يوسف ان الله تبارك وتعالي يقول لك: ما منعك ان تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما أنت فيه؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين اصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟، فقال: هذا أنه لا يخرج من صلبك نبي أبدا عقوبة لك بما صنعت بيعقوب اذ لم تنزل إليه [28][28] .

 

للمزيد في شأن يوسف عليه السلام راجع الكلام في قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا المخلصين - يوسف 24 .

 

وقوله: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه والا تصرف عني كيدهن إصب إليهن وإكن من الجاهلين - يوسف 33 .

 

وقوله: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي - يوسف 100.

 

وقوله: إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم - يوسف 55

 

وايوب عليه السلام اذ اوحى الله تعالى إليه: هل تدري ما ذنبك إلى حين اصابك البلاء؟ قال: لا، قال: إنك دخلت علي فرعون فداهنت في كلمتين [29][29] .

 

وعلي ذكر ايوب عليه السلام فقد ذكر القوم ان الانبياء عليهم السلام سيكونون يوم القيامة علي قلب ايوب في السلامة من الغل [30][30] . فهل ان سواه لم يكونوا كذلك .

 

وكذا من رواية القوم عن الصادق: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكير في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد، الا ان المؤمن لا يستعمل حسده [31][31] .

 

و في موسى عليه السلام ذكر القوم عن الصادق كما في رواية حشر الناس يوم القيامة الذي مر بك فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لست بصاحبكم إني قتلت نفسا [32][32] .

 

اشارة إلى قتله للقبطي، وقول الله تعالى على لسانه: هذا من عمل الشيطان - القصص 15 . وقوله: رب إني ظلمت نفسي فإغفر لي - القصص 60 .

 

وللمزيد في شأنة عليه السلام راجع القول في الآيات: إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون - الشعراء 13 .

 

وقوله تعالى: فأوجس في نفسه خيفة موسى، - طه 67 .

 

وقوله: إبن ام إن القوم إستضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين - الاعراف 150 .

 

وقوله: لا تؤاخذني بما نسيت - الكهف 73 .

 

وقوله: ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا إطمس على اموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .

 

وشبيها به قوله عليه السلام في القصة التي يرويها القوم من اعطاء الله تعالى للصياد الكافر الرزق الوفير دون المؤمن فقال موسى عليه السلام: يا رب عبدك الكافر تعطيه مع كفره، وعبدك المؤمن لم تخرج له غير سمكة صغيره؟ [33][33] .

 

و في داود عليه السلام، في قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط وأهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود إنما فتناه فإستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب – ص 21-26 .

 

روى القوم أنه خر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه الا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا ثم لا يرفع رأسه الا لحاجة لا بد منها، ثم يعود فيسجد أربعين يوما لا ياكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه تعالى ويسأله التوبة [34][34] .

 

وعن الصادق: أنه بكى حتى هاج العشب من دموعه وان كان ليزفر الزفرة فيحرق ما نبت من دموعه [35][35] .

 

وكذا بكى أربعين صباحا لما اوحى الله تعالى إليه: إنك نعم العبد لو لا إنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا [36][36].

 

وفي الكافي، ان الله تعالى اوحى إلى داود: إني قد غفرت ذنبك وجعلت عار ذنبك علي بني اسرائيل، فقال: كيف يارب وانت لا تظلم؟ قال: أنهم لم يعاجلوك بالنكير [37][37] .

 

وفي تفسير القمي عن الصادق في قصة طويلة اخذنا منها مواضع الحاجة ان داود عليه السلام كان في محرابه يصلي، فإذا بطائر قد وقع بين يديه، فاعجبه جدا ونسي ماكان فيه، فقام لياخذه فطار الطائر فوقع علي حائط بين داود وبين اوريا بن حنان، وكان داود قد بعث اوريا في بعث، فصعد داود الحائط ليأخذ الطير، واذا إمرأة اوريا جالسة تغتسل، فلما رات ظل داود نشرت شعرها وغطت به بدنها، فنظر داود إليها وافتتن بها ورجع إلى محرابه ونسى ما كان فيه، وكتب إلى صاحبه في ذلك البعث ان ضع التابوت بينك وبين عدوك، وقدم اوريا بن حنان بين يدي التابوت، فقدمه وقتل، ثم بعث الله إليه الخصم اذ تسوروا المحراب، فلما قال داود: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، إلى قوله وخر ساجدا واناب، قال: فضحك المستعدي عليه من الملائكة ( وكانا ملكان): حكم الرجل علي نفسه، فقال داود: اتضحك وقد عصيت لقد هممت ان اهشم فاك، قال: فعرجا، وقال المستعدي عليه: لو علم داود أنه احق بهشم فيه مني، ففهم داود وذكر القضية فبقى أربعين يوما ساجدا يبكي ليله ونهاره، ولا يقوم الا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه وسال الدم من عينه، فاوحى الله تعالى إليه: تب يا داود، فقال: اي رب وأنى لي بالتوبة؟ قال: صر إلى قبر اوريا حتى ابعثه اليك واساله ان يغفر لك فإن غفر لك غفرت لك، قال: يارب فإن لم يفعل؟ قال: استوهبك منه، فخرج إليه، فمر بجبل عليه نبي عابد يقال له حزقيل، فقال: هذا النبي الخاطيء، فقال داود: يا حزقيل اتاذن لي ان اصعد اليك؟ قال: لا، فانك مذنب، فبكي داود عليه السلام فاوحي الله تعالى إلى حزقيل: يا حزقيل لا تعير داود بخطيئته، وسلني العافية، ثم مضي داود حتى اتي قبر اوريا فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانية فلم يجبه، ثم ناداه ثالثة فقال اوريا: مالك يا نبي الله لقد شغلتني عن سروري وقرة عيني؟ قال: يا اوريا اغفر لي وهب لي خطيئتي، فاوحي الله تعالى: يا داود بين له ما كان منك، فناداه داود فأجابه في الثالثة فقال: يا اوريا فعلت كذا، وكذا، قال اوريا: ايفعل الانبياء مثل هذا؟ فناداه فلم يجبه، فوقع داود عليه السلام علي الأرض باكيا، فاوحي الله تعالى إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه، فكشف عنه، فقال اوريا: لمن هذا؟ فقال: لمن غفر لداود خطيئته، فقال: يارب قد وهبت له خطيئته[38][38] .

 

وكذا شأن إبنه سليمان عليه السلام، فقد روى القمي في تفسيره، في قول الله تعالى: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق - ص - 30 – 33 . ان سليمان عليه السلام كان يحب الخيل ويستعرضها، فعرضت يوما إلى ان غابت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فاغتم من ذلك غما شديدا، فدعا الله تعالى ان يرد عليه الشمس حتى يصلي العصر، فرد الله سبحانه عليه الشمس إلى وقت العصر حتى صلاها، ثم دعا بالخيل فاقبل يضرب اعناقها وسوقها بالسيف حتى قتلها كلها [39][39] .

 

فظاهر هذا كله انشغاله بالخيل حتى الهاه وشغله عن ذكر ربه وفاتته الصلاة مما اضطره إلى قتل الخيل كلها وهي لا ذنب لها .

 

وفي قوله عليه السلام: لاطوفن الليلة علي مائة إمرأة تلد كل إمرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: ان شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن الا إمرأة واحدة بشق ولد، ذكروا ان النبي عليه السلام قال: فوالذي نفس محمد بيده لو قال: ان شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا، ثم اناب إلى الله تعالى وفزع إلى الصلاة [40][40] .

 

ومنها قوله تعالى مخبرا عنه عليه السلام: رب إغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب - ص 34.

 

فقد روى القوم عن الكاظم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله أخي سليمان بن داود ما ابخله [41][41] .

 

وذكروا أنه عليه السلام كان يفتقر إلى علم غيره حتى الحيوانات، فهذه نملة تقول له كما يروي القوم ذلك عن الصادق: أنت اكبر ام أبوك داود؟ قال سليمان عليه السلام: بل أبي داود، قالت النملة: فلم زيد في حروف اسمك حرف علي حروف إسم ابيك داود؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة: لأن اباك داود داوي جرحه بود فسمي داود، وانت يا سليمان ارجو ان تلحق بابيك ، ثم قالت النملة: هل تدري لم سخرت لك الريح من بين سائر المملكة؟ قال سليمان: ما لي بهذا علم ،الرواية[42][42] .

 

وفي رواية ان النملة قالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ فقال: لا، قالت: لأنه داوي جرحه بود، هل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم ركنت إلى ما اوتيت لسلامة صدرك، وآن لك ان تلحق بابيك [43][43] .

 

وعلي اي حال لا يسعنا حصركل ما أورده القوم في شأن الانبياء عليهم السلام والذي يتعارض مع عقيدة العصمة، فإن ذلك سيخرجنا عن موضوع الكتاب من جهة، ويخرجنا عما التزمنا به من الايجاز من جهة أخرى، ثم اننا سوف نورد روايات أخرى لاحقا .

 

ولكن الحق ان كل ما ذكرناه قد لا نلزم به القوم بإعتبار ان الأئمة افضل من الانبياء عندهم كما مر بك، وإنما أوردنا ذلك لما قد علمت من ان قولهم في عصمة الأئمة هو ذات القول في الانبياء عليهم السلام، لذا نجد لزاما ان نورد بعضا مما ينافي العصمة المذكورة عن اصحاب الكساء، اذ بها يتحقق المقصود .

 

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

 

نبدأ بنبينا صلى الله عليه وسلم، اذ روى القوم عن الصادق في شأن قوله تعالى: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله وتخفي ما في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه - الأحزاب - 37، ان زيد بن حارثة ابطأ يوما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان قد زوجه من زينب بنت جحش - فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله يسال عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر - وفي رواية تغتسل - فنظر إليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله احسن الخالقين، - وفي رواية سبحان الذي خلقك - ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: هل لك ان اطلقك حتى يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك قد وقعت في قلبة؟ فقالت: اخشى ان تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا وكذا، فهل لك ان اطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله : لا ، اذهب فاتق الله وامسك عليك زوجك، فانزل الله هذه الآيات [44][44] .

 

وروايات نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى النساء أمثال هذه النظرة كثيرة عند القوم، نذكر منها ايضا: عن الصادق: قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إمرأة فاعجبته فدخل على ام سلمة وكان يومها فاصاب منها، فخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت اهله [45][45] .

 

والغريب ان القوم أوردوا في النهي عن إتيان الأهل في هذا الحال روايات عدة [46][46] .

 

نعود إلى حديثنا، وفي سبب نزول قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين – النحل 126، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى مصرع حمزة يوم احد قال: لئن أمكنني الله من قريش لاقتلن سبعين رجلا منهم، وفي رواية – لئن ظفرت لامثلن ولامثلن [47][47] .

 

وقال تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وأذكر ربك إذا نسيت - الكهف 23، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتاه اناس من إليهود فسألوه عن اشياء فقال لهم: تعالوا غدا احدثكم ولم يستثن فاحتبس جبرئيل صلى الله عليه وسلم أربعين يوما ثم اتاه فقال: ولا تقولن ،الآية[48][48] .

 

والروايات في آيات عتاب الله تعالى لنبيه صلي الله عليه واله وسلم كثيرة :

 

كقوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم - الانفال 67-68 .

 

وقوله: عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين - التوبة 43 . حيث اذن صلى الله عليه وسلم لقوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد .

 

وقوله: عبس وتولى * أن جاءه الاعمى * وما يدرك لعله يزكى * او يذكر فتنفعه الذكرى - عبس 1-4 .

 

وقوله:  ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون - آل عمران60.

 

وقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * وإستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما - النساء 105-107 .

 

وقوله: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك - النساء 112، وغيرها . ومن اراد التفاصيل فعليه بطلبها في التفاسير .

 

هذا ما كان من شأن القرآن، اما الروايات فحدث ولا حرج، واليك بعضها:

 

نبدأ ذلك بذكر ما يدل علي جواز نسيانه وسهوه صلى الله عليه وسلم ، وهو كما علمت خلاف ما عليه القوم كما مر بك عند ذكرنا لعقيدة القوم في عصمة الانبياء والأئمة صلوات الله عليهم، يقول الله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وأما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين - الانعام 68 .

 

ويقول تعالى: وأذكر ربك إذا نسيت - الكهف 24 .

 

ويقول: سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله - الاعلى 6-7  .

 

ويقول الصدوق: ان الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر ان شيخه إبن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو جاز ان ترد الأخبار الوارده في هذا المعني لجاز ان نرد جميع الأخبار وفي ردها ابطال الدين والشريعه، وانا احتسب الاجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرد علي منكريه [49][49] .

 

وقد تعرض الصدوق بسبب قوله هذا إلى انتقادات شديدة وتشنيعات كثيرة من القوم ليس هذا مكان بيانه، وانما سنورد بعض الروايات التي تنافي العصمة من طرق القوم لتجد الاضطراب الحاصل عندهم بنفسك .

 

عن جميل قال: سألت اباعبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت: فيما يروي الناس، فذكر له حديث ذي الشمالين، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل [50][50] .

 

وعن أبي بصير قال: سألت اباعبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: استقبل الصلاة، قلت: فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستقبل حين صلى ركعتين، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينفتل من موضعه [51][51] .

 

وعن الحارث بن المغيره قال: قلت لابي عبدالله: انا صلينا المغرب فسها الإمام فسلم في الركعتين فاعدنا الصلاة، فقال: لم اعدتم؟ اليس قد انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين فأتم بركعتين، الا أتممتم [52][52] .

 

وعنه ايضا قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ثم قام فاضاف إليها ركعتين [53][53] .

 

وعن علي رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر خمس ركعات، ثم انفتل، فقال له بعض القوم: يارسول الله هل زيد في الصلاة شيء؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس، ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان [54][54] .

 

والمضحك حمل القوم أمثال هذه الروايات علي التقية، فهل ان علي رضي الله عنه في الرواية الاخيرة مثلا اختلق والف تلك القصة تقية، فأما ان تكون القصة قد وقعت فيتحقق بها المقصود، واما ان يكون علي رضي الله عنه قد اختلقها، وهذا لا يقول به احد من المسلمين .

 

وعن زيد الشحام قال: ان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس ركعتين، ثم نسي حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله احدث في الصلاة شيء؟ فقال: أيها الناس اصدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم لم تصل الا ركعتين، فقام فاتم ما بقي من صلاته [55][55] .

 

وفي رواية أخرى: فقال: وما ذاك؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اتقولون مثل قوله؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو [56][56] .

 

وعن الصادق: قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى [57][57] .

 

وعن الباقر قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لاصحابه: هل اسقطت شيئا في القرآن؟ قال: فسكت القوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: افيكم أبي بن كعب؟ فقالوا: نعم، فقال: هل اسقطت فيها شيئا؟ قال: نعم يا رسول الله أنه كان كذا وكذا ، الحديث [58][58] .

 

وعن الفضيل قال: ذكرت لابي عبدالله السهو، فقال: وينفلت من ذلك احد؟ ربما اقعدت الخادم خلفي يحفظ علي صلاتي [59][59]

 

والروايات في الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية [60][60]، ونختمها برواية الهروي قال: قلت للرضا: يا إبن رسول الله ان في سواد الكوفة قوما يزعمون ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاتة، فقال: كذبوا لعنهم الله، ان الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله الا هو [61][61] .

 

ولا يفوتك مصدر أمثال هذة العقائد .

 

هذا ما كان من شأن سهوه صلى الله عليه وآله وسلم، وكما ذكرنا فقد اعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات في ذلك وكذا ماكان من شأن بقية الانبياء عليهم السلام في ذلك .

 

ولنتكلم الآن في باب آخر مما يتعارض مع معتقد القوم في العصمة، وهو قصه سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

 

فقد ذكرت الروايات عن علي رضي الله عنه ان لبيد بن اعصم اليهودي قد سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأقام ثلاثا لا يأكل ولايشرب ولايسمع ولايبصر ولايأتي النساء، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام ونزل معه بالمعوذتين فقال له: يا محمد ماشأنك؟ قال: ما أدري أنا بالحال الذي ترى، ثم أخبره بقصة سحر إبن اعصم له [62][62] .

 

وفي رواية عن الصادق: وكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنه يجامع وليس يجامع وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده [63][63] .

 

ومثلها في بدء الدعوة حيث كان يقول لخديجة رضي الله عنها: قد خشيت ان يكون خالط عقلي شيء – وفي لفظ: لقد خشيت على عقلي [64][64] .

 

ويبدو ان القوم أكثر دراية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه، فهم يرون عصمتة من كل ذلك منذ مولده إلى وفاته كما مر بك، بينما هو صلى الله عليه وآله وسلم لم يعرف ذلك عن نفسه .

 

ومن الروايات الأخرى التي تتعارض مع اعتقادهم في عصمتة بحسب تأويلهم ما زعموه أنه لما فتر عنه الوحي جزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة: لقد قلاك ربك [65][65] .

 

ومنها قوله مرة لليهود: يا اخوة القردة والخنازير، فقالوا له: يا اباالقاسم ما كنت جهولا ولا سبابا، فإستحيى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع [66][66] .

 

وفي رواية قال الصادق: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداؤه من خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم[67][67].

 

ومنها ما كان منه يوم فتح مكة حيث اخرج صلى الله عليه وآله وسلم اصناما من المسجد، وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش ان يتركه وكان استحيا فهم بتركه، ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية: ولولا أن ثبتناك لقد كدت أن تركن إليهم شيئا قليلا[68][68].

 

ومنها أمره صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه بقتل القبطي على التهمة بغير بينة في قصة الافك كما يرويها القوم، حتى تبين لعلي براءته[69][69].

 

ومنها ما جاء في سورة التحريم، وملخصها في بعض الروايات ان حفصة بنت عمر رضي الله عنهما قالت: يا رسول الله ان لي إلى أبي حاجة، فاذن لها ان تزوره، فلما خرجت ارسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جاريته مارية القبطية وكان قد اهداها له المقوقس فادخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووجهه يقطر عرقا، فقالت حفصة: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لى حرمة وحقا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اليس هي جاريتي قد احل الله ذلك لي؟ أسكتي فهي حرام علي، التمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا إمرأة منهن، وفي رواية: ان النبي خلا في يوم لعائشة مع جاريته ام إبراهيم فوقفت حفصة علي ذلك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تعلمي لعائشة ذلك، وحرم مارية علي نفسه، فنزل قوله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم – التحريم 1 [70][70] .

 

ومنها، زعمهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث أبابكر رضي الله عنه ببراءة إلى اهل مكة، أنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرة وتبعث من لم اناجة؟ فارسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ براءه منه ودفعها إلى علي رضي الله عنه فقال أوصني يا رسول الله، فقال له: ان الله يوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر [71][71] .

 

وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كالمستجير من الرمضاء بالنار، فافهم .

 

ومنها أنه صلى الله عليه وآله وسلم جاع جوعا شديدا فأتى الكعبة فتعلق باستارها فقال: رب محمد لا تجع محمدا أكثر مما اجعته، فهبط جبرئيل عليه السلام عليه بورقة خضراء مكتوب فيها: ما انصف الله من نفسه من اتهم الله في قضائه واستبطأه في رزقه [72][72] .

 

روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأئمة

 

واما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإليك بعضا مما يتعارض من فعله وقوله وما يدعيه القوم له:

 

منها اعترافه بذنبه، وخوفه من سلامة دينه والروايات في ذلك كثيرة، كقوله: الهي كيف ادعوك وقد عصيتك [73][73] .

 

وقوله: الهي كم من موقبة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، الهي ان طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، الهي افكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم اذكر العظيم من اخذك فتعظم علي بليتي، آه ان أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وانت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا اذن فيه بالنداء، آه من نار تنضج الاكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات لظى، ثم قال لابي الدرداء: فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وايقن اهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد اسلمني الاحباء ورحمني اهل الدنيا، لكنت اشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية [74][74] .

 

وسئل: كم تتصدق؟ كم تخرج مالك؟ الا تمسك؟ قال: إني والله لو اعلم ان الله تعالى قبل مني فرضا واحدا لأمسكت، ولكني لا أدري اقبل سبحانه مني شيئا ام لا [75][75] .

 

وعندما أخبره صلى الله عليه وآله وسلم بمقتله قال رضي الله عنه: يا رسول الله في سلامة من ديني؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: في سلامة من دينك [76][76] .

 

وكان يقول: اسال الله ان لا يسلبني ديني ولا ينزع مني كرامته [77][77] .

 

وتمنى أنه من الأربعة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الجنة تشتاق إلى أربعة، فقال: والله لاسألنه فإن كنت منهم لاحمدن الله تعالى وان لم اكن منهم لاسألن الله ان يجعلني منهم[78][78].

 

ولا زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بغفران الله لذنوبه، ففي رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوم عرفة وهو آخذ بيده رضي الله عنه فقال: يا معشر الخلائق ان الله تبارك وتعالى باهى بكم في هذا اليوم ليغفر لكم عامة، ثم التفت إلى علي فقال له: وغفر لك يا علي خاصة[79][79] .

 

فالمغفرة تقتضي الذنوب، وصرف الثاني عن ظاهره يقتضي بالضرورة صرف الاول، فتأمل .

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين علي بن أبي طالب؟ فيؤتى به فيحاسب حسابا يسيرا [80][80] .

 

فلا غرابه اذن ان يردد ويقول رضي الله عنه: لا تكفوا عن مقاله بحق او مشوره بعدل، فإني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن من ذلك من فعلي [81][81] .

 

فهو رضي الله عنه لم يدع العصمة لنفسه اصلا ولا إدعاها له أحد من اصحابه، ولا زال اصحابه يخالفونه في كثير من افعاله واقواله، ولم يكن يحتج عليهم بانه معصوم، بل كثيرا ما يردد: اسمعوا مني ما اقول لكم فإن يكن حقا فاقبلوه وان يكن باطلا فأنكروه .

 

وفي رواية: فإن قلت حقا صدقتموني وان قلت باطلا ردوا علي ولا تهابوني، إنما أنا رجل كأحدكم

 

وفي أخرى: إنما أنا رجل منكم فإن قلت حقا فصدقوني وان قلت غير ذلك فردوه علي [82][82] .

 

وكان t يفتقر إلى آراء اصحابه، ويستشيرهم، فلما كتب إليه معاوية ان كنت تريد الصلح فامح عنك إسم الخلافة، استشار بني هاشم [83][83] .

 

وفي رواية قال الاحنف بن قيس: لا تمح هذا الإسم فاني اتخوف ان محوته لا يرجع اليك ابدا، فامتنع  من محوه فتراجع الخطاب فيه مليا من النهار فقال الاشعث بن قيس: امح هذا الإسم نزحه الله [84][84] .

 

وكان يقول لطلحة والزبير رضي الله عنهما: لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه [85][85] .

 

ولما اراد المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم حمد الله واثنى عليه وقال: اما بعد فإنكم ميامين الرأي مراجيح الحلم مباركوا الأمر مقاويل بالحق وقد عزمنا علي المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم، فقام هشام بن عتبة وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وسهل بن حنيف فصوبوا رأيه وبذلوا إليه نصرته[86][86].

 

فلم يكن يرى أبدا أنه معصوم مستغني عن مشورة غيره وكذا اصحابه، واليك المزيد :

 

لما سار إلى معاوية بصفين مكث اياما لا يرسل إلى معاوية احدا ولا يأتيه من عنده احد، قال اهل العراق: يا امير الؤمنين خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة وجئنا إلى اطراف الشام أنتخذها وطنا، فأذن لنا بالقتال فإن الناس يظنون إنك تكره الحرب كراهية الموت ومنهم من يظن إنك في شك من قتال اهل الشام [87][87] .

 

وهذا هاشم لما صرع في صفين مر علي رجل فقال وهو صريع بين القتلى: إقرئ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وقل له انشدك الله الا اصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بارجل القتلى فإن الدبرة تصبح غدا لمن غلب على القتلى فأخبر الرجل عليا بذلك فسار علي رضي الله عنه في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الدبرة له عليهم [88][88] .

 

ولما اراد المسير إلى الشام اجتمع إليه وجوه اصحابه فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية واصحابه قبل مسيرنا إليهم كتابا تدعوهم إلى الحق وتأمرهم بما لهم من الحظ تزداد عليهم قوة، فكتب إليه [89][89] .

 

ولما عزم علي الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في اصحابه منجم فقال له: يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر علي ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك ان سرت في هذه الساعة اصابك واصاب اصحابك اذي وضر شديد وان سرت في الساعة التي أمرتك به ظهرت وظفرت واصبت ما طلبت [90][90] .

 

وكذا ما كان من قصة قيس بن سعد وتلفيق معاوية كتابا ونسبته إليه فقراه علي اهل الشام، فشاع في الشام كلها ان قيسا صالح معاوية وأتت عيون علي رضي الله عنه إليه بذلك فأعظمه واكبره وتعجب له ودعا إبنيه حسنا وحسينا وابنه محمدا وعبدالله بن جعفر فاعلمهم بذلك وقال ما رايكم فقال عبدالله بن جعفر: دع ما يريبك إلى مالا يريبك اعزل قيسا من مصر، قال علي: والله إني غير مصدق بهذا علي قيس فقال عبدالله: اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان حقا ما قد قيل لا يعتزلك ان عزلته [91][91] .

 

وكذا إختلاف اصحابه عليه بعد رفع المصاحف في صفين فمن قائل بالقتال ومن قائل بالمحاكمة إلى الكتاب، حتى قال رضي الله عنه: انها كلمة حق يراد بها باطل أنهم مارفعوها وانهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكن الخديعة والوهن والمكيدة اعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق الا ان يقطع دابر الظالمين، فجاءه من اصحابه زهاء عشرين الفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم علي عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه بإسمه لا بإمرة المؤمنين قالوا: يا علي اجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه والا قتلناك كما قتلنا إبن عفان فوالله لنفعلنها ان لم تجب، - فحاول اقناعهم فأبوا وقالوا: فأبعث إلى الاشتر ليأتيك [92][92] .

 

وكان رضي الله عنه يقول في ذلك: فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من اصحابي فظنوا ان إبن اكلة الاكباد له الوفاء بما دعا إليه فاصغوا إلى دعوته واقبلوا باجمعهم في اجابته فاعلمتهم ان ذلك منه مكر ومن إبن العاص معه وانهما إلى النكث اقرب منهما إلى الوفاء فلم يقبلوا ولم يطيعوا أمري وابو الا اجابته كرهت ام هويت شئت او ابيت حتى اخذ بعضهم يقول: ان لم يفعل فالحقوه بابن عفان او ادفعوه إلى إبن هند برمته [93][93] .

 

حتى مالك بن الاشتر وهو من اعاظم اصحابه والذي سألوه ان يبعث إليه ليأتيه لم يكن يختلف عنهم في عدم القول بعصمة علي رضي الله عنه او أنه لا يفتقر إلى آرائهم بل كان يرى جواز مخالفته شأنه في ذلك شأن سائر الناس، واليك بعضا مما يدل علي ذلك: ففي قصة التحكيم بين الامير ومعاوية واضطراره إلى اختيار أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال رضي الله عنه: والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح ولقد اردت عزله فأتاني الاشتر فسألني ان اقره علي كره مني[94][94].

 

ولما اراد ان يبعث جريرا إلى معاوية قال له الاشتر: لا تبعثه ودعه ولا تصدقه فوالله إني لاظن هواه هواهم ونيته نيتهم، ولما رجع من عند معاوية كثر قول الناس في التهمة له واجتمع جرير والاشتر عند علي فقال الاشتر: اما والله يا أمير المؤمنين لو كنت ارسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي ارخي من خناقه واقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو روحه الا فتحه او يخاف غمه الا سده، وقال: اليس نهيتك يا أمير المؤمنين ان تبعث جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه فخرج علي رضي الله عنه إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه وخرج أبوزرعة بن جرير وقال: اصلحك الله ان فيها ايضا لغير جرير ، الروايات [95][95] .

 

وفي موقف آخر كلمه الاشتر بكلام يحضه علي اهل الوقوف فكره ذلك علي رضي الله عنه حتى شكاه، فمازال به حتى قال له: يا مالك دعني، فقال الاشتر: دعني يا أمير المؤمنين اوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك، فقال له علي: كف عني، فانصرف الاشتر وهو مغضب [96][96] .

 

وغضب عليه ايضا لما ولى بني العباس على الحجاز واليمن والعراق، فقال له الاشتر: فلماذا قتلنا الشيخ بالامس - اي عثمان رضي الله عنه - ولما بلغ عليا رضي الله عنه مقولته احضره ولاطفه وأعتذر إليه [97][97] .

 

والروايات في خلاف الاشتر مع علي رضي الله عنه واعتراضه وفرض آرائه عليه كثيرة، حتى قال اصحابه رضي الله عنه له: هل نحن الا في حكم الاشتر [98][98] .

 

ولا ينتهي خلاف اصحابه، ففي التحكيم اصروا علي أبي موسى الاشعري رضي الله عنه رغم كراهته لذلك حتى قال: فأجبتكم كارها ولو وجدت في ذلك الوقت اعوانا غيركم لما اجبتكم [99][99] .

 

حتى قال رضي الله عنه: ان عامة من معي يعصيني [100][100] .

 

إلى ان اقر بانه رضي الله عنه قد فقد السيطرة عليهم، فنراه يقول: أيها الناس أنه لم يزل أمري معكم علي ما أحب حتى نهكتكم الحرب وقد والله اخذت منكم وتركت وهي لعدوكم انهك ولقد كنت امس اميرا فاصبحت اليوم مأمورا وكنت امس ناهيا فاصبحت اليوم منهيا [101][101] .

 

فهل ترى من كل هذا مكانا للعصمة التي يدعيها القوم له رضي الله عنه فإن أبى القوم الا غياب ذلك عن الاصحاب، فهاكها من اهله بل ومن اصحاب الكساء رضي الله عنهم، فها هو إبنه الحسن رضي الله عنه لما كان من أمر خروج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم بكى بين يدي أبيه وقال: يا أمير المؤمنين إني لا استطيع ان اكلمك وبكى فقال له أبوه: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين ان القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه اما ظالمون او مظلومون فسألتك ان تعتزل الناس وتلحق بمكة، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك ان لا تتبعهما وتدعهما، وانا اليوم اسألك ان لا تقدم العراق واذكرك بالله ان تقتل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: اما قولك: ان عثمان حصر، فما ذاك وما علي منه وقد كنت بمعزل عن حصره، واما قولك: ائت مكة فوالله ما كنت لأكون الرجل الذي يستحل به مكة، واما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فوالله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا [102][102] .

 

وفي احدي مواقف صفين رأي الحسن من أبيه رضي الله عنهما تهورا قال له: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى اصحابك، فقال: يا بني ان لأبيك يوما لن يعدوه [103][103] .

 

فأنظر من تصوب ومن تخطيء ، وبأيهما أخذت يتحقق مقصودنا .

 

وهذا عبدالله بن جعفر ذو الجناحين رضي الله عنه لما بلغ الامير رضي الله عنه مقتل محمد بن أبي بكر، جزع عليه جزعا شديدا وقال: ما اخلق مصر ان يذهب آخر الدهر فلوددت إني وجدت رجلا يصلح لها فوجهته إليها فقال - أي عبدالله بن جعفر - تجد، فقال: من؟ فقال: الاشتر، قال: ادعه لي [104][104] .

 

فكيف غاب عنه رجل كالاشتر وهو من هو كما مر بك .

 

وكان من أهل البيت رضي الله عنهم  من يستحل خيانته، ففي كتاب له رضي الله عنه إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: اما بعد فإني كنت اشركتك في امانتي وجعلتك شعاري وبطانتي ولم يكن في أهلي رجل اوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي واداء الامانة إلى فلما رايت الزمان علي إبن عمك قد كلب والعدو قد حرب وامانة الناس قد خزيت وهذه الأمة قد فتكت وشغرت قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين فلا إبن عمك آسيت ولا الامانة اديت وكانك لم تكن الله تريد بجهادك وكأنك لم تكن علي بينه من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة اسرعت الكرة وعاجلت الوثبة فاختطفت ما قدرت عليه من اموالهم المصونة لاراملهم وايتامهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متاثم من اخذه كأنك لا أباغيرك حدرت على اهلك تراثك من ابيك وامك، فسبحان الله اما تؤمن بالمعاد؟ او ما تخاف من نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الالباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وانت تعلم إنك تأكل حراما وتشرب حراما؟ وتبتاع الاماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين افاء الله عليهم هذه الاموال واحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم اموالهم فإنك ان لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احدا الا دخل النار، والله لو ان الحسن والحسين فعلا مثل فعلك الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وازيح الباطل عن مظلمتهما [105][105] .

 

فهل رأى إبن عباس رضي الله عنهما عصمة إبن عمه رضي الله عنه وهو يقول ما مر بك ليثوب إلى رشده ويستغفر ربه، ام لم يجد في كلامه سوى مجتهد مخطيء لا عصمة لقوله ولا رداء لفه حوله النبي صلى  الله عليه وآله وسلم فاذهب عنه الرجس فلا ينطق الا حقا كما يزعمون، أنظر ما كان من رده على علي رضي الله عنهما:

 

اما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي ما اصبت من بيت مال البصرة ولعمري ان حقي في بيت المال لأكثر مما اخذت والسلام [106][106] .

 

فكتب إليه علي رضي الله عنه: اما بعد فإن من العجب ان تزين لك نفسك ان لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين فقد افلحت ان كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لأنت المهتدي السعيد اذا، وقد بلغني إنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن علي عينك وتعطي فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ربك واخرج إلى المسلمين من اموالهم فعما قليل تفارق من الفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع الأرض غير موسد ولا ممهد قد فارقت الاحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا إلى ما قدمت والسلام [107][107] .

 

فرد عليه إبن عباس رضي الله عنهما: اما بعد فانك قد أكثرت علي ووالله لأن القى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إلى من ان القاه بدم امرء مسلم والسلام[108][108] .

 

فها أنت ترى أن إبن عمه رضي الله عنهما لا يرى فيه ما يراه القوم له وأهل مكة أدري بشعابها، فلذا فليس من العجيب ان يأمر معاوية عليا رضي الله عنه بالتقوي فيرد عليه: فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو ان اكون من اهلها واستعيذ بالله من ان اكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالاثم [109][109] .

 

وكذا فعل مع الخوارج لما أمروه ان يستغفر الله ويتوب إليه بعد التحكيم فقال: أنا استغفر الله من كل ذنب [110][110] .

 

عاد بنا الحديث إلى ذكر ما ينافي القول بالعصمه، ونورد هنا بعض الروايات المختلفة ففيها زيادة على بيان المقصود:

 

منها أنه رضي الله عنه اخذ جارية من غنائم أحد السرايا قبل القسمة فأنكر عليه ذلك من كان معه فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، القصة [111][111] .

 

ويروي القوم عن الرضا: افضل الأعمال عند الله تعالى إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور [112][112] .

 

والغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل القسمه .

 

ومنها، أنه صلى الله عليه وآله وسلم حمل الامير رضي الله عنه على فرس فقال: بأبي أنت وامي، مالي وللخيل؟ أنا لا اتبع احدا ولا افر من أحد واذا ارتديت سيفي لم اضعه الا للذي ارتدي له [113][113] .

 

ومنها، قتله رضي الله عنه  للاعرابي الذي ادعى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين درهما ثمن ناقة وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد استوفاها له، فقال له: ياعلي لم قتلت الاعرابي؟ قال: لأنه كذبك يارسول الله ومن كذبك فقد حل دمه ووجب قتله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي والذي بعثني بالحق نبيا ما اخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، ولا تعد إلى مثلها [114][114] .

 

ومنها، اغتمامه لاقامته حدود الله تعالى، حيث قضى في رجل كندي بقطع يده، وذلك أنه سرق، وكان الرجل من احسن الناس وجها وانظفهم ثوبا، فقال علي رضي الله عنه: ما أرى من حسن وجهك ونظافة ثوبك ومكانك من العرب تفعل مثل هذا الفعل فنكس الكندي، ثم قال: الله الله في أمري يا أمير المؤمنين، فلا والله ماسرقت قط غير هذه الدفعة، فقال له: ويحك قد عسى ان الله العلي الكريم لا يؤاخذك بذنب واحد اذنبته ان شاء، فبكى الكندي فأطرق أمير المؤمنين مليا ثم رفع رأسه وقال: ما اجد يسعني الا قطعك، فاقطعوه، فبكي الكندي، وتعلق بثوبه فقال: الله الله في عيالي، فانك ان قطعت يدي هلكت وهلك عيالي، واني اعول ثلاثة عشر عيالا مالهم غيري، فاطرق مليا ينكت الأرض بيده، ثم قال: ما اجد يسعني الا قطعك، اخرجوه فاقطعوا يده، فلما وقعت يده المقطوعة بين يدي أمير المؤمنين قال الكندي: والله لقد سرقت تسعة وتسعين مرة، وان هذه تمام المائة، كل ذلك يستر الله علي، فقال علي: لقد فرج عني، قد كنت مغموما بمقالتك الأولى [115][115] .

 

وكذلك خدعه معاوية مرة عندما بلغه ان النجاشي هجاه، فدس قوما شهدوا عليه عند علي أنه شرب الخمر، فاخذه علي فحده، فغضب جماعة على علي في ذلك [116][116] .

 

وكذلك همه بقطع يد رجل بريء اتهم بالسرقه [117][117] .

 

ومنها، تعطيله لبعض حدود الله وقوله مثلا لرجل اقر باللواط بزعم القوم: قم ياهذا فقد ابكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض، فإن الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودن شيئا مما قد فعلت [118][118] .

 

ومنها، تحريمه بعض ما احل الله تعالى حتى أنزل الله فيه قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله - المائدة 87 [119][119] .

 

ومنها، خوفه من السلام على الشابة وكان يقول: اتخوف ان تعجبني صوتها فيدخل علي أكثر ما اطلب من الأجر [120][120].

 

ومنها جهله ببعض احكام الحج [121][121] .

 

وجهله بحكم المذي حتى ارسل من يسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياء لمكان الزهراء رضي الله عنها[122][122].

 

فانظر متى كان زواجه منها رضي الله عنهما ومتى كان سؤاله وماذا كان يفعل قبل علمه بالحكم، ومنها إختلاف القضاء عنه [123][123] .

 

ومنها دخوله يوما علي الزهراء رضي الله عنهما وبه كآبة شديدة فقالت له: يا علي ما هذه الكآبة؟ فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: متى تكون المراة أدنى من ربها؟ فلم ندر [124][124] .

 

وسئل مرة ولم يجب فقيل له كنت عهدناك إذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكة المحماة جوابا، فما بالك ابطأت اليوم عن جواب هذا الرجل حتى دخلت الحجرة ثم خرجت فأجبتة؟ فقال: كنت حاقنا، ولا رأي لحاقن [125][125] .

 

ومنها، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا علي ان فاطمة بضعة مني وهي نور عيني وثمرة فؤادي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها وانها أول من يلحقني من اهل بيتي فأحس إليها بعدي، واما الحسن والحسين فهما إبناي وريحانتاي وهما سيدا شباب اهل الجنة فليكرما عليك كسمعك وبصرك [126][126] .

 

ومثلها للزهراء، فعن الصادق قال: اوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: قل لفاطمة لا تعصي عليا فانه ان غضب غضبت لغضبه [127][127] .

 

فلا شك ان صدور أمثال هذه التحذيرات بل ونزول وحي فيه لا يسعف القوم فيما ذهبوا إليه من القول بالعصمة، ولعلك من قراءة ماسيأتي ستقف علي ما إذا كان الامير والزهراء رضي الله عنهما قد اخذا بتلك الوصايا ام لا .

 

عن معاوية قال: دخل الحسن بن علي علي جده صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتعثر بذيله فأسر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرا فرأيته وقد تغير لونه، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى منزل فاطمة فأخذ بيدها فهزها إليه هزا قويا ثم قال: يا فاطمة إياك وغضب علي فإن الله يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ثم جاء علي فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده ثم هزها إليه هزا خفيفا ثم قال: يا اباالحسن إياك وغضب فاطمة فإن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها، فقلت: يارسول الله مضيت مذعورا وقد رجعت مسرورا، فقال: يا معاوية كيف لا أسر وقد اصلحت بين إثنين هما اكرم الخلق على الله [128][128] .

 

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي رضي الله عنه على فاطمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: عشينا غفر الله لك وقد فعل، فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب، فلما نظر علي بن أبي طالب إلى الطعام وشم ريحه رمي فاطمة ببصره رميا شحيحا، قالت له فاطمة: سبحان الله ما اشح نظرك واشده هل اذنبت فيما بيني وبينك ذنبا استوجبت به السخطة؟ قال: وأي ذنب اعظم من ذنب أصبته اليس عهدي اليك اليوم الماضي وانت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاما مذ يومين؟ ، والقصة طويلة اخذنا منها موضع الحاجة [129][129] .

 

وفي قصة أخرى شبيهه بقصتنا هذه، قال: يا فاطمة من أين لك هذا؟ ولم يكن عهد عندنا شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كل يا اباالحسن ولا تسأل [130][130] .

 

وعن الباقر: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحمل رقاب الرجال [131][131] .

 

وكان كثيرا ما يصلح صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وكان يخرج من بيتهما فرحا ويسأل عن ذلك فيقول: كيف لا افرح وقد اصلحت بين اثنين أحب اهل الأرض إلى اهل السماء [132][132] .

 

وعن سلمان  رضي الله عنه قال: قالت فاطمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فوالذي بعثك بالحق مالي ولعلي منذ خمس سنين الا مسك كبش نعلف عليها بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه وان مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف [133][133] .

 

وعن جابر رضي الله عنه في ذكر قصة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجد فاطمة فيمن احل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، فقالت: أبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرني بهذا، وكان علي  رضي الله عنه يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محرشا على فاطمة بالذي صنعت، مستفتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي ذكرت فأنكرت ذلك، قال: صدقت، صدقت [134][134] .

 

وما دمنا بصدد هذا الموضوع، نضيف هنا ان الزهراء رضي الله عنها كثيرا ما كانت تشكو حالها إلى ابيها صلى الله عليه وآله وسلم ، واليك بعضا من روايات القوم في ذلك :

 

فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: اتت فاطمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت عنده ضعف الحال، فقال لها: اما تدرين ما منزلة علي عندي؟ الرواية [135][135] .

 

وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لفاطمة وقد جاءته ذات يوم تبكي وتقول: يا رسول الله عيرتني نساء قريش بفقر علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اما ترضين يا فاطمة إني زوجتك اقدمهم سلما وأكثرهم علما، وفي رواية عن إبن عباس رضي الله عنه قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فاطمة تحدثت نساء قريش وغيرهن وعيرنها وقلن: زوجك رسول الله من عائل لا مال له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يافاطمة اما ترضين ان الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعه إلى الأرض فاختار منها رجلين احدهما أبوك والآخر بعلك؟، وفي رواية: قالت فاطمة رضي الله عنها: إنك زوجتني فقيرا لا مال له، فقال: زوجتك اقدمهم سلما واعظمهم حلما وأكثرهم علما [136][136] .

 

وعن خالد بن ربعي قال: ان عليا رضي الله عنه أتى منزله فقالت له فاطمة رضي الله عنها: يا إبن عم بعت الحائط الذى غرسه لك والدي؟ قال: نعم بخير منه عاجلا وآجلا، قالت: فأين الثمن؟ قال: دفعته إلى اعين استحييت ان اذلها بذل المسألة قبل ان تسالني، قالت فاطمة: أنا جائعة وابناي جائعان ولا اشك الا وانك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟ وأخذت بطرف ثوب علي، فقال علي: يا فاطمة خليني، فقالت: لا والله او يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: اقرأ عليا مني السلام وقل لفاطمة: ليس لك ان تضربي على يديه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي فقال لها: يا بنية مالك ملازمة لعلي؟ قالت: يا ابه باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر الف درهم، لم يحبس لنا منه درهما نشتري به طعاما، فقال: يا بنية ان جبرئيل يقرؤني من ربي السلام ويقول: إقرا عليا من ربه السلام، وأمرني ان اقول لك: ليس لك ان تضربي على يديه، قالت فاطمة: فإني استغفر الله ولا اعود أبدا [137][137] .

 

وفي رواية لما اراد ان يزوجها من علي أسر إليها فقالت: يا رسول الله أنت أولى بما ترى، غير ان نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين، ضخم الكراديس، انزع عظيم العينين والسكنة، ضاحك السن، لا مال له [138][138] .

 

وفي رواية قالت: يا رسول الله زوجتني عائلا؟ فهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده معصمها وقال: لا يا فاطمة ولكن زوجتك اقدمهم سلما وأكثرهم علما واعظمهم حلما [139][139] .

 

وفي أخرى: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعام وكثرة الهم وشدة السقم، قال لها: اما والله ما عند الله خيرا لك مما ترغبين إليه، يا فاطمة اما ترضين ان زوجتك خير امتي واقدمهم سلما وأكثرهم علما وافضلهم حلما [140][140] .

 

وفي أخرى: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك يا بنية محمد؟ فقالت: حالنا كما تري في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا [141][141] .

 

وفي أخرى، عن الصادق: شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا، فقالت: يا رسول الله لا يدع شيئا من رزقه الا وزعه علي المساكين، فقال لها: يا فاطمة اتسخطينني في أخي وابن عمي ان سخطه سخطي وان سخطي سخط الله  [142][142]  .

 

وروايات شكواها عليا رضي الله عنهما واعتراضها عليه كثيرة جدا، وما أوردناه أقل القليل، وقد ذكر القوم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في ذم بعض شكوى بناته زوجها: أقني حياءك فما اقبح بالمرأة ذات حسب ودين في كل يوم تشكو زوجها، وفي لفظ: إني لأستحيي للمرأة ان لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها [143][143] .

 

وفي قصة فدك زعم القوم انها رضي الله عنها لما انصرفت من عند أبي بكر رضي الله عنه اقبلت على علي رضي الله عنه فقالت له: يا إبن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين نقضت قادمة الاجدل، فخانك ريش الاعزل، هذا إبن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة ابي، وليغة إبني، والله اجهد في ظلامتي والد في خصامي، حتى منعتني القيلة نصرها، والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعدت راغمة ولا خيار لي، ليتني مت قبل ذلتي، وتوفيت دون منيتي، عذيري والله فيك حاميا، ومنك داعيا، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد، ووهن العضد، شكواى إلى ربي، وعدواى إلى أبي [144][144] .

 

وكأن القوم يريدون ان يقولوا ان الزهراء رضي الله عنها لم تكن ترى في علي رضي الله عنه زوجا مثاليا ولا نصيرا، وانها لطالما شكت إلى ابيها الضيعة بعده، وهذه الرواية دليل على ذلك، وإليك أخرى: دخلت - اي الراوي - على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الحالة التي قبض فيها فإذا فاطمة عند رأسه فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها رأسه فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: اخشي الضيعة من بعدك، فقال: يا حبيبتي اما علمت ان الله تعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها اباك ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك واوحي إلي ان انكحك اياه [145][145] .

 

ومادمنا نتحدث عن الزهراء رضي الله عنها فلا بأس من ذكر بعض ما أورده القوم في شأنها وينافي العصمة، دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها مرة وفي عنقها قلادة من ذهب كان اشتراها لها علي رضي الله عنه من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة لا يقول الناس ان فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فاعتقتها، فسر بذلك رسول الله r[146][146]

 

وفي قصة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة فإذا هو بستر على بابها وراي علي الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع فلم يدخل عليها، فعرفت رضي الله عنها غضبه لذلك فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبعثت به إلى أبيها، فقال: ما لآل محمد وللدنيا فانهم خلقوا للآخرة [147][147] .

 

ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم لها مرارا عن البكاء، ففي مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم كانت تقول: واكرباه لكربك يا ابتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا كرب على ابيك بعد اليوم يافاطمة، ان النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب [148][148] .

 

وفي رواية عن الباقر: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة: إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها، وترخي علي شعرا، وتنادي بالويل، ولا تقيمي علي نائحة [149][149] .

 

وفي رواية: يا بنية لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة [150][150] .

 

وفي رواية انها اكبت تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وابيض يستسقي الغمام بوجهه  *  ثمال اليتامى عصمة للارامل
 

ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه ، ولكن قولي: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل إنقلبتم على أعقابكم - آل عمران 144 [151][151] .

 

ومنها انها طلبت من ابيها صلوات الله وسلامه عليه جارية فقال: يا فاطمة والذي بعثني بالحق ان في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا شراب ولا ثياب ولولا خشيتي خصلة لا عطينك ما سألت يا فاطمة إني لا اريد ان ينفك عنك اجرك إلى الجارية واني اخاف ان يخصمك علي بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله تعالى إذا طلب حقه منك، ثم علمها صلاة التسبيح [152][152]، ومنها انها رضي الله عنها لما ولدت الحسن رضي الله عنه لفته في خرقة صفراء خلافا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال: الم انهكم ان تلفوه في صفراء - وفي لفظ - الم اعهد اليكن الا تلفوا المولود في خرقة صفراء - ثم رمى بها واخذ خرقة بيضاء فلفه فيها [153][153]

 

وعلى اي حال نكتفي بما أوردناه عنها رضي الله عنها، ونعود إلى ماكنا فيه من الحديث عن علي رضي الله عنه

 

ومنها، ان الزهراء قالت في وصية موتها له: يا إبن العم إني اجد الموت الذي لا محيص عنه، وانا اعلم إنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فإن أنت تزوجت إمرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لاولادي يوما وليلة، يا اباالحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فانهما بالامس فقدا جدهما واليوم يفقدان امهما