كشف الحقائق الغامضة في دين الرافضة

 
 

مواقف من اعتقادات الرافضة

 

المهدي المنتظر

 الموقف من عملية الإصلاح الاجتماعي

لقد انعكست نظرية (الانتظار للامام المهدي الغائب) التي التزم بها المتكلمون (الامامية) في القرون الأولى ، على مختلف جوانب الحياة السياسية في ( عصر الغيبة ) ، وأولها : الثورة والتغيير ، أو عملية الإصلاح الاجتماعي ، أو قانون : (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) الذي وضعه الإسلام لمكافحة الفساد الداخلي ، والوقوف امام تهافت المسلمين وانهيارهم ، أو سيطرة الفساق والظلمة والطواغيت عليهم ، والذي يشمل العمل السياسي والإعلامي واستعمال القوة من قبل الدولة الإسلامية ضد المنحرفين والخارجين على القانون ، أو من قبل الأمة ضد كل من تسول له نفسه الخروج على القوانين الإسلامية من الحكام والمحكومين .

وكان لا بد للذين التزموا بنظرية ( التقية والانتظار) ان ينظروا نظرة مختلفة إلى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وإذا كان هذا القانون بحد ذاته قانونا واسعا وينطوي على مراحل إعلامية وسياسية وعسكرية ، وان مراحله العليا التي تقتضي استخدام القوة منوطة بالسلطات الشرعية ، فان الذين اعتقدوا بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي في عصر الغيبة ، كان عليهم ان ينظروا إلى ذلك القانون نظرة مختلفة ، فيجيزوا المراحل الأولية منه فقط ويعلقوا المراحل العليا التي تستلزم استعمال القوة ، خاصة تلك التي تؤدي إلى إراقة الدماء.

 ومن هنا كانت فتاوى أولئك العلماء تحجم حدود استعمال قانون (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) باللسان واليد فقط ، وترفض استعماله بما يؤدي إلى إراقة الدماء . و في هذا الصدد يقول الشيخ المفيد في :(المقنعة):· ... وليس له القتل والجراح إلا بأذن سلطان الزمان المنصوب لتدبير الأنام ، فان فقد الأذن بذلك لم يكن له من العمل في الإنكار إلا بما يقع بالقلب واللسان من المواعظ بتقبيح المنكر والبيان عما يستحق عليه من العقاب والتخويف بذلك وذكر الوعيد عليه ، وباليد ، ما لم يؤدِ العمل بها إلى سفك الدماء ، وما تولد من ذلك من إخافة المؤمنين على أنفسهم والفساد في الدين ، فان خاف الإنسان من الإنكار باليد ذلك لم يتعرض له ، وان خاف بإنكار اللسان أيضا ما ذكره امسك عن الإنكار به واقتصر على إنكاره بالقلب . 1

ويقول الشيخ الطوسي في :(النهاية):·... وقد يكون الأمر بالمعروف باليد بأن يحمل الناس على ذلك بالتأديب والردع وقتل النفوس وضربه من الجراحات ، إلا ان هذا الضرب لا يجب فعله إلا بأذن سلطان الوقت المنصوب للرياسة (ويقصد الإمام المعصوم : المهدي مثلا ) فان فقد الأذن من جهته اقتصر على الأنواع التي ذكرناها (وهي القلب واللسان) وإنكار المنكر يكون كذلك .. فأما باليد مشروط بالأذن من جهة السلطان . 2

ويقول القاضي عبد العزيز بن نحرير ابن براج الطرابلسي (400 - 481) في :(المهذب ):· ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتصر على القلب واللسان ، وقد يكون بالقتل والردع والتأديب والجراح والآلام على فعله ، إلا ان هذا الوجه لا يجوز للمكلف الإقدام عليه إلا بأمر الإمام العادل وإذنه له في ذلك ، أو من نصبه الإمام ، فان لم يأذن له الإمام أو من نصبه في ذلك ، فلا يجوز له فعله ، ويجب عليه حينئذ الاقتصار على الوجه الذي قدمنا ذكره (وهو القلب واللسان) وهذا الوجه أيضا لا يجوز فعله في إنكار المنكر إلا بأذن الإمام أو من نصبه . 3

و التزم ابن إدريس بموقف الشيخ الطوسي ونقل قوله في كتاب (الاقتصاد) :· ان الظاهر من مذهب شيوخنا الامامية: ان هذا الجنس من الإنكار (القتل والجرح) لا يكون إلا للأئمة ، أو من يأذن له الإمام . 4

وقد تردد المحقق الحلي في :(شرائع الإسلام ص 343) حول جواز الجرح والقتل في عصر (الغيبة) فتساءل: · ... ولو افتقر إلى الجراح والقتل هل يجب؟ .. قيل : نعم ، وقيل : لا إلا بأذن الإمام ، وهو الأظهر ولكن المحقق جزم بالعدم في :( المختصر النافع) حيث قال:· لو افتقر إلى الجراح أو القتل لم يجز إلا بإذن الإمام أو من نصبه . 5

وقال الشهيد الأول في :(الدروس - كتاب الحسبة) :· اما الجرح والقتل فالأقرب تفويضهما إلى الإمام

وقال المحقق الكركي في :( جامع المقاصد):· لو افتقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الجراح أو القتل ، ففي الوجوب مطلقا أو بأذن الإمام ؟ قولان ، أحدهما قول السيد المرتضى : لا يشترط إذن الإمام ، والثاني: الاشتراط ، لما يخشى من ثوران الفتنة ، وهو الأصح ، فعلى هذا هل يجوز للفقيه الجامع للشرائط ان يتولاه في زمان الغيبة؟ ينبغي بناؤه على جواز إقامة الحدود . 6

وقال الشيخ بهاء الدين العاملي في:( جوامع عباسي):· إذا احتاج إلى الجرح ، فيحتاج إلى إذن الإمام؟ .. الأصح : انه يحتاج إلى إذن الإمام . 7

وقال الشيخ محمد حسن النجفي في :( جواهر الكلام):· عدم جواز الجرح أو القتل إلا بأذن الإمام ، وكيف كان فلو افتقر (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إلى الجراح أو القتل هل يجب؟ .. قيل :نعم يجب ، وقيل: ... لا يجوز إلا بأذن الإمام (ع) بل في (المسالك) هو اشهر ، بل عن (الاقتصاد): الظاهر من شيوخنا الامامية ان هذا الجنس من الإنكار لا يكون إلا للأئمة (ع) أو لمن يأذن له الإمام (ع) فيه. وهو الأظهر ، للأصل السالم عن معارضة الإطلاق المنصرف إلى غير ذلك . 8

والى جانب رأي هؤلاء العلماء كان ثمة رأي آخر ابتدأه السيد المرتضى في القرن الخامس الهجري ، وأيده آخرون قالوا بعدم الحاجة إلى إذن الإمام ، وجواز ارتكاب القتل والجرح من قبل عامة الناس ، وسوف نتطرق إلى آرائهم بالتفصيل في الفصل القادم . وربما كان رأي العلماء الرافضين الذين اشترطوا إذن الإمام ، على جانب من الموضوعية والصحة خوفا من الوقوع في الفتنة وإجازة القتل والجرح لكل أحد ، ولكن الإشكال كان يكمن في تفسيرهم ل :(الإمام) بالإمام (المعصوم) الذي هو :( الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) ، وليس بالإمام المطلق الذي يعني الرئيس والحاكم ، أو الدولة ، ولو كانوا قد فسروا كلمة ( الإمام ) بالمعنى الثاني لكانوا توصلوا إلى إقامة القانون بصورة كاملة ولم يعلقوا أي جزء منه في (عصر الغيبة) ، وبما انهم قد فعلوا ذلك وحصروا الحق الشرعي في إقامة الدولة في الإمام المعصوم الغائب ، فقد كانوا مضطرين إلى تجميد العمل بالجوانب الحيوية ، والمراحل العليا من قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وبالرغم من قيام الشيخ الكركي بتزعم الدولة الصفوية روحيا واعطاء الملك الشيعي (طهماسب بن اسماعيل) إجازة في الحكم باسم الإمام المهدي باعتباره (الكركي) نائبا عاما عنه (المهدي) ، إلا انه تردد في تطبيق مرحلة القتل والجرح ، واعتبر اشتراط إذن الإمام اصح القولين ، وذلك لأنه لم يكن يعتقد بشرعية إقامة الدولة بصورة كاملة في (عصر الغيبة) كما يظهر من مجموع فتاواه المتعلقة بالشؤون السياسية ، والتي سوف نستعرضها في الفصول التالية.

وعلى أي حال ، فقد أدى هذا الموقف السلبي من :(قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إلى نشوء ظاهرة الانسحاب السياسي عند قطاع واسع من الشيعة الامامية ، وضعف المشاركة الشعبية في التغيير الاجتماعي ، وقد تمثل ذلك بصورة جلية في إحجام عدد من الفقهاء الذين تسلموا زمام المرجعية الشيعية العامة عن خوض العمل السياسي أو التصدي للظلمة والطواغيت .

ومن الواضح ان السبب الرئيسي كان يكمن في الموقف السلبي من تشكيل الدولة الإسلامية في (عصر الغيبة) وتحريم مزاولة العمل السياسي بعيدا عن دائرة ( الإمام المعصوم) ، فبالرغم من قول كثير من الفقهاء بنظرية:( نيابة الفقيه العامة) أو ( ولاية الفقيه) ومساهمتهم في التعاون مع بعض الدول ·الشيعية التي قامت في التاريخ ، كالدولة البويهية والدولة الصفوية والقاجارية ، إلا ان كثيرا منهم ظل على موقفه السلبي من ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقترنة بالجرح أو القتل ، إلا بأذن (الإمام المعصوم) أي (الإمام المهدي الغائب) .

الموقف من إقامة الحدود

 وقد انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ، فبما ان المسلمين يجمعون على ان تنفيذ الحدود واقامتها من مهام الامام (اي الدولة) وبما ان اولئك العلماء كانوا يعتقدون ان الشخص الوحيد الذي يحق له تأسيس الدولة الإسلامية هو :(الامام المهدي الغائب) فقد اضطروا الى تعليق مهمة تنفيذ الحدود عليه فقط ، وتحريم اقامتها لغيره .. وقد أدى هذا الموقف الى تجميد العمل بالحدود في (عصر الغيبة) والانتظار الممتد الى خروج الامام المهدي .

وقد أفتى السيد المرتضى بذلك في (رسائله) وعلّق تطبيق الحدود على المجرمين حال غيبة الامام حتى يظهر ، وقال:· ان ظهر الامام والمستحق للحدود باقٍ وهي ثابتة عليه بالبينة والإقرار استوفاها منه ، وان فات ذلك بموته كان الإثم على من أخاف الامام وألجأه الى الغيبة ، وليس ينسخ الشريعة في إقامة الحدود ، لأنه انما يكون نسخا لو سقط فرض إقامتها مع التمكين وزوال الأسباب المانعة من أقامتها ، واما مع عدمه والحال ما ذكرنا فلا . 1

ونفى ان تكون الامة مخاطبة بتنفيذ الحدود حتى تكون مذمومة بتضييعها ، وقال:· ان اقامة الحدود من فرض الأئمة (ع) وعباداتهم

التي يختصون بها . 2

ورفض الشيخ الطوسي في (الغيبة) اعتبار تجميد الحدود في عصر الغيبة بمثابة السقوط ، وأصرّ على انها باقية في جنوب مستحقيها ، فان ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة او الاقرار ، وان كان فات ذلك بموته ، كان الأثم في تفويتها على من أخاف الامام وألجأه الى (الغيبة) ، ولم يعتبر ذلك نسخا لاقامة الحدود · لأن الحد انما يجب إقامته مع التمكن وزوال المانع ، ويسقط مع الحيلولة ، وانما يكون ذلك نسخا لو سقط اقامتها مع الامكان وزوال المانع . 3

وقال في :(النهاية) :· اما اقامة الحدود .. فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . 4

 وقد استثنى ( المفيد والمرتضى والطوسي) حالات خاصة هي إقامة الحدود على الأهل والأولاد والعبيد مع أمن الضرر ، وفيما اذا اجبر الحاكم الظالم أحدا على إقامة الحدود . 5

وعلق ابو الصلاح الحلبي في :( الكافي في الفقه) مهمة تنفيذ الأحكام الشرعية ، بصورة أولية ، على الأئمة ( عليهم السلام) وقال: انها من فروضهم المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك . وذكر عدم جواز تولي عامة الناس غير الشيعة إقامة الحدود ، ولا التحاكم اليه ، ولا التوصل بحكمه الى الحق ولا تقليده الحكم مع الاختيار ، الا لمن تكاملت له شروط النيابة عن الامام . 6

واشترط القاضي ابن براج في (المهذب) إذن الامام المعصوم في تنفيذ الحدود في عصر الغيبة. 7

والقى الشيخ علاء الدين ابو الحسن الحلبي في :(إشارة السبق) الإثم في تعطيل الحدود في عصر الغيبة على من أحوج الامام (المهدي) الى الغيبة ، مع بقائها في ذمم من تعلقت به . 8

وقال الشيخ محمد بن ادريس الحلي ( توفي سنة 598ه ) في :(السرائر) :· اما إقامة الحدود فليس يجوز لأحد إقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . وقد روي : ان من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل اليه إقامة الحدود جاز له ان يقيمها .. ويعتقد انه انما يفعل ذلك بأذن سلطان الحق . والأولى في الديانة ترك العمل بهذه الرواية ، بل الواجب ذلك .. لأن الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعا : انه لا يجوز إقامة الحدود ، ولا المخاطب بها الا الأئمة ، والحكام القائمون بأذنهم في ذلك ، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض لها على حال ، ولا يرجع عن هذا الإجماع بأخبار الآحاد ، بل بإجماع مثله او كتاب او سنة متواترة مقطوع بها . 9

 وقد رفض المحقق الحلي في :(شرائع الإسلام) جواز إقامة الحدود لأي أحد ما عدا الامام المعصوم او من نصبه لاقامتها. وتردد في جواز إقامة الرجل الحد على ولده وزوجته ، واختار من باب الاحوط عدم جواز التولي للجائر القامة الحدود حتى وان نوى انه يفعل ذلك بأذن الامام الحق . 10

وقال في :( المختصر النافع): · الحدود لا ينفذها الا الامام او من نصبه . 11

وقال في :(تذكرة الفقهاء): · لا يجوز لأحد إقامة الحدود الا الامام او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما اقامتها على حال . 12

 وقال محمد بن الحسن الحلي ، صاحب :( إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد):· لو جاز إقامة الحدود في عصر الغيبة لجاز الجهاد من غير أذن الامام (ع) لكن التالي باطل إجماعا فالمقدم مثله ، والملازمة ظاهرة . 13

وكان المقدس الاردبيلي قد رفض أيضا إقامة الحدود في (عصر الغيبة) وقال في (مجمع الفائدة والبرهان ) : · الظاهر: عدم الخلاف في عدم جواز إقامة الحدود الا بأذنه (ع) بالرغم من قوله :· لا ينبغي التردد في جواز قيام المتولي من قبل الجائر بتنفيذ الحدود معتقدا نيابة الامام اذا كان مجتهدا . 14

وقال الملا محمد باقر السبزواري في :(كفاية الاحكام) :· اما إقامة الحدود فللإمام او من يأذن له . 15

و رفض الشيخ بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد الذي اصبح شيخ الإسلام في اصفهان في زمان الشاه عباس الكبير ، إقامة الحدود في (عصر الغيبة) اذا أدت الى القتل او الجرح . 16

أذن فان نظرية (التقية والانتظار) قد انعكست على جوانب الحدود وجمدت تطبيقها في (عصر غيبة الامام المهدي) بصورة أولية.

تحريم الجهاد في عصر الغيبة

وقد نتج عن الالتزام بنظرية (الانتظار) وتفسير شرط (الامام) المجمع عليه في وجوب الجهاد ، بمعنى :( الامام المعصوم) بالإضافة الى ما سبق ، تعطيل الجهاد في :(عصر الغيبة) . فقد اشترط الشيخ الطوسي في :(المبسوط) في وجوب الجهاد : ظهور الامام العادل الذي لا يجوز لهم القتال الا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور من نصبه الامام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الامام ظاهرا ولا من نصبه الامام حاضرا ، وقال: ·ان الجهاد مع أئمة الجور أو من غير امام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما .

واستثنى من ذلك حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الإسلام وجميع المؤمنين إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام ، واشترط عدم القصد في هذه الحالة : الجهاد مع الامام الجائر ولا مجاهدتهم ليدخلهم في الإسلام ، وقال: · ان المرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير وثواب جزيل ، غير ان الفضل فيها يكون في حال كون الامام ظاهرا .. ومتى لم يكن الامام ظاهرا لم يكن فيه ذلك الفضل ، فان نذر في حال استتار الامام وانقباض يده عن التصرف : ان يرابط ، وجب عليه الوفاء ، غير ان حكمه ما ذكرناه من انه لا يبدأ العدو بقتال ، وانما يدفعهم إذا خاف سطوتهم ، وان نذر ذلك في حال انقباض يد الامام صرف ذلك في وجوه البر . 1

وقال حمزة بن عبد العزيز (سلار ) في :(المراسم ):· اما الجهاد ، فالى السلطان أو من يأمره السلطان . 2

وعلق ابو الصلاح الحلبي ( 373 - 447) في :(الكافي في الفقه) الجهاد على وجود الامام المهدي وقيادته . 3

واشترط الشيخ سعد الدين عبد العزيز بن نحرير بن براج الطرابلسي القاضي ( 400 - 481) في كتابه :( المهذب) في وجوب الجهاد ، ان يكون مأمورا به من قبل الامام العادل أو من نصبه الامام . وحرم الخروج الى الجهاد في حالة عدم وجود الامام أو نائبه الخاص ، وقال :· ان الجهاد مع أئمة الكفر ومع غير امام اصلي أو من نصبه قبيح يستحق فاعله العقاب ، فان أصاب كان مأثوما وان أصيب لم يكن على ذلك أجر وقال:· ان المرابطة في حال ظهور الامام (عليه السلام) فيها فضل كثير ، ومتى نذر إنسان المرابطة ، والإمام ظاهر وجب عليه الوفاء بذلك ، فان نذر ذلك في حال استتار الامام صرفه في وجوه البر ، وإذا اخذ إنسان شيئأ من غيره لينوب عنه في المرابطة وكان الامام مستترا كان عليه رد ذلك ، فان لم يجده رده على وارثه . 4

وقال الشيخ علاء الدين ابو الحسن الحلبي في :(إشارة السبق ) :· اما الكلام في الجهاد فهو فرض على الكفاية ، وشرائط وجوبه ... مع امام الأصل ، به أو من نصبه وجرى مجراه . 5

وكذلك قال الشيخ ابو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة في :(الوسيلة الى نيل الفضيلة ):· إنما يجب الجهاد بثلاثة شروط... أحدها: حضور امام عدل ، أو من نصبه الامام للجهاد ... ولا يجوز الجهاد بغير الامام ولا مع أئمة الجور . 6

وقال السيد حمزة بن علي بن زهرة الحسيني المعروف بأبي المكارم ( 511ه - 585ه ) في (الغنية) :· الجهاد يجب بأمر الامام العادل ، به أو من ينصبه الامام ، أو من يقوم مقام ذلك ، من حصول خوف على الإسلام أو على النفس أو الاموال ، ومتى اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف اعلمه . 7

و اعتبر ابن ادريس : ·ان الجهاد مع الأئمة الجوّار أو من غير امام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، ان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما ، وقال: ان المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك امام عادل ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الامام . 8

وقد اشترط المحقق الحلي في (شرائع الإسلام) وجود الامام أو من نصبه للجهاد في وجوب فرضه . (9) وقال في :(المختصر النافع):

· لا يجوز الجهاد مع الامام الجائر ، الا ان يدهم المسلمين من يخشى منه على بيضة الإسلام . 10

وصرح يحيى بن سعيد في :(الجامع للشرائع) بحرمة الجهاد من دون اذن امام الأصل ، وان وجوبه مشروط بحضور الامام داعيا اليه أو من يأمره . 11

ومع قوله باستحباب الرباط ، فانه أفتى بعدم المرابطة ، ورد المال الموصى به للمرابطة في حال انقباض يد الامام ، أو المرابطة وعدم القتال الا في حالة الدفاع عن بيضة الإسلام. 12

وقسّم العلامة الحلي في (تحرير الأحكام ) و(تذكرة الفقهاء ) الجهاد الى قسمين: الأول: الدعاء الى الإسلام ، والثاني: الدفاع عن المسلمين ، واشترط في الأول أذن الامام العادل أو من يأمره الامام . 13

وجوّز المرابطة حال استتار الامام (المهدي) ولكنه لم يجوّز القتال الا في حالة الدفاع عن النفس وعن الإسلام ، لا الجهاد. (14) واعتبر العلامة في :(تذكرة الفقهاء) القتال مع غير الامام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ! 15

واشترط في :(الألفين) ان يكون الرئيس المكلف بقيادة الجهاد معصوما ، لأن الجهاد فيه سفك الدماء وإتلاف الأموال ، فلا بد من ان يتيقن صحة قوله . وتساءل باستغراب : كيف يقاتل وغير المعصوم لا يحصل الوثوق بقوله فتنتفي فائدة التكليف؟! 16

وقال في شرح قول الله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) :·انه أمر بالقتال ، فلا بد فيه من نصب رئيس ، إذ القتال من دونه محال ، ولا بد ان يكون منصوبا من قبل الله تعالى ، والا لزم الاختلاف والهرج والمرج وتجاذب الاهوية ، وذلك ضد القتال ، لأنه موقوف على الاتفاق ورفع النزاع ويستحيل من الله تعالى تحكيم غير المعصوم (17) وقال:· القتال في سبيل الله لا يتم الا بالامام المعصوم ، إذ لا يتعين دعاؤه الى الله تعالى الا إذا كان معصوما ، وان قبول قول غير المعصوم إلقاء باليد الى التهلكة خصوصا في الجهاد ، فلا يجب .(18) كما قال بعدم جواز القتال مع غير المعصوم ، لأن امتثال أوامر غير المعصوم في القتال وغيره لا يعلم انه في سبيل الله ولا صوابه ، والمقطوع به مقدم على المظنون . 19

وإضافة الى ذلك بحث العلامة الحلي مسألة قتال اهل البغي الذين يخرجون على الامام الذي يجب إتباعه ، ويصير الإنسان باغيا بالخروج عليه ، فاشترط في الامام أمورا عديدة وذكر منها العصمة والنص . (تذكرة الفقهاء ص 453) وأكد هذا المعنى مرة أخرى فقال:· الإمامة عندنا تثبت بالنص ، لا بالإجماع ولا الاختيار ، وكل من خرج على امام منصوص على إمامته وجب قتاله . 20

وقال المقداد السيوري في (كنز العرفان): · الجهاد المأمور به انه هو الجهاد مع الامام المعصوم ، لا اي جهاد كان . 21

وهكذا اشترط الشهيد الأول في :( الدروس الشرعية في فقه الامامية) في وجوب الجهاد ، دعاء الامام العادل أو نائبه ، وصرح بعدم جواز الجهاد مع الجائر اختيارا ، الا ان يخاف على بيضة الإسلام. 22

وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين ، فانه رفض تعديل الحكم في (عصر الغيبة) وحصر في :( جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الامام أو نائبه ، وفسر المراد بالنائب ، ب : (نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الامام وتمكنه ، لا مطلقا) . 23

ومن هنا فقد رفض الشهيد الثاني (911 - 966) أيضا في :( مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام ) إعطاء الفقيه ( المنصوب للمصالح العامة حال الغيبة) صلاحية مباشرة الجهاد ، واشترط وجود الامام أو من نصبه للجهاد خاصة ، أو بشكل عام يدخل في ولايته الجهاد ، واخرج الفقيه (النائب العام) من ذلك. 24

وقد وافق المولى احمد المقدس الاردبيلي ( - 993) في :( مجمع الفائدة والبرهان) العلامة الحلي في اشتراط وجوب الجهاد بوجود الامام أو من نصبه. 25

واغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه :( جامع عباسي) وفسر (سبيل الله ) في (عصر الغيبة) : ببناء الجسور والمساجد والمدارس . 26

ولم يخصص السيد محمد جواد الحسيني العاملي في :(مفتاح الكرامة) كتابا للجهاد ، ولكنه روى بعض الأحاديث عن الامام الصادق والإمام أمير المؤمنين (ع) من قبيل: لا غزو الا مع امام عادل . وان خرجوا على امام عادل فقاتلوهم ، وان خرجوا على امام جائر فلا تقاتلوهم . 27

وحصر السيد علي الطباطبائي في :(رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل) : وجوب الجهاد مع وجود الامام العادل وهو المعصوم عليه السلام أو من نصبه لذلك ، اي النائب الخاص المنصوب للجهاد أو لما هو أعم . أما العام كالفقيه ، فقال: · انه لا يجوز له ولا معه الجهاد حال الغيبة بلا خلاف اعلمه . وأكد : ان النصوص متظافرة من طرقنا بل متواترة منها :ان القتال مع غير الامام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ، ومنها: لا غزو الا مع امام عادل ، والجهاد واجب مع امام عادل . 28

وأشار السيد محمد بن علي الطباطبائي ( -1009) في :( مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام) الى وجوب الجهاد الدفاعي في حال الغيبة ، وذلك إذا دهم المسلمين - والعياذ بالله - عدو يخاف منه على بيضة الإسلام ، لا للدعوة الى الإسلام ، فان ذلك لا يكون الا مع الامام (ع). 29

واعرض الشيخ يوسف البحراني ( - 1186) في :(الحدائق الناضرة) عن بحث موضوع الجهاد وما يتبعه · لقلة النفع المتعلق به الآن تبعا لبعض الأعيان ، وإيثارا لصرف الوقت فيما هو أحوج أحق لأبناء الزمان . 30

وصرح الشيخ جعفر كاشف الغطاء في :(كشف الغطاء) باشتراط حضور الامام أو نائبه الخاص دون العام في وجوب الجهاد الذي يراد به الجلب الى الإسلام . واعتبر ان ذلك مخصوص بالنبي وخلفائه (ع) وبمن نصبوه بالخصوص دون العموم . 31

وذكر الشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266) في :( جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) نصوصا كثيرة حول اشتراط وجود الامام عليه السلام في وجوب الجهاد ، وقال: ان مقتضاها كصريح الفتاوى ، عدم مشروعية الجهاد مع الجائر وغيره (العادل غير المعصوم) بل في :(المسالك) وغيرها : عدم الاكتفاء بنائب الغيبة ، فلا يجوز له توليه ، بل في :(الرياض) : نفي علم الخلاف فيه حاكيا له عن ظاهر (المنتهى) وصريح(الغنية) الا من احمد في الأول ، وظاهرهما الإجماع ، مضافا الى ما سمعته من النصوص المعتبرة وجود الامام . 32

وأكد النجفي : عدم إذن (الأئمة)للفقهاء في زمن الغيبة بجهاد الدعوة المحتاج الى سلطان وجيوش وامراء. وادعى علم الأئمة بعدم الحاجة اليه والى بعض الأمور المشابهة في (عصر الغيبة) وقصور اليد فيها عن ذلك. وربط بين إمكانية الجهاد في عصر الغيبة وبين ظهور دولة الحق ، اي دولة (الامام المهدي) الذي لم يختف الا تحت وطأة الخوف . 33

ولم يتحدث السيد كاظم اليزدي ( - 1919) عن الجهاد في :(العروة الوثقى) وفسر (سبيل الله) الوارد في مصارف الزكاة ، بأنه: جميع سبل الخير كبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها وتخليص المؤمنين من يد الظالمين ونحو ذلك من المصالح كإصلاح ذات البين ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين ، وكذا إعانة الحجاج والزائرين وإكرام العلماء والمشتغلين مع عدم تمكنهم من الحج والزيارة ، والاشتغال ونحوها ، من أموالهم. 34

ويعلق الامام الخميني على تفسير اليزدي في حاشية (العروة الوثقى) بقوله: · لا يبعد ان يكون سبيل الله هو المصالح العامة للمسلمين والإسلام ... لا مطلق القربات كالإصلاح بين الزوج والزوجة والوالد والولد .

ولا يذكر احد من العلماء المعاصرين كالكلبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري ، الذين يعلقون على (العروة الوثقى) شيئا عن الجهاد ، أو تفسير كلمة (سبيل الله) به.

ومن هنا ، وإذا استثنينا عددا محدودا جدا من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد وربطه بالإمام العادل المعصوم ، يكاد يكون إجماع الفقهاء الامامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد ، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من اجل ذلك ، وخاصة لدى العلماء الأوائل . وقد تطرف الشيخ المفيد فروى في :(الاختصاص) رواية مرسلة عن ابي الحسن (ع) تجيز الغزو مع الكفار ضد الحكام المسلمين . 35

 ومن الواضح ان هذا الموقف السلبي من الجهاد كان يبتني على نظرية :(التقية والانتظار) المنبثقة من الإيمان بنظرية :(وجود الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري وغيبته) وتعليق كل مهام الدولة عليه ، وعدم جواز مزاحمته بالقيام بمسئولياته. وقد أدت تلك النظرية التي التزم بها الفقهاء القائلون بنظرية :(التقية والانتظار) عمليا خلال اكثر من الف عام ، الى إلغاء واجب مهم من واجبات الإسلام وهو :(الجهاد) .

الموقف من الزكاة

وإضافة الى تلك الجوانب السياسية التي علقها الفقهاء الذين آمنوا بنظرية (الانتظار) في عصر الغيبة ، فقد علقوا أيضا الجوانب الاقتصادية التي ترتبط بالدولة ، كالزكاة والخمس والأنفال والخراج وما شابه..

ولم يعطل أولئك الفقهاء قانون الزكاة بالمرة ، ولكنهم عطلوا بعض موارد صرفها ، وهي الموارد التي تتعلق بشؤون الدولة و (الامام) فقد أجازوا لمن وجبت عليه الزكاة ان يتولى إخراجها من ماله وتوزيعها بنفسه ، وذلك عند فقد الامام والنائبين عنه ، وتعذر إيصالها اليه . 1

وقال الشيخ الطوسي عن سهم المؤلفة قلوبهم :· ان للامام ان يتألف هؤلاء القوم ويعطيهم ان شاء من سهم المؤلفة قلوبهم ، وان شاء من سهم المصالح ، لأن هذا من فرائض الامام وفعله حجة ، وليس علينا في ذلك حكم اليوم (في عصر الغيبة).. فان هذا قد سقط ، على ما بينا ، وفرضنا تجويز ذلك . (2) وقال كذلك عن سهم (سبيل الله) من مصارف الزكاة ، حيث حصر المنفذ للغزاة بالامام أو خليفته . 3

وأفتى الطوسي في :(النهاية) بتوزيع الزكاة في (عصر الغيبة) في خمسة أصناف ، واسقط سهم المؤلفة قلوبهم وسهم السعاة وسهم الجهاد ، لأن هؤلاء لا يأخذون الا مع ظهور الامام ، ولأن المؤلفة قلوبهم إنما يتألفهم الامام ليجاهدوا معه ، والسعاة إنما يكونون من قبله في جمع الزكوات ، والجهاد أيضا إنما يكون به أو من نصبه الامام ، فإذا لم يكن هو ظاهرا ولا من نصبه ، فُرّقَ فيمن عداهم . 4

و أجاز ابو الصلاح الحلبي في (الكافي في الفقه ) للمكلف الذي تجب عليه الزكاة ان يتولى إخراجها وتفريقها على المستحقين. 5

و أوجب القاضي ابن براج في (المهذب) حمل الزكاة الى الامام إذا كان ظاهرا ، وأجاز في حالة (الغيبة) لمن وجبت عليه ان يفرقها في خمسة أصناف ، واسقط من الأصناف الثمانية التي ذكر انهم يستحقون الزكاة ويصح دفعها إليهم: · من لا يتم الا مع ظهور الامام (عليه السلام) أو من نصبه ، الثلاثة الباقية ، وهم : العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله ، لأن وجودها لا على الوجه الذي معه يستحقون الزكاة . 6

 ومع سقوط نظرية الدولة في الفكر السياسي الشيعي الاثني عشري ، وتحريم إقامتها في (عصر الغيبة) تعامل علماء القرن السادس الهجري مع موضوع الزكاة من ثلاثة جوانب ، فأوجبوا الزكاة من ناحية ، وأمروا المكلفين بإخراجها وتوزيعها بأنفسهم لعدم وجود الإمام الشرعي ، من ناحية ثانية ، واسقطوا حصص العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والجهاد ، من ناحية أخرى .

هكذا فعل ابن حمزة في (الوسيلة الى نيل الفضيلة )، وهكذا قال ابن ادريس في (السرائر) :· لأن المؤلف إنما يتألفه الامام ليجاهد معه ، والعامل إنما يبعثه الامام لجباية الصدقات ، اما ( سبيل الله) فهو كل ما يصرف في الطريق التي يتوصل بها الى رضى الله وثوابه . 7

وقال المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن في (شرائع الاسلام ) و (المختصر النافع) بسقوط نصيب الجهاد ، وصرفه في المصالح ، وسقوط سهم السعاة وسهم المؤلفة قلوبهم ، والاقتصار بالزكاة على بقية الأصناف ، وذلك مع فقد الامام كما في حالة (الغيبة). 8

وقد استعرض المقداد بن عبد الله السيوري الحلي في :(كنز العرفان في فقه القرآن) مختلف الأقوال حول (سهم المؤلفة قلوبهم) بعد رسول الله (ص) وروى عن الامام الباقر (ع) انه قال:·من شرطه ان يكون هناك امام عادل يتألفهم على ذلك وقال: ان فتوى أصحابنا حال الغيبة على اختصاصه بزمان النبي (ص) . 9

وبالرغم من رعاية المحقق الكركي للدولة الشيعية الصفوية ، واعطاء الشاه (طهماسب) الإجازة في الحكم نيابة عنه باعتباره نائبا عن الامام المهدي ، الا انه التزم بنظرية :(التقية والانتظار) واسقط في (جامع المقاصد) سهم المؤلفة والساعي والغازي حال الغيبة ، الا مع الحاجة الى الجهاد. 10

وقال في المطلب الثاني في المخرج، بتخيير المالك بين الصرف الى الامام والى المساكين وبقية الأصناف ، وباستحباب دفعها الى الفقيه المأمون حال غيبة الامام . 11

وبالرغم من ان الاردبيلي كان يقول بنوع من (النيابة العامة) الا انه ألغى سهم الغازي في (عصر الغيبة) من الزكاة ، وكذا المؤلفة قلوبهم والعامل على الزكاة ، وشرح وجه سقوط سهم العامل بأنه وكيل الامام (عليه السلام) وان معيّنه هو (عليه السلام) فمع غيبته (عليه السلام) لا يمكن . وأجاز الاردبيلي للمالك ان يتولى إخراج الزكاة بنفسه ، وأفتى باستحباب دفعها الى الفقيه حال الغيبة . 12

واستظهر الاردبيلي إباحة مطلق التصرف في أموال الامام الغائب للشيعة ، خصوصا مع الاحتياج (13) وأفتى بجواز إحياء الأرض الموات بلا حاجة لاستئذان الامام العادل المعصوم مع غيبته . 14

واختار محمد باقر السبزواري في :(كفاية الأحكام) القول المشهور بين الأصحاب ، خصوصا المتأخرين ، انه يجوز ان يتولى المالك الإخراج ، واستعرض الأقوال التي توجب حمل الزكاة الى الفقيه في زمان الغيبة ، فقال: انه أحوط ، وعلى المشهور فالحمل الى الفقيه مستحب . 15

وأوصى الفيض الكاشاني في :( مفاتيح الشريعة) بدفع الزكاة في (الغيبة) الى الفقيه المأمون ، كما أجاز أيضا تفريق المالك لها بنفسه بلا خلاف . 16

وقوى الشيخ جعفر كاشف الغطاء في :(كشف الغطاء) سقوط سهم المؤلفة قلوبهم في زمان الغيبة. وقال باستحباب حمل زكاة الفطرة الى الامام أو نائبه الخاص أو العام (الفقيه) واستضعف القول بالوجوب . 17

وكاد الشيخ محمد حسن النجفي ان يقول في :(جواهر الكلام) بإعطاء العاملين على الزكاة في عصر الغيبة سهمهم من الزكاة ، إذا استعمل المجتهد على جبايتها ، الا انه قال بتوجه السقوط في زمان الغيبة بصورة عامة وحتى إذا استعمل المجتهد على جبايتها ، وذلك باعتبار انسياق العمل الناشئ عن بسط اليد من الأدلة ، وليس ذلك الا في زمان ظهور الامام (ع) وبسط يده. واستشهد بقول الطوسي في :(النهاية) بسقوط سهم المؤلفة وسهم السعاة وسهم الجهاد ، لأن هؤلاء لا يوجدون الا مع ظهور الامام (ع) لأن المؤلفة إنما يتألفهم ليجاهدوا معه ، والسعاة الذين يكونون من قبله في جمع الزكوات . 18

وقال في باب المتولي للإخراج :· أفتى الشيخ الطوسي بوجوب نصب الامام (ع) عاملا للصدقات ، بل في (الحدائق): انه المشهور ، الا انه يمكن حملها على زمان بسط اليد والتسلط ، لا زمان الغيبة وما في حكمها من زمن التقية . .. وكأن المفيد وابا الصلاح وابن البراج اغتروا بتلك النصوص فأوجبوا حملها الى الامام (ع) مع ظهوره ، ومع غيبته : فالى الفقيه المأمون من أهل ولايته ، لأنه القائم مقامه (ع) في ذلك وامثاله ، بل ألحق التقي منهم الخمس وكل حق وجب إنفاقه بها أيضا ، وغفلوا عن النصوص الأخر الدالة على جواز تولي المالك ذلك التي هي فوق التواتر ، بل مضمونها كالضروري بين الشيعة . 19

وقال السيد علي الطباطبائي في :(رياض المسائل ) بسقوط سهم السعاة والمؤلفة - في حالة غيبة الامام (ع) - بلا خلاف ولا أشكال ، حيث لا يحتاج اليهما ، كما في زماننا هذا وما ضاهاه غالبا ، واستشكل فيما لو احتيج اليهما كما إذا تمكن الفقيه النائب عن الامام (ع) من نصب السعاة ، أو دهم المسلمين عدو يخاف منه ، بحيث يجب عليهم الجهاد ويحتاج الى التأليف ، فان الظاهر عدم السقوط هنا. ورفض الإطلاق بالقول بسقوط سهم السبيل على اختصاصه بالجهاد المفقود في هذا الزمان. 20

ولكن السيد محمد بن علي الطباطبائي فرق في :( مدارك الأحكام) بين الجهاد في حالة الغيبة للدعوة الى الإسلام ، فأفتى بعدم وجوبه الا مع الامام (المعصوم) ، وبين الجهاد الدفاعي إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الاسلام ، وبنى حكمه حول سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة على ذلك. وقال: ان الأصح عدم سقوطه لامكان الاحتياج الى التأليف مع عدم وجوب الجهاد في زمن الغيبة. 21

وبما ان الجهاد في (عصر الغيبة) كان محرما حسب نظرية (التقية والانتظار) فان السيد كاظم اليزدي لم يذكر الجهاد في مصارف الزكاة ، في كتابه :(العروة الوثقى) .

وهكذا لم يستبعد السيد الكلبايكاني في حاشيته على (العروة الوثقى) اختصاص إعطاء سهم (المؤلفة قلوبهم ) بالامام (عليه السلام).22

النتيجة:

إذن فان نظرية (التقية والانتظار للمهدي) وعدم جواز إقامة الدولة في (عصر الغيبة) قد أثرت على الجوانب السياسية من الزكاة ، وأدت الى بروز فتاوى بتعطيل صرفها فيما يتعلق بأجهزة الدولة وأعمالها.

الموقف من الخمس والأنفال

لقد كان الشيخ المفيد يعتقد - كما يقول في (المقنعة ) : ان الأنفال لله وللرسول خاصة ، وهي للإمام القائم مقامه من بعده خالصة له كما كانت له (ص) في حياته ، ولا يحق لأحد ان يعمل في شيء من الأنفال الا بأذن الإمام العادل ، فمن عمل فيها بأذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللامام الخمس . 1

ولما كان (الإمام العادل) في المصطلح الامامي - كما يقول الطوسي في :(الخلاف في الفقه ) (2) يعني : (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى ) وانه منذ وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 ه هو (الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري ) الذي ولد سنة 255 ه وغاب بعد ذلك الى اليوم ، فانه يصبح : المالك الحقيقي للأنفال ، وكذلك المالك الحقيقي للخمس ، وهو قانون خاص غير الزكاة يفرضه الشيعة على المغانم والأرباح ، ويعتقدون ان عليهم تقديمه لله وللرسول وللامام ولليتامى والمساكين وابناء السبيل من بني هاشم ، وان سهم الله والرسول وذي القربى يجب تقديمه للإمام (الذي يمثل ذوي القربى ) والذي واليوم (الإمام المهدي المنتظر ) كما يجب إعطاؤه الأسهم الثلاثة الأخرى : اسهم اليتامى والمساكين وابناء السبيل ، لكي يوزعها على الأصناف الثلاثة من بني هاشم . 3

وقد أدى الالتزام بنظرية (الانتظار) الى الوقوع في أزمة حادة في موضوع الخمس والأنفال في (عصر الغيبة) ، فمن جهة : ان الإمام المهدي هو الشخص الوحيد صاحب الخمس والأنفال ، والذي يحق له استلامها وتوزيعها ، ومن جهة أخرى : لا سبيل الى الوصول اليه لأداء حقوقه ، كما لا توجد اية نصوص منه في مسالة توزيعها والتصرف فيها في ظل الغيبة.

 ومن هنا فقد احتار الفقهاء في حكم الخمس والأنفال ، وقد قال الشيخ المفيد في :(المقنعة):· قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة ، وذهب كل فريق منهم الى مقال:

فمنهم من يسقط فرض إخراجه ، لغيبة الإمام ، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار .

و بعضهم يوجب كنزه ، ويتأول خبرا ورد :( ان الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام ، وانه (ع) اذا قام دلّه الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان).

وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب.

وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر ، فان خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصّى به الى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم الى الإمام ، ثم ان ادرك قيامه .. والا وصّى به الى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط الى ان يظهر امام الزمان .

وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ، لأن الخمس حق لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه الى وقت ايابه ، والتمكن من إيصاله اليه او وجود من انتقل بالحق اليه ، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند ذلك سقوطها ، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ، ويجب حفظها بالنفس او الوصية الى من يقوم بإيصالها الى مستحقها من اهل الزكاة من الأصناف .

وان ذهب ذاهب الى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص الإمام وجعل الشطر الآخر لأيتام آل محمد وابناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم يبعد إصابته الحق في ذلك ، بل كان على صواب .وانما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ اليه من صريح الألفاظ ، وانما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة مع إقامة الدليل بمقتضى العقل في الأمر من لزوم الأصول في حظر التصرف في غير المملوك الا بأذن المالك وحفظ الودائع لأهلها ورد الحقوق . 4

ويلاحظ : ان المفيد يكشف عن الحيرة في موضوع الخمس والغموض الذي يلفه ، ويتحدث عن عدم وجود نصوص صريحة من (الإمام المهدي) او غيره حول حكم الخمس في (عصر الغيبة) وهو ما أدي الى ظهور عدد من الأقوال الغريبة المنافية للعقل والقرآن من قبيل إسقاط الخمس او دفنه في الأرض او إلقائه في البحر او عزله والوصية به الى يوم ظهور المهدي ، وهو الرأي الذي اختاره المفيد .

وقد اتخذ الشيخ المفيد هذا الرأي اعتمادا على التزامه بنظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) التي كانت تعني تحريم إقامة الدولة في (عصر الغيبة) او القيام بمسئولياتها ، ومنها استلام الخمس وتوزيعه .

وقد أيد الشيخ الطوسي في :(المبسوط) رأي الشيخ المفيد ، وعزى اختلاف الشيعة في حكم الخمس في (عصر الغيبة) الى عدم وجود نص معين. 5

 واستعرض الطوسي مختلف الآراء ورفض الإباحة بقول مطلق · لأنه ضد الاحتياط ، وتصرف في مال الغير بغير إذن قاطع وأوجب شطر الخمس الى شطرين ودفن الشطر الخاص بالامام ، اوالايصاء به حتى ظهوره . 6

وذهب الشيخ الطوسي في :(النهاية) الى تحليل الخمس للشيعة في حال الغيبة في الأمور التي لا بد لهم منها من المناكح والمتاجر والمساكن ، ورفض التصرف فيما عدا ذلك . 7

 وذكر اختلاف أقوال أصحابنا في حكم الخمس في الكنوز وغيرها ، وذلك لعدم وجود نص معين ، وقال:· لو ان انسانا استعمل الاحتياط وعمل على أحد الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن والوصاية لم يكن ماثوما . 8

 ومن الواضح ان الشيخ الطوسي قد بنى موقفه على أساس الظن والتخمين ، او الاحتياط ، كما بنيت الأقوال الأخرى على ما يشبه ذلك ، ولم يكن يمتلك نصا معينا ، كما يقول . والسبب في ذلك ... هو الإيمان بحصر إقامة الدولة في (الإمام المعصوم) وعدم جواز أقامتها لأي أحد من الفقهاء او غيرهم في (عصر الغيبة).

وقد سجل الشيخ أبو الصلاح الحلبي تقدما في (الكافي في الفقه) فرفض نظرية دفن الخمس ، وافتى بلزوم إخراج الخمس ، ولكنه قال بعزل شطره لولي الأمر (المهدي المنتظر) انتظارا للتوصل اليه ، فان استمر التعذر أوصى حين الوفاة الى من يثق بدينه وبصيرته ليقوم بأداء الواجب مقامه ، واخراج الشطر الآخر الى مساكين آل علي وجعفر وعقيل والعباس وايتامهم وابناء سبيلهم . 9

 والتزم سلار في (المراسم) في كتاب الخمس بنظرية التحليل والإباحة وقال:· ان الأئمة (ع) قد أحلوا الخمس في زمان الغيبة كرما وفضلا للشيعة خاصة .10

 وفصّل القاضي ابن براج في (المهذب) في تحليل الخمس بين المساكن والمناكح والمتاجر ، فأجاز التصرف فيها زمان غيبة الإمام (ع) للشيعة فقط دون غيرهم ، وبين غير ذلك مما يختص به الإمام ، فلم يجز التصرف في شيء منه ، ورجّح نظرية الاحتفاظ بسهم الإمام أيام الحياة الى حين إدراك الإمام المهدي ، ووجوب دفعه اليه بعد الوفاة . ومع انه ذكر أيضا نظرية الدفن المعتمدة على خبر إخراج الأرض لكنوزها عند ظهور القائم ، الا انه قال عن نظرية الاحتفاظ بسهم الإمام من الخمس والايصاء به لحين ظهوره :· انها أحوط واقوى في براءة الذمة . 11

وظلت مشكلة إخراج الخمس وتوزيعه في (عصر الغيبة) تراوح مكانها لدى علماء القرن السادس ، بتأثير الحيرة والازمة الكبرى التي نجمت من جراء حصر المتكلمين الامامة والتنفيذ بالامام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب) وتحريم إقامة الدولة لغيره في (عصر الغيبة) .

وكاد موقف محمد ابن ادريس الحلي ( 543 - 598) ان يكون مطابقا لموقف القاضي ابن براج ، فقد قال في (السرائر) بإباحة الخمس في المساكن والمتاجر والمناكح للشيعة في عصر الغيبة ، وذكر اختلاف أقوال الشيعة لعدم وجود النص ، كما استعرض مختلف الأقوال ورد القول الذي يبيح الخمس بشكل مطلق ، بشدة ، ورفض نظرية الدفن التي قال بها الشيخ الطوسي وغيره اعتمادا على خبر واحد ، واختار نظرية الحفظ والوصية بسهم الإمام من الخمس ، وقال:· الأولى عندي الوصية به والوديعة ، ولا يجوز دفنه ، لأنه لا دليل عليه . وهذا الذي أخبرناه وافتيانا به ، وهو الذي يقتضيه الدين أصول المذهب وأدلة العقول وأدلة الفقه وأدلة الاحتياط . 12

وأكد المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن ( 602 - 676) في :( شرائع الاسلام - كتاب الخمس): ثبوت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر حال الغيبة ، وقال:· لا يجب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس منه . 13

وقد مال الشيخ يحيى بن سعيد الحلي ( 601 - 690) في :(الجامع للشرائع) الى نظرية إباحة الخمس وغيره للشيعة حال الغيبة كرما من الأئمة وفضلا ، وذكر اختلاف الشيعة فيما يستحقه الإمام من الكنوز وغيره ، فاستعرض مختلف الأقوال من الإباحة المطلقة الى الحفظ والوصية والدفن والتفريق والصرف على الفقراء الصالحين ، ولكنه لم يختر رأيا معينا وتردد قائلا: الله اعلم. 14

 اما العلامة الحسن بن المطهر الحلي فقد أكد في :(تحرير الأحكام) إباحة الأئمة لشيعتهم المناكح في حال ظهور الإمام وغيبته ، وقال: ان الشيخ الطوسي قد ألحق المساكن والمتاجر. وافتى بصراحة بعدم وجوب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس منه. 15

واستقرب الشهيد الأول ( -786) في : (الدروس الشرعية): صرف نصيب الأصناف عليهم مستحبا في حال الغيبة ، والتخيير في نصيب الإمام بين الدفن والايصاء ، وصلة الأصناف مع الإعواز ، وأكد إباحة المناكح والمساكن والمتاجر وعموم الأنفال حال الغيبة . 16

واعتبر في :(البيان) القول بحفظ نصيب الإمام الى حين ظهوره من أصح الأقوال ، ورخّص في حال الغيبة : المناكح والمتاجر والمساكن . 17

وبالرغم من ان المحقق الكركي ( - 940) كان قد ابتعد عن نظرية :(التقية والانتظار) خطوات واسعة ، وذلك بتبنيه لنظرية :(النيابة العامة) وقيامه بإعطاء الملك الصفوي (طهماسب بن اسماعيل) إجازة الحكم باسمه كنائب عن الإمام المهدي ، الا انه أفتى في :(جامع المقاصد في شرح القواعد) بالتخيير في نصيب الإمام بين الحفظ بالوصية الى ان يسلم اليه عند ظهوره وبين قسمة حقه على الأصناف ، ولم يقل بوجوب صرف نصيب الإمام على الفقراء والمساكين وابناء السبيل وحاجات الدولة الشيعية الأخرى . 18

وذهب الشهيد الثاني ( 911 - 966) في :(مسالك الافهام): الى إباحة الأنفال بشكل مطلق في حال الغيبة ، وليس إباحة المناكح والمساكن والمتاجر فقط ، وقال: · ان الأصح هو ذلك . 19

ومع إفتائه بملك الإمام للأرض الموات وقت الفتح وعدم جواز أحيائها الا بأذنه ، الا انه اشترط في ذلك وجود الإمام فان كان غائبا فهي ملك للمحيي ولا حاجة للاذن . 20

وتردد محمد بن الحسن الحلي ، في :(إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد) في الموقف من الخمس حال الغيبة ، وخيّر المكلف بين الحفظ بالوصية الى ان يسلم اليه ، وبين صرف النصف الى أربابه وحفظ الباقي ، وبين قسمة حقه على الأصناف. 21

 واستظهر المقدس الاردبيلي ( - 993) في :( مجمع الفائدة والبرهان) : إباحة مطلق التصرف في أموال الإمام الغائب للشيعة ، خصوصا مع الاحتياج ، وقال:· اعلم ان عموم الأخبار ... يدل على السقوط بالكلية في زمان الغيبة والحضور ، بمعنى عدم الوجوب الحتمي فكأنهم (عليهم السلام) اخبروا بذلك فعلم عدم الوجوب الحتمي واضاف:· فلا يرد انه لا يجوز الإباحة لما بعد موتهم (عليهم السلام) فانه مال الغير ، مع التصريح في البعض بالسقوط الى القائم ويوم القيامة. بل ظاهرها : سقوط الخمس بالكلية حتى حصة الفقراء أيضا ، واباحة أكله مطلقا ، سواء أكل من في ماله ذلك او غيره . وهذه الأخبار هي التي دلت على السقوط حال الغيبة وكون الإيصال مستحبا ، كما هو مذهب البعض ، مع ما مرّ من عدم تحقق محل الوجوب الا قليلا ، لعدم دليل قوي على الأرباح والمكاسب وعدم الغنيمة ولكنه استدرك قائلا:· هذا ولكن لا ينبغي الاحتياط التام وعدم التقصير في إخراج الحقوق خاصة حقوق الأصناف الثلاثة .. بل لو صرف حصته (عليه السلام) أيضا في الذرية العلوية أظن عدم البأس وبراءة الذمة بذلك ، وان لم نقدر على الجزم بالوجوب والتضييق بذلك على صاحب الحق للاحتمالات المذكورة ، ولما ذكره الأصحاب من احتمال الدفن والايصاء وغير ذلك . 22

 وافتى المقدس الاردبيلي بجواز احياء الارض الموات بلا حاجة لاستئذان الإمام العادل المعصوم ، مع غيبته . 23

وأكد محمد باقر السبزواري ( 1018 - 1090) في :(كفاية الاحكام) و ( ذخيرة المعاد) إباحة المتاجر والمناكح والمساكن من الأنفال في حال غيبة الإمام للشيعة خاصة دون المخالفين ، ونفى وجود اي خلاف حول إباحة التصرف في ارض الموات وما يجري مجراها ، كما استظهر إباحة سائر الأنفال غير الأرض للشيعة في زمان الغيبة ، وذلك للأخبار الكثيرة. 24

وبعد ان استظهر الإباحة في حكم سائر الأنفال غير الأرض استدرك قائلا في :(ذخيرة المعاد) : او وجب حفظ ما يخص الإمام له الى ظهوره ، او صرف الفقيه له . 25

ورجح سقوط خمس الأرباح في زمان الغيبة ، وقال:· المستفاد من الأخبار الكثيرة في بحث الأرباح كصحيحة الحرث بن المغيرة النضري وصحيحة الفضلاء وصحيحة زرارة وصحيحة علي بن مهزيار وصحيحة ضريس وحسنة الفضيل ورواية محمد بن مسلم ورواية داود بن كثير ورواية الحرث بن المغيرة ورواية معاد بن كثير ، ورواية اسحق بن يعقوب ورواية عبد الله بن سنان ورواية حكم مؤذن بني عبس : إباحة الخمس للشيعة. وتصدى للرد على بعض الاشكالات الواردة على هذا الرأي وقال: · ان أخبار الإباحة أصح أصرح فلا يسوغ العدول عنها بالأخبار المذكورة ، وبالجملة : ان القول بإباحة الخمس مطلقا في زمان الغيبة لا يخلو عن قوة . 26

ولكن السبزواري احتاط أخيرا استحبابا بصرف جميع الخمس على الأصناف الموجودين .

وهكذا فعل محمد حسن الفيض الكاشاني في :(مفاتيح الشريعة) حيث اختار نظرية سقوط ما يختص بالامام المهدي الغائب ، لتحليل الأئمة ذلك للشيعة ، وأوجب صرف حصص الباقين الى اهلها ، واستحسن احتياطا صرف الكل اليهم . 27

وقد ذكر الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227) في :(كشف الغطاء) : تحليل الأئمة الأنفال للامامية من شيعتهم. 28

وبحث الشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266) في :( جواهر الكلام) حكم أموال الإمام (ع) في زمان الغيبة ، بشكل مفصل ، وقال بعد ان استعرض الأخبار التي تحلل الخمس للشيعة:· وكيف كان فسبر هذه الأخبار المعتبرة الكثيرة التي كادت تكون متواترة ، المشتملة على التعليل العجيب والسر الغريب ، يشرف الفقيه على القطع بإباحتهم (ع) شيعتهم زمن الغيبة ، بل والحضور الذي هو كالغيبة في قصور اليد وعدم بسطها : سائر حقوقهم (ع) في الأنفال ، بل وغيرها مما كان في أيديهم ، وأمره راجع اليهم مما هو مشترك بين المسلمين ثم صار في أيدي أعدائهم ، اما غير الشيعة فهو محرم عليهم أشد تحريم وابلغه ولا يدخل في أملاكهم شيء منها . 29

وقال في المسألة الثالثة من كتاب الخمس من (جواهر الكلام) :· صرح جماعة بأنه ثبت شرعا إباحتهم (ع) المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة ، وان كان ذلك بأجمعه للإمام (ع) او بعضه فانه مباح ولا يجب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس منه ... وان كان في عباراتهم نوع اختلاف بالنسبة للمباح هو الأنفال او الخمس او الأعم . 30

 واستعرض أقوال العلماء القائلين بالتحليل والسقوط في عصر الغيبة ، وتردد فيها . 31

ثم استعرض أقوال القائلين بالعزل والحفظ والوصية بالخمس الى ان يظهر (الإمام المهدي) ونفى وجود اي دليل على ذلك سوى ما أشار اليه المفيد : من كون الخمس حقا لإمام لم يأمرنا ما نصنع فيه فيجب حفظه له كما في سائر الأمانات الشرعية. 32

ورفض النجفي :· دعوى وجوب دفع حق الإمام (ع) للأصناف الآن من حيث وجوب الإتمام حتى في هذا الزمان وقال :· انها مما لا تستأهل ان يسود بها قرطاس او يستعمل فيها يراع . 33

وقد أباح السيد علي الطباطبائي في :( رياض المسائل) كتاب الخمس : المناكح من الخمس للشيعة ، على الاشهر ، وقال: ان الشيخ ألحق بها المتاجر والمساكن. 34

وقال عن الأنفال :· انها للإمام ولا يجوز لأحد ان يتصرف فيها الا باذنه ، بالنص والإجماع . 35

والتزم السيد محمد علي الطباطبائي (- 1009) بنظرية (التقية والانتظار) فقال في :(مدارك الأحكام) عن الخمس والأنفال في حال الغيبة :· الأصح إباحة الجميع ، كما نص عليه الشهيدان وجماعة ، للأخبار الكثيرة المتضمنة لاباحة حقوقهم في حال الغيبة.. وكيف كان فان المستفاد من الأخبار المتقدمة إباحة حقوقهم (ع) من جميع ذلك . 36

وأباح الشيخ رضا الهمداني ( - 1310) في :( مصباح الفقيه) الأنفال للشيعة في عصر الغيبة وقال:· الذي يقتضيه التحقيق هو ان ما كان من الأنفال من قبيل الارضين الموات والمعادن ورؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وتوابعها مما جرت السيرة على المعاملة معها معاملة المباحات الأصلية ، فلا ينبغي الارتياب في أباحتها للشيعة في زمن الغيبة وقصور اليد عن الاستيذان من الإمام عليه السلام . 37

 الموقف من صلاة الجمعة

وكانت صلاة الجمعة هي المعقل الأخير الذي تأثر بنظرية (الانتظار) حيث كان الشيعة في (عصر الغيبة الصغرى والكبرى) يؤدونها باستمرار ، وبالرغم من سيادة نظرية (الانتظار) منذ أواسط القرن الثالث الهجري وتأثر الجوانب السياسية والاقتصادية سلبا بها ، الا ان صلاة الجمعة بقيت حتى اواسط القرن الخامس بعيدة عن التأثر والانفعال . حيث لم يشترط العماني الحسن بن ابي عقيل (المعاصر للكليني) في وجوب صلاة الجمعة غير تكامل العدد ، ولم يذكر حضور الامام العادل او الامام المعصوم ولا نائبه الخاص ، واكتفى بالقول:· اذا زالت الشمس صعد الامام المنبر ، فاذا علا استقبل الناس بوجهه ، فإذا فرغ المؤذن من اذانه قام خطيبا للناس . 1

ولم يعرف عن احد من علماء القرن الثالث والرابع قولا بمقاطعة صلاة الجمعة باعتبار فقدانها لشرط وجود الامام او اذنه الخاص ، الا ما نقل عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي الذي يقول في (رسالة ) له :· اذا زالت الشمس من يوم الجمعة فلا تصلِّ الا المكتوبة ولكن هذا القول لم يعرف عن الشيخ الصدوق الوالد ، ولم يروه عنه احد من العلماء ، ولم تثبت صحة نسبة الكتاب اليه .

ولم يكن ليحدث في أمر هذه الصلاة العظيمة من جديد لولا التفسير الذي راج عند بعض الفقهاء الامامية في وقت متأخر حول كلمة :( الامام) او (الامام العادل) حيث حصروا معناها ب :( الامام المعصوم) . ولما كانوا يقولون : ان الامام المعصوم غائب في هذا العصر ، وان من شروط إقامة صلاة الجمعة حضور الامام او اذنه ، فقد قال اولئك الفقهاء بافتقاد احد شروط صلاة الجمعة ، وهو إذن الامام المعصوم المهدي المنتظر ، ونتيجة لذلك قال اولئك الفقهاء المؤمنون بنظرية (الانتظار) بحرمة او بعدم وجوب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) .

وقد تحدث الشيخ المفيد في (الارشاد) عرضا عن مهمات الامام المعصوم وضرورة وجوده فذكر من مهماته:( جمع الناس في الجمعات) (2) ، ولكنه لم يشترط بصراحة ان يكون المقيم للجمعة معصوما ، كما لم يسقط وجوب الجمعة في غيبة الامام المعصوم. ولكن تلميذه السيد المرتضى علم الهدى أشار في :(الناصريات) الى ضرورة العدالة في الامام ، وقال:· الذي يذهب اليه اصحابنا في صلاة العيدين انها فرض على الاعيان وتكامل الشروط التي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السلطان العادل (3) وقال في :(الميافارقيات):· لا جمعة الا مع امام عادل او من ينصبه الامام العادل ، فاذا عدم ذلك صليت الظهر اربع ركعات ، ومن اضطر الى ان يصليها مع من لا يجوز امامته تقية وجب عليه ان يصلي بعد ذلك ظهرا اربعا .

ومع ان السيد المرتضى لم يصرح بشرط حضور الامام المعصوم او اذنه ، فان بعض من تأخر عنه قد فسر كلامه بارادة الامام المعصوم من كلمة (العادل) حيث اعتقد انه لا امام عادلا الا الامام المعصوم ، وذلك لعدم جواز إقامة الدولة لغير الامام المهدي المعصوم الغائب ، وضرورة انتظاره . وربما كان السيد المرتضى يقصد ذلك فعلا .

وذكر الشيخ الطوسي في :(الخلاف في الفقه):· ان من شرط انعقاد الجمعة : الامام او من يأمره الامام بذلك من قاض او أمير ونحو ذلك ، ومتى اقيمت بغير امره لم تصح . 4

وقال في :(المبسوط في فقه الامامية ) :· فأما الشروط الراجعة الى صحة الانعقاد ، فأربعة ... السلطان العادل او من يأمره السلطان . (5)

وقال في : ( الجمل والعقود ) :· ومع اجتماع الشرائط لا ينعقد الجمعة الا بأربعة شروط وهي : السلطان العادل او من يأمره السلطان العادل ... . 6

وقال في :(النهاية):· ومن شرائطه ان يكون هناك امام عادل او من نصبه الامام للصلاة بالناس (7) وقال في :(التبيان في تفسير القرآن) :· وعند اجتماع شروط ، وهي كون سلطان عادل او من نصبه السلطان للصلاة . 8

وكان الشيخ الطوسي في كل ذلك يشترط اذن السلطان العادل ، ولم يصرح في واحد من كتبه بهوية هذا السلطان العادل ، ولكن ايمان الطوسي بنظرية(الامامة الإلهية) القائمة على حصر الامامة الشرعية في أهل البيت ، واعتبار السلطان العادل الوحيد هو الامام المعصوم ، وعدم ايمانه بولاية الفقيه ، يعزز من إرادته لمعنى (المعصوم) من كلمة ( الامام العادل) ويشكل مدخلا لربط الصلاة بالامام المعصوم . وهو ما ينسجم مع الموقف العام الذي اتخذه الطوسي من مسألة اقامة الدولة في (عصر الغيبة) وتجميد الجوانب السياسية والثورية والاقتصادية المتعلقة بالامام الغائب .

وقد عبر عن ذلك بصراحة ابو الصلاح الحلبي ( 373 - 447) المعاصر للطوسي ، في :(الكافي في الفقه) حيث قال:· لا تنعقد الجمعة الا بامام الملة او منصوب من قبله ، او بمن يتكامل له صفات امام الجماعة عند تعذر الأمرين . 9

ويلاحظ انه مع تصريحه بربط الجمعة بامام الملة ، اي الامام المعصوم ، الا انه استدرك بإمكانية اقامتها لمن تكاملت له صفات امام الجماعة ايضا ، اي انه لم يحصر جواز الصلاة بحضور الامام المعصوم او اذنه ، ولكن تصريحه هذا شكل مقدمة لمن جاء بعده ، والغى الخيار الثاني وحصرها بالامام المعصوم او اذنه .

ويقول المؤرخون : ان صلاة الجمعة توقفت في عهد الشيخ الطوسي سنة 451ه بعد ان كان الشيعة يدأبون على أدائها في مسجد براثا في بغداد ، وذلك إثر سيطرة السلاجقة على الحكم وسقوط الدولة البويهية ورحيل الطوسي من بغداد الى النجف . 10

وقد قال سلار بعد الغائها باثنتي عشرة سنة في (المراسم ):· ان صلاة الجمعة فرض مع حضور امام الأصل او من يقوم مقامه ... ولفقهاء الامامية ان يصلوا الناس في الاعياد والاستسقاء ، وأما الجمع فلا . وكان رأيه هذا اصرح من السابقين الذين عبروا عنه بالكناية فقط .

وقال القاضي عبد العزيز ابن براج الطرابلسي ( 400 - 481) في (المهذب) :· اعلم ان فرض الجمعة لا يصح كونه فريضة الا بشروط متى اجتمعت صح كونه فريضة جمعة ووجبت لذلك ، ومتى لم تجتمع لم يجب كونه كذلك ، بل يجب كون هذه الصلاة ظهرا . 11

وقال ابن حمزة في (الوسيلة الى نيل الفضيلة) وابن زهرة في (الغنية) والطبرسي في (مجمع البيان في تفسير القرآن)و ابن ادريس في (السرائر) بتعطيل اقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة وعدم وجوبها لانعدام شرط حضور الامام او اذنه الخاص . يقول ابن ادريس في (السرائر):· صلاة الجمعة فريضة... بشروط احدها: حضور الامام العادل او من نصبه الامام . وان إجماع اهل الاعصار على ان من شرط انعقاد الجمعة: الامام او من نصبه الامام للصلاة من قاضٍ او امير ونحو ذلك ، ومتى أقيمت بغيره لم يصح . وان إجماع الفرقة الامامية على ذلك ، وانهم لا يختلفون ان من شرط الجمعة: الامام او من يأمره . 12

وقد بنى ابن ادريس رأيه في تعطيل صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) على تفسير لكلام الشيخ الطوسي في (مسائل الخلاف) من اشتراط الامام ، مع ان الطوسي نفسه لم يصرح بمقصوده هناك ، ولم يشترط صفة العدالة في الامام . ولم يثبت الإجماع عند الشيعة قبل ذلك على معنى (الامام المعصوم) واشتراط حضوره او اذنه بالخصوص في صلاة الجمعة ، كما لم يثبت إجماع المسلمين على اشتراط حضور الامام المطلق في اقامة صلاة الجمعة .

ومن المعروف ان ابن ادريس قاد ثورة على الاعتماد على أخبار الآحاد في الفقه ، وقد تحدث عن ذلك في مقدمة كتابه (السرائر)

واستنكر إضاعة أحكام الدين بالاعتماد على أخبار الآحاد ، ولكنه لجأ هنا الى الاعتماد على (إجماع ) موهوم وغير دقيق وغير حاصل ، وقام في ظل اجواء نظرية (الانتظار) بإلغاء صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) بصراحة.

وقد سار كثير من الفقهاء اللاحقين بعد ذلك ، والى يومنا هذا ، على خطى اولئك العلماء الذين اشترطوا العدالة في الامام وفسروا كلمة (الأمام العادل) بالإمام المعصوم (المهدي المنتظر) ، وانتهوا آلي تعطيل صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، انسجاما مع نظرية (الانتظار) التي تحرم إقامة الدولة الإسلامية لغير الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى.

وبالرغم من قول المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن ( 602 - 676) في موضوع الخمس بجواز استلام الفقيه له باعتباره نائبا عاما عن (الأمام المهدي) في الغيبة ، فقد اضطربت أقواله في موضوع صلاة الجمعة ، ولم يشر آلي موضوع النيابة العامة فيها ، حيث اشترط في :(المعتبر في شرح المختصر) حضور السلطان العادل او نائبه في وجوب الجمعة ، وقال :· انه قول علمائنا . 13

وقال في :(شرائع الإسلام) : انها لا تجب الا بشروط : الأول : السلطان العادل او من نصبه . 14

ولكنه استظهر في المسألة التاسعة : استحباب إقامة صلاة الجمعة اذا امكن الاجتماع ، في حالة عدم وجود الأمام ولا من نصبه للصلاة ، مع انه عبر عن هذا الرأي ب :·قيل وذكر آلي جنبه القول بعدم الجواز. 15

وكذلك فعل في :(المختصر النافع في فقه الامامية ( حيث اشترط حضور السلطان العادل كواحد من الشروط الخمسة. 16

ولكنه عاد فذكر الاستحباب في حالة إمكان الاجتماع والخطبتين في عصر الغيبة ، وأشار آلي منع قوم منها ايضا. 17

واعترف يحيى بن سعيد الحلي ( 601 - 690) في :( الجامع للشرائع) بوجوب صلاة الجمعة ، ولكنه اشترط حضور امام الأصل او من يأمره. (18) ولم يتحدث عن الاستحباب في حالة إمكان الاجتماع والخطبتين.

واشترط العلامة الحلي ( - 762) في :( منتهى المطلب) في وجوب صلاة الجمعة : حضور الأمام العادل ، وفسره ب ·المعصوم واذنه.. وقال:· ان اشتراط الأمام واذنه هو مذهب علمائنا اجمع . 19

وتساءل عن جواز فعل الجمعة اذا لم يكن الأمام ظاهرا؟.. ونقل كلام الشيخ الطوسي في :(النهاية) بجواز ذلك اذا أمن المصلون من الضرر وتمكنوا من الخطبة ، كما نقل قوله في :(الخلاف) بعدم الجواز ، وقال الحلي:· انه اختيار المرتضى وابن ادريس وسلار ، وهو اقوى عندي ، لما تقدم من اشتراط الأمام او نائبه ، فمع الغيبة يجب الظهر لفوات الشرط . 20

وأكد العلامة الحلي في :( تذكرة الفقهاء) :· شرط السلطان او نائبه ، في وجوب الجمعة ، عند علمائنا اجمع ، وقال: كما لا يصح ان ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون اذن الأمام كذا امامة الجمعة ... ولأنه إجماع اهل الاعصار ، فانه لا يقيم الجمعة في كل عصر الا الأئمة . 21

وعاد فذكر · إجماع علمائنا كافة على اشتراط عدالة السلطان وهو الأمام المعصوم او من يأمره بذلك ، خلافا للجمهور كافة .. لأن الاجتماع مظنة التنازع ، والحكمة تقتضي انتفاء ذلك ، ولا يحصل الا بالسلطان ، ومع فسقه لا يزول لأنه تابع في افعاله لقوته الشهوية لا مقتضى الشرع ومواقع المصلحة ، وليس محلا للأمانة ، فلا يكون اهلا للاستنابة . 22

وادعى في :(تحرير الاحكام) : سقوط الوجوب اجماعا ، في حالة عدم ظهور الأمام او نائبه ، وذلك لفقد شرط الأمام العادل او من نصبه ، وتساءل ايضا عن الجواز حينئذ مع امكان الخطبة ، ثم قوى رأي المانعين لها كسلار وابن ادريس . 23

واستعان الحلي في :( مختلف الشيعة في احكام الشريعة) برأي سلار وابن ادريس لتأييد جانب المنع ، وقال: · ان قول السيد المرتضى في :(المسائل الميافارقيات ):· لا جمعة الا مع امام عادل او من نصبه الأمام العادل ، فاذا عدم صليت الظهر اربع ركعات يشعر بعدم التسويغ في حال الغيبة . 24

وقد اكتفى تقي الدين ابراهيم بن علي العاملي الكفعمي في :(المصباح) بذكر السلطان العادل او من يأمره في وجوب صلاة الجمعة ، دون ان يشير آلي جوازها او حرمتها في حالة الاجتماع وامكان الخطبة في ظل (الغيبة) . 25

وقد كان السيد الصدر الكبير الامير نعمة الله الحلي الذي ذهب مع الشيخ الكركي آلي ايران ايام الشاه طهماسب ، واصبح شريكا في الصدارة مع الامير قوام الدين حسين ، لا يؤمن بجواز إقامة صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) · لأنها من اعمال الأمام المهدي ، وقد تباحث حولها مع الشيخ الكركي امام الشاه وجمع من العلماء ، مما أدى بالشاه آلي نفيه آلي بغداد .

وكان السيد نعمة الله الجزائري يرفض إقامة صلاة الجمعة ، لأنه كان يرى فيها اغتصابا لمنصب الأمام (المهدي) ، وكان يصب لعناته على كل من يصلي الجمعة ويقول · لعن الله الظالمين آل محمد حقهم وذلك اعتقادا منه ان إقامة الصلاة من مناصب الامامة التي لا يجوز لغير الأمام اقامتها .

كما عبر الفاضل الهندي محمد بن الحسن (توفي سنة 1062ه ) عن موقف الرفض لاقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة استناداً لنظرية (النيابة العامة) ، وذلك لتناقضها مع نظرية (الامامة الالهية) فقال في (كشف اللثام) في باب صلاة الجمعة ما يلي: · في شروط صلاة الجمعة... الشرط الثاني: السلطان العادل او من ينصبه او يأمره بها . والمراد بالسلطان العادل : الأمام المعصوم ... فمن الضروريات عقلا وشرعا انه لا يحسن الاقتداء بمن لا دليل على إمامته ولا دليل على إمامة غير المعصوم الا اذنه ، بل هو الأمام والامامة منصبه ، فلا يجوز لغيره : الامامة في شيء ، ولا يجوز لنا الايتمام بغيره في شيء الا باذنه واستنابته .

... لكن لا يمكن الاجتزاء بمفردها على التصرف في منصب الأمام خصوصا مع الاجماع الفعلي والقولي على الامتناع من هذا التصرف الا باذنه الخاص .

... ولما بلغ الكلام هذا المبلغ ظهر: عدم جواز عقدها لغير من نصب الأمام بخصوصه.. فلا وجوب عينيا لها ولا تخييريا . 26

وقال:· الامامة من مناصب الأمام فلا يتصرف فيه احد ولا ينوب منابه فيه الا باذنه ، ضرورة من الدين ومن العقل والاجماع فعلا وقولا مع ذلك على توقف الامامة هنا بخصوصه عند ظهوره (ع) على الاذن فيها ، خصوصا او عموما ، بل خصوصا ، ولا اذن الآن كما عرفت ، ولا دليل على الفرق بين الظهور والغيبة حتى يشترط الاذن عند الظهور دون الغيبة ، ولذا ينسب التحريم آلي السيد المرتضى . وما يتوهم من ان الفقهاء مأذونون لإذنهم في القضاء والفتيا ، وهما أعظم ، فظاهر الفساد للزوم تعطل الأحكام وتحير الناس في أمور معاشهم ومعادهم وظهور الفساد فيهم واستمراره ان لم يقضوا او يفتوا . ولا كذا الجمعة اذا تركت.. وايضا : ان لم يقضوا او يفتوا لم يحكموا بما أنزل الله وكتموا العلم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحرمة الجمع مقطوعة ضرورة من الدين .. وان صلوا الجمعة قاموا مقام الأمام واخذوا منصبه من غير اذنه ، فانظر آلي الفرق بين الأمرين!

فما لم يحصل القطع بالإذن كما حصل في سائر الجماعات لم يجز شيء منها كسائر مناصبه ، ولأنه لا ضرورة تدعو اليه .

وصريح المصنف: الإجماع على ان الجمعة انما تجب في (الغيبة) تخييرا ففعلها مردود بين الحرمة والجواز ، وكل أمر تردد بينهما وجب الاجتناب عنه حتى نعلم الجواز .

... ثم الإذن في كل زمان لا بد من صدوره عن امام ذلك الزمان فلا يجدي زمن الغيبة الا اذن الغائب ، ولم يوجد قطعا ، او نص امام من الائمة على عموم جواز فعلها في كل زمان ، وهو ايضا مفقود .

.. لا خلاف لأحد من المسلمين في انه اذا حضر امام الأصل لم يجز لغيره الاقامة فيها الا باذنه .

ولو لم يعم وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يحرم كتمان العلم وترك الحكم بما انزل الله لم يجز للفقهاء الحكم ولا الإفتاء زمن الغيبة الا باذن الغائب ، ولم يكن لهم اذن من قبله وجعله (ع) قاضيا .

... بل عرفت الإجماع قولا وفعلا على اشتراطها زمن الظهور باذنه لخصوص امام في امامتها ، فما الذي اذن فيها في زمن الغيبة؟

على انك عرفت انه لا بد من اذن كل امام لرعيته او عموم الاذن لامام من الأئمة لجميع الأزمان ، ولا يوجد شيء منهما زمن الغيبة . 27

وهكذا كان الفاضل الهندي يرفض إقامة صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) ولا يجيز للفقيه اقامتها لأنه كان يعتبر عمله تجاوزاً على منصب الامامة و اغتصاباً لمهمات (الأمام المعصوم ) .

واذا كان الفاضل الهندي قد انطلق في تحريم صلاة الجمعة في عصر الغيبة من منطلق رفضه لنظرية (النيابة العامة) فان بعض الفقهاء الذين قالوا بنظرية (النيابة العامة) وخاصة في موضوع الخمس ، قد قالوا بالتحريم في موضوع صلاة الجمعة في عصر الغيبة ،واشتراط الإذن الخاص من الأمام فيها ، وذلك كالشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي قال في :(كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء) في شرائط عينية وجوب صلاة الجمعة :·احدها : وجود السلطان العادل المنصوب من قبل الله تعالى من نبي او امام مبسوطي الكلمة لا يختشيان في اقامتها ودعاء الناس اليها من الفسقة الفجرة ، مع المباشرة للامام او تعيين نائب خاص معين ... الا اذا عرض للامام عارض في اثناء الصلاة من موت او عزل او نحوهما او اطلع المأمومون على فسقه فيتعين إتمامها بدون المنصوب ، فيتمونها بنصب من أرادوا من المأمومين او يتقدم من يأتمون به ...

ولا تجب عينا مع الغيبة او الحضور من دون انقياد الأمور وعدم التمكن من النصب ، كما يظهر من ملاحظة السيرة القطعية ، فان امامتها لن تزل في زمن النبي وخليفته وامينه على رعيته من المناصب الشرعية التي لا يجوز فيها القيام الا بعد الاذن من النبي (ص) او الأمام (ع) وكذلك استقرت كلمة العلماء من القدماء والمتأخرين سوى من شذ آلي يومنا هذا ...

وكيف يخطر في نظر العاقل : ان الأمام في زمن التقية يأمر اصحابه بمخالفتها؟.. مع انه ينبغي ان يمنع عن فعلها ، فلا بد من حملها على التقية بإقامة جمعة القوم ، وهي جمعة صحيحة كغيرها من صلوات التقية ، حتى ان اصحابنا مأمورون بأنهم ان استطاعوا ان يكونوا الأئمة كانوا ، وفي كتاب علي: إذا صلوا الجمعة فصلوا معهم . والأوامر الواردة فيها على العموم لا يزيد على ما ورد في الوضوء والغسل الرافعين للحدث ... فلتكن تلك العمومات مخصصة والمطلقات مقيدة.

وعلى كل حال فمقتضى الادلة هو : التحريم ، على نحو ما كان فيما تقدم من الزمان . 28

ويبدو ان الشيخ كاشف الغطاء كان يتردد بين نظريتي :(التقية والانتظار) و (النيابة العامة) ولم يحسم موقفه تماما لهذه الجهة او تلك ، ومن هنا فقد مال آلي تحريم صلاة الجمعة في عصر الغيبة .

وعلى قاعدة هذا التردد بين النظريتين قال السيد محمد رضا الكلبايكاني ( توفي 1413) في :(الهداية آلي من له الولاية ) بوجوب الخمس وضرورة تسليمه آلي الفقيه في عصر الغيبة ، ولكنه توقف في موضوع صلاة الجمعة ، وشكك في اصل التكليف والجواز في عصر الغيبة ، وتشبث بالأصول العملية ، فمال آلي العدم وقال:· لو شك في اعتبار الاذن في شيء ، واحتمل كونه دخيلا في اصل وجوبه ، وتعلق الإرادة به وترتب المصلحة عليه ، كأجراء الحدود واقامة الجمعة ، وغيرها مما يحتمل كونه من الوظائف التي يقوم بها شخص الأمام ، او من هو مأذون منه ، فحينئذ يكون الشك في اصل التكليف فيجري فيه البراءة..

وبالجملة : الإذن المشكوك اعتباره قد يحتمل كونه من مقدمات وجود المكلف به وشرطا فيه ، كما لو علم ان الشارع اراد وجود شيء في الخارج ولم يرض بتركه ، ولكن يشك في انه يعتبر الاذن فيه من نائبه العام او الخاص ؟ أم لا ؟ فيرجع الشك آلي القيد الزائد فيحكم بالأصل على عدم اعتباره .

وقد يحتمل كون الإذن دخيلا في اصل الوجوب وشرطا له ، كما في صلاة الجمعة لقوله تعالى · إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا آلي ذكر الله... لاحتمال كون المنادي هو الأمام ، او المأمور من قبله ، فيكون الشك في اصل التكليف والجواز ، ومقتضى الأصل : عدمه . 29

ويلاحظ هنا : ان الكلبايكاني ألغى وجوب صلاة الجمعة باحتمال كون المراد من المنادي في الآية: الأمام ، وان المقصود بذلك الأمام المحتمل هو الأمام المعصوم ، وان الأمام المعصوم موجود وهو (محمد بن الحسن العسكري) الغائب ، ولما لم يثبت منه الاذن فقد ألغى الوجوب ، ولم يجد الكلبايكاني حاجة في العودة آلي ( نائب الأمام العام : الفقيه) واستئذانه في إقامة الصلاة . وذلك بالرغم من بناء فعل النداء في الآية على صيغة المجهول :( اذا نودي) وليس المعلوم ، بحيث لا يقبل التخصيص بواحد معين امام او غير امام ، وانما يكتفى بحصول النداء وتحققه في الخارج ، كما لا يوجد في الآية اية اشارة آلي كون المنادي اماما ، ولكن ايمان الكلبايكاني بنظرية (الامامة الالهية ) ونظرية (التقية والانتظار) دفعه آلي التشكيك في اصل الجواز والوجوب خلافا لمن سبقه من الفقهاء .

وبالرغم من قول السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي ( 1340 - ) بنظرية :(ولاية الفقيه) في كثير من أبواب الفقه ، وبقوة تصل أحيانا آلي درجة القول بنظرية (الولاية المطلقة) الا انه تمسك بنظرية (التقية والانتظار) في موضوع صلاة الجمعة ، وقال تبعا لذلك بأفضلية الظهر على الجمعة ، معتبرا وجود الأمام المعصوم او نائبه الخاص للصلاة شرطا من شرائط الوجوب ، وقال في :( الفقه - الصلاة) باب صلاة الجمعة في زمان الغيبة :· مسألة 8 : لا اشكال ولا خلاف في وجوب صلاة الجمعة في الجملة بإجماع المسلمين والضرورة من الدين ، لكنهم (الفقهاء) اختلفوا في زمان الغيبة ، حيث لا يكون الأمام حاضرا ولا يوجد نائبه العام ولا نائبه المنصوب للجمعة خاصة ، آلي اقوال ...

ولا اشكال في وجوبها ، وانما الكلام في اشتراطها بالإمام او من نصبه ، فهو مثل ان يقول : الجهاد واجب على كل انسان الا من استثني ، فانه لا ينافي اشتراطه بشرائط خاصة . 30

وقال :· ومما ذكرنا ظهر : ضعف الاستشهاد للوجوب العيني بالاخبار الأخر ، فان ذكر المطلقات في قبال دليل الاشتراط من قبيل التمسك باطلاقات ادلة الجماعة في قبال دليل اشتراط عدالة الأمام . 31

وبناء على ذلك فقد اعتبر القول بالوجوب العيني لصلاة الجمعة في غاية الضعف ، بالرغم من اعترافه بصحة الروايات التي تؤكد على وجوب الجمعة ، لأنها مطلقات لا تنافي الدليل المقيد . 32

وادعى عدم أداء الائمة الاثني عشر ، غير من كان بيدهم الحكم ، ولا اصحابهم لصلاة الجمعة ، وعدم التزامهم بالتقية في ذلك ، ولو كان لبان . كما ادعى جريان سيرة الفقهاء المراجع منذ عصر الغيبة آلي اليوم على الترك الا ما ينقل عن نادر منهم ، واستظهر لذلك عدم وجود اي وجه للاحتياط بالجمع بين الظهر والجمعة ، وان قول جماعة بأفضلية الجمعة مطلقا او بتساويها مع الظهر خلاف ظاهر الدليل. 33

اذن .. فان السر وراء قول معظم الفقهاء الامامية بعدم وجوب او حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، يعود آلي الايمان بنظرية :(التقية والانتظار للامام المهدي الغائب) .

وبالرغم من عدم قول العلماء الأوائل في عصر (الغيبة الصغرى ) والمائة الأولى من :(الغيبة الكبرى) بسقوط وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، فان التفسير المتأخر في القرن الخامس الهجري في عهد السيد المرتضى ومن بعده ، لكلمة :· الأمام العادل وتأويلها بالإمام المعصوم ، وربط ذلك بنظرية :(التقية والانتظار) العامة التي كانت تمد ظلالها على مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية العامة ، انتج القول بضرورة حصول الإذن الخاص من (الأمام المهدي الغائب) في جواز إقامة الجمعة ، ولما كان ذلك متعذرا ومتعسرا في ظل الغيبة ، فقد أدى آلي تجميد هذا الفرض العظيم والغاء وجوب صلاة الجمعة او القول بحرمتها.

وبالرغم من قول الفقهاء الامامية في العصور المتأخرة بنظرية :(النيابة العامة) ونظرية (ولاية الفقيه) إلا ان بعض العلماء لا يزال يتشبث بنظرية (التقية والانتظار) في موضوع صلاة الجمعة ، ويقول تبعا لذلك بحرمتها أو عدم وجوبها عينا في عصر الغيبة.

 فتح باب الاجتهاد وحل عقدة التشريع في (عصر الغيبة)

 لقد أدت نظرية (الانتظار للامام المهدي الغائب) - كما رأينا في الفصل الماضي - آلي غيبة الشيعة الامامية أنفسهم عن مسرح الحياة السياسية ، وذلك بتحريم العمل السياسي واقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، والى انفصام بعضهم عمليا عن الفكر الامامي الذي يشترط العصمة والنص في الأمام ، و ممارسة السلطة بشكل أو بأخر ، مما أدى بكثير من العلماء آلي التراجع عن الفكر الامامي المتصلب والتخلي عن نظرية الانتظار المتشددة ، وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي فتح باب الاجتهاد .

وكان الاجتهاد - كما قلنا في الفصل الماضي - محرما في الفكر الامامي الذي كان يحصر العمليات التشريعية الجديدة في (الأئمة المعصومين ) . ولذلك فقد كانت المدرسة الامامية القديمة اخبارية تحرم الاجتهاد خارج النصوص ، وظلت هكذا آلي فترة طويلة بعد (الغيبة) ، وكان منتهى العمل (الاجتهادي) يدور داخل النصوص والترجيح فيما بينها ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه ، وكانت فتاوى العلماء ، كعلي بن بابويه الصدوق ، مجرد نصوص روايات معتبرة لديهم .

ولكن بعد القول بغيبة (الأمام الثاني عشر) ومرور مدة طويلة على انقطاع الاتصال ب :·مصدر العلم الإلهي وحدوث مسائل جديدة تستوجب الإجابة عليها ، بدأ موقف الامامية من (الاجتهاد) يتطور .. ويتغير ، واضطروا لفتح باب الاجتهاد والقول بجواز القياس . وكان أول من قال بذلك في أواسط القرن الرابع هو الحسن بن عقيل العماني ، المعاصر للكليني ، الذي يصفه الشيخ عباس القمي في :(الكنى والالقاب) بأنه :· أول من هذب الفقه ، واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى و · كان يرى القول بالقياس ويقول باجتهاد الرأي كما يقول النجاشي في رجاله ، و ·اول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة كما يقول الخونساري في :(روضات الجنات) . وكان يشاركه في تلك المدرسة الاجتهادية الرائدة محمد بن احمد بن الجنيد الاسكافي - وهو من مشايخ المفيد - الذي يصفه الخونساري في :(روضات الجنات) بأنه · قد عمل صريحا بالقياسات الحنفية واعتمد على الاستنتاجات الظنية. 1

وقد اعتمدت هذه المدرسة (الأصولية) على بعض الأحاديث الصادرة عن أهل البيت (ع) كالحديث الذي يرويه الحر العاملي : عن الأمام الصادق (ع) انه قال:· إنما علينا ان نلقي اليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا والحديث الذي يرويه عن الأمام الرضا (ع) انه قال:· علينا القاء الأصول وعليكم التفريع (2) أو · التوقيع الذي يرويه الصدوق في :(اكمال الدين) عن (الأمام المهدي) والذي يقول:· واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها آلي رواة أحاديثنا .

ومع ان الشيخ المفيد محمد بن النعمان (توفي سنة 413 ه ) قد رفض مدرسة الاجتهاد في البداية أو في الظاهر ، وردّ على ابن الجنيد في رسالة له ، وانكر في (المسائل الصاغانية) على العماني وابن جنيد اشتغالهم عن حمل الآثار بالرأي والاستحسان ، وهجرانهم مَن أمَر الله تعالى بصلته وأخذ معالم الدين عنه وعن عترة نبيه ، وألّف كتابين في الرد على أستاذه ابن الجنيد الذي كان يحاول ممارسة الاجتهاد . - وقد نقلنا رأيه في الفصل الماضي - فانه قد مارس الاجتهاد في عملياته الفقهية ، مما دفع (الإخباريين) آلي اعتباره من رواد مدرسة الاجتهاد .

 ولكن تلميذه السيد المرتضى علم الهدى (توفي سنة 440 ه ) قد نقح القول في مسألة الاجتهاد ، وافتتح القول بجواز (الاجتهاد) رسميا ، مؤسساً لمدرسة أصولية اجتهادية استمرت حتى اليوم ووضعت نهاية لما عرف بالمرحلة الإخبارية الأولى ، وجاء زميله وتلميذه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (توفي سنة 460 ه ) فمارس الاجتهاد على أوسع أبوابه وكتب (المبسوط في فقه الامامية) ، ثم تلتهما المدرسة الأصولية الحلية ومدرسة جبل عامل وكربلاء والنجف وقم الأصولية المستمرة حتى اليوم .

 ولم تنقرض المدرسة الإخبارية التي نشطت مجددا في القرن الحادي عشر الهجري في إيران والعراق بقيادة الميرزا محمد أمين الاسترابادي ( توفي سنة 1036) الذي شنّ هجوما عنيفا على المدرسة الاجتهادية (الأصولية) في كتابه :(الفوائد المدنية) . وقد تصدى الوحيد البهبهاني زعيم الحوزة العلمية في كر بلاء في نهاية القرن الثاني عشر ، للحركة الإخبارية بقوة ، مما ساعد على تراجعها وانزوائها في بعض الدوائر العلمية الضيقة ، ولا تزال موجودة آلي اليوم في صورة الخط الإخباري الذي يرفض عمليات الاجتهاد والمجتهدين خارج إطار النصوص ، ويتهم المدرسة الأصولية بالتأثر بالفكر السني والانحراف عن خط أهل البيت والتقليد لهم .

ويعتبر كتاب السيد المرتضى :(الذريعة آلي اصول الشريعة) أول كتاب اصولي شيعي يقر مبدأ الاجتهاد والقياس ، حيث يقول فيه بعد ان يعرف ذلك في فصل خاص تحت عنوان :( فصل في القياس والاجتهاد والرأي ما هو؟ وما معاني هذه الألفاظ ؟):· ان القياس هو إثبات مثل حكم المقيس عليه للمقيس ، وله شروط لا بد منها ... فأما الاجتهاد فموضوع في اللغة لبذل الوسع والطاقة في الفعل الذي يلحق في التوصل اليه بالمشقة ، كحمل الثقيل وما جرى مجراه ، ثم استعمل في فيما يتوصل به آلي الأحكام من الأدلة على وجه يشق ... وليس يمتنع ان يكون قولنا (أهل الاجتهاد) إذا اطلق ، محمولا بالعرف على من عوّل على الظنون والإمارات في إثبات الأحكام الشرعية ، دون من لم يرجع إلا آلي الأدلة والعلوم (وهم الاخباريون) . فأما (الرأي) فالصحيح عندنا انه عبارة عن المذهب والاعتقاد ، وان استند آلي الأدلة دون الإمارات والظنون . 3

 وبعد ان عرّف السيد المرتضى القياس والاجتهاد قال في (فصل في جواز التعبد بالقياس):· اعلم انا إذا بينا ان القياس الشرعي يمكن ان يكون طريقا آلي معرفة الأحكام الشرعية ، فقد جرى القياس مجرى الأدلة الشرعية كلها من نص وغيره ، فمن منع - مع ثبوت ذلك - من ان يدل الله تعالى به كما يدل النص على الأحكام فهو مقترح لا يلتفت آلي خلافه ... فأما من أحال القياس لتعلقه بالظن الذي يخطئ ويصيب ، فالذي يبطل قوله: ان كثيرا من الأحكام العقلية والشرعية تابعة للظنون .

.. ومن توهم على من سلك هذه الطريقة انه قد اثبت الأحكام بالظنون فهو متعد ، لأن الأحكام لا تكون إلا معلومة ، ولا تثبت إلا من طريق العلم ، إلا ان الطريق قد يكون العلم تارة والظن أخرى .. . 4

ولكن الغريب ان السيد المرتضى بالرغم من وضوح قوله هذا فانه عقد فصلا جديدا تحت عنوان :( فصل في نفي ورود العبادة بالقياس) وقال: · اعلم ان العبادة بذلك لو وقعت لكان عليها دليل شرعي كسائر العبادات الشرعية ، واذا كنا قد تأملنا أدلة الشرع فلم نعثر على ما هو دلالة على هذا الموضوع وجب نفي العبادة به ، ويمكنا ان نستدل على نفي العبادة بالقياس أيضا بإجماع الامامية على نفيه وأبطاله في الشريعة ، وقد بينا ان في إجماعهم الحجة . 5

 ولكنه عاد فنفى أساس القول برفض الأدلة الظنية ، فقال: · وليس يجوز ان يعتمد في إبطال القياس على ظواهر من الكتاب والسنة تقتضي إبطال القول بغير علم مثل قوله تعالى :( ولا تقفُ ما ليس لك به علم ) . 6

وقال في (باب الكلام في الاجتهاد وما يتعلق به ):· اعلم ان الاجتهاد وان كان عبارة عن إثبات الأحكام الشرعية بغير النصوص وأدلتها ، بل بما طريقه الإمارات والظنون ، وادخل في جملة ذلك القياس الذي هو حمل الفروع على الأصول بعلة متميزة ، كما ادخل في جملته ما لا إمارة له متعينة كالاجتهاد في القبلة ، فقد بينا : ان القياس الذي هو حمل الفروع على الأصول بعلة متميزة قد كان من الجائز في العقل ان يتعبد الله به ، لكنه ما تعبد به ، ودللنا على ذلك وبسطنا الكلام فيه . فأما الاجتهاد الذي لا تتميز الإمارات فيه وطريقه غلبة الظن كالقبلة وما شاكلها فعندنا ان الله تعالى قد تعبد بذلك زائدا على جوازه في العقل . 7

وبعد ان أسس السيد المرتضى لشرعية (الاجتهاد) وأجاز العمل بالظنون خارج إطار النصوص كضرورة لتغطية الحوادث الواقعة الجديدة ، مضى ليناقش (الإخباريين) الذين كانوا يحرمون التقليد والاستفتاء من المجتهدين ، ويصرون على وجوب حصول العامي على العلم ، وقد كان ذلك ممكنا في حدود الروايات في المرحلة الإخبارية ، فقال في :( فصل في صفة المفتي والمستفتي): · اعلم ان في الناس من منع من الاستفتاء وزعم ان العامي يجب عليه ان يكون عالما بأحكام فروع الحوادث وانما يرجع المستفتي آلي المفتي لتنبيهه على طريق الاستدلال

، ويعتمد على ان تجويز المستفتي على المفتي خطأ يمنعه من قبول قوله لأنه لا يأمن ان يكون مقدما على قبيح . والذي يدل على حسن تقليد العامي للمفتي : انه لا خلاف بين الأمة قديما وحديثا في وجوب رجوع العامي آلي المفتي ، وانه يلزمه قبول قوله لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث ، ومن خالف في ذلك كان خارقا للإجماع . 8

ويبدو ان السيد المرتضى لم يجد دليلا على جواز التقليد غير دعوى الإجماع ، بالرغم من ان هذا الموضوع كان محل خلاف بين الشيعة ، وكان الاخباريون يرفضون الاجتهاد والتقليد للمجتهدين.

وفي نهاية القرن السادس الهجري أيد الشيخ محمد بن ادريس الحلي ( 543 - 698) في مقدمة :(السرائر) طريق الاجتهاد وقال:· إذا فقدت الثلاثة : الكتاب والسنة والإجماع ، فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل فيها .

 وقد دعم المحقق الحلي جعفر بن الحسن ( 602 - 676) نظرية السيد المرتضى الأصولية (الاجتهادية) فقال في :( معارج الأصول) :· الأحكام اما تكون مستفادة من ظواهر النصوص المعلومة على القطع ... واما ان تفتقر آلي اجتهاد ونظر ، ويجوز اختلافه باختلاف المصالح . وشرح معنى الاجتهاد فقال :· الاجتهاد هو في عرف الفقهاء : بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر ، وسواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره ، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فان قيل: يلزم على هذا ان يكون الامامية من (أهل الاجتهاد) .

قلنا: الأمر كذلك ، لكن فيه إيهام من حيث ان القياس من جملة الاجتهاد ، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق الظنية التي ليس أحدها القياس . 9

 وبحث موضوع القياس من زاوية عقلية فقال: · من الناس من منع من التعبد بالقياس عقلا ، وأكثرهم قالوا بجوازه .احتج المانعون بوجوه ، أحدها: ان عمومات القرآن والسنة المتواترة كافلة بتحصيل الأحكام الشرعية ، والقياس ، ان طابقها فلا حاجة اليه ، وان نافاها لم يجز العمل به ..

واحتج شيخنا المفيد لذلك أيضا بأنه لا سبيل آلي علة الحكم في الأصل ، فلا سبيل آلي القياس .

والجواب : انا لا نسلم ان عموميات القرآن كافلة بالاحكام ، فان في مسائل الديات والمواريث والبيوعات وغيرها ما يعلم خروجه من مدلولات العموم . 10

 وقال :· القائلون بجواز التعبد بالقياس عقلا ، منهم من يقول: ورد التعبد به وهم الأكثر ، وأطبق أصحابنا على المنع من ذلك إلا شاذا منهم ، وقد أجمعت الامامية على ترك العمل به ، ونقل عن أهل البيت (ع) المنع منه متواترا نقلا يقطع به العذر . 11

و في القرن السابع الهجري .. وجد المحقق الحلي نفسه مضطرا لمناقشة الإخباريين الذين كانوا يرفضون الاجتهاد والتقليد ، والخروج عن دائرة النصوص والأحاديث ، وقال في :(فصل في المفتي والمستفتي): · يجوز للعامي العمل بفتوى العالم في الأحكام الشرعية ، وقال الجبائي: يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد دون ما عليه دلالة قطعية. واحتج المانعون بوجوه:

الأول: قوله تعالى:( وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( ولا تقف ما ليس لك به علم) ( ان الظن لا يغني من الحق شيئا ).

ثانيها: انه عمل بما لا يؤمن من كونه مفسدة ، فيكون قبيحا ، لأن المفتي جائز الخطأ فكل ما يفتي به يجوز ان يكون مخطئا فيه فيكون الإقدام على العمل على ما لا يؤمن كونه مفسدة ، وقبح ذلك ظاهر.

ثالثها: لو جاز التقليد في الشرعيات لجاز في العقليات ، والثاني محال فالأول مثله . 12

وفي القرن العاشر تبنى الشهيد الثاني ( 911 - 966) في :( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) شرعية الاجتهاد وقال: · الاجتهاد يتحقق بمعرفة المقدمات الست ، وهي الكلام والأصول والنحو والتصريف ولغة العرب وشرائط الأدلة ، والأصول الأربعة وهي: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل . 13

 وحاول ابنه الشيخ جمال الدين حسن بن زين الدين ( - 1011) في :( معالم الدين وملاذ المجتهدين) ان ينصر الخط الأصولي بقبول القياس ، ولكن بعد تصنيفه آلي قسمين ، وتفسير النصوص الواردة عن أهل البيت ، المضادة للاجتهاد ، والتي يتشبث بها الاخباريون ، بقسم خاص من القياس ، وان ينزع صفة الإطلاق عن تحريمه ، فقال: · القياس هو الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم ... وهي اما مستنبطة أو منصوصة .

وقد أطبق أصحابنا على منع العمل بالمستنبطة إلا من شذ ، وحكي إجماعهم فيه غير واحد منهم ، وتواتر الأخبار بإنكاره عن أهل البيت (ع). وبالجملة فمنعه يعد من ضروريات المذهب ، واما المنصوصة ففي العمل بها خلاف بينهم ، فظاهر كلام المرتضى: المنع منه أيضا ، وقال المحقق (الحلي): إذا نص الشرع على العلة ، وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم جاز تعدية الحكم ، وكان ذلك برهانا ، وقال العلامة (الحلي): الأقوى عندي ان العلة إذا كانت منصوصة وعلم بوجودها في الفرع كان حجة. واحتج في :(النهاية) لذلك : بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الخفية والشرع كاشف عنها ، فإذا نص على العلة عرفنا انها الباعثة والموجبة لذلك الحكم ، فأين وجدت وجب وجود المعلول . 14

وقال السيد ابو القاسم الخوئي في :(التنقيح / الاجتهاد والتقليد): · ان الأصل في تعريف الاجتهاد : · بانه استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي هم العامة ، حيث عرفوه بذلك لذهابهم آلي اعتبار الظن في الأحكام الشرعية ، ومن هذا آخذوه في تعريف الاجتهاد ، ووافقهم عليه أصحابنا مع عدم ملائمته لما هو المقرر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شيء . 15

وفسر الخوئي الاجتهاد بأنه : · تحصيل الحجة على الحكم الشرعي وقال: · ان هذا التعريف يمكن ان تقع به المصالحة بين الإخباريين والاصوليين ، وذلك لأن الفريقين يعترفان بلزوم تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية ، ولا استيحاش للاخباريين عن الاجتهاد بهذا المعنى ، وانما انكروا الاجتهاد المفسر باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي ، والحق معهم : لأن الاجتهاد بذلك المعنى بدعة ولا يجوز العمل على طبقه ، إذ لا عبرة بالظن في الشريعة المقدسة .16

وبناء على ذلك كان السيد الخوئي يرى : ان الخلاف بين المدرستين لفظي ، وان الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي - كما يراه المحثدثون - بدعة وضلال ، إلا ان الأصوليين لا يريدون إثباته وتجويزه ولا يدعون وجوبه ولا جوازه بوجه . 17

مع ان الحقيقة هي وجود الاختلاف بين الطرفين في مدى الاجتهاد واعتماده على الأصول والقواعد المرفوضة من قبل الإخباريين وخاصة القياس .

وقد قام الأمام الخميني في أواخر أيام حياته بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، وسمح للحاكم الإسلامي باستخدام صلاحياته المطلقة ، والاجتهاد حتى في مقابل النص ، إذا رأى مصلحة في ذلك . وقال في رسالة له آلي رئيس الجمهورية الإيرانية السيد علي الخامنائي :· ان الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة ، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج ... ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة آلي نبي الإسلام (ص) وان تصبح دون معنى...

وان باستطاعة الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة ، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب.

وتستطيع الحكومة ان تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام .

وتستطيع ان تقف امام اي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام ، مادام كذلك.

ان الحكومة تستطيع ان تمنع مؤقتا وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك ان تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية . 18

 وقد بنى الأمام الخميني نظريته الواسعة جدا في الاجتهاد على أتساس المصلحة العامة التي يقررها الحاكم الإسلامي ، باعتبار ان الحكومة والولاية من أهم أركان الدين ، وان لها الأولوية على الأحكام الفرعية كالصلاة والصوم والحج فضلا عن حرمة المساجد والبيوت أو احترام آراء الناس والاتفاقيات الشرعية المعقودة معهم . وقد خطى بذلك أوسع خطوة يمكن ان يبلغها الاجتهاد ، وذلك اعتمادا على روح الشريعة الإسلامية وإيقاف العمل بالنصوص والأحكام الإلهية إذا تعارضت مع المصلحة العامة في تقدير الحاكم الإسلامي.

 وبغض النظر عن القبول بهذا المدى الواسع من الاجتهاد في مقابل النص ، أو رفضه ، فانه يشكل اختلافا جوهريا عن رأي الإخباريين ، أو الاماميين القدماء الذين كانوا يحصرون العمل التشريعي بمصادر العلم الإلهي : اي الأئمة المعصومين ، ولا يجيزون التعدي عن الروايات الواردة عنهم .

 نظرية اللطف في الاجتهاد

وقد كان فتح باب الاجتهاد يحمل في طياته شبهة استغناء الأمة عن الحاجة آلي الأمام المعصوم العالم بالعلم الإلهي ، وهنا كان لا بد للسيد المرتضى ان يجمع بين الاثنين بإبداع نظرية (اللطف) التي تعني اشراف ( الأمام المهدي الغائب ) من وراء ستار على العمليات الاجتهادية في (عصر الغيبة) وتسديد الشيعة وتصحيح آرائهم ، ومنعهم من الإجماع على الخطأ ، والمبادرة آلي تبيان الرأي السليم لهم بصورة سرية ودون ان يكشف الأمام عن هويته ، ولذلك فقد اهتم السيد المرتضى في (الذريعة آلي أصول الشيعة) بآراء الفقهاء المجهولين في مناقضة الإجماع الشيعي (19) ولم يلتفت آلي مخالفة العلماء معروفي النسب ، لاحتمال كون واحد من المجهولين (الأمام المهدي) ، وكذلك فعل الشيخ الطوسي في :(عدة الأصول) لدى الحديث عن نظرية اللطف في مبحث الإجماع . 20

و يعبر الشيخ الكراجكي ، المعاصر للطوسي ، عن تردد واضح وعدم ثقة كاملة بعملية الاجتهاد ، وذلك خوف الجهل والتزوير ، وهو ذات السبب الذي دفع متكلمي الامامية آلي اشتراط العلم الإلهي والعصمة في الأمام ، ولكنه حل هذه المشكلة المستعصية بنظرية اللطف ، حيث اطمأن آلي وجود الأمام المعصوم المراقب و المسدد ، وقال في :(كنز العرفان):· .. كثيرا ما يقول المخالفون عند سماعهم منا هذا الكلام : إذا كنتم قد وجدتم السبيل آلي علم ما تحتاجونه من الفتاوى في الأحكام المحفوظة عن الأئمة المتقدمين فقد استغنيتم بذلك عن امام الزمان . وهذا قول غير صحيح ، لأن هذه الآثار موجودة مع من لا يستحيل منه الغلط والنسيان ، ومسموعة بنقل من يجوز عليه الترك والكتمان ، واذا جاز ذلك عليهم لم يؤمن وقوعه منهم إلا بوجود معصوم يكون من ورائهم شاهد لأحوالهم عالم بأخبارهم ان غلطوا هداهم أو نسوا ذكّرهم ، فلو انصرفوا عن النقل وضلوا عن الحق لما وسعته التقية ولأظهره الله سبحانه ، ومنع منه آلي ان يبين الحق ويثبت الحجة على الخلق . 21

ولكن العلماء المتأخرين لم يعبئوا بنظرية ( اللطف ) حيث لم يجدوا لها مصداقا واحدا طوال اكثر من الف عام ، وتغيرت بناء على ذلك نظرتهم آلي (الإجماع) بعد ان كان يشتمل على حضور المعصوم ، حسب نظرية اللطف . وقد رفض الشيخ يوسف البحراني اعتبار الإجماع لعدم ثبوت نظرية اللطف ، وقال في :( الحدائق الناضرة) :· واما الإجماع عندنا فهو بانضمام المعصوم ... على ان تحقق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذر لتعذر ظهوره (ع) ( يقصد الأمام المهدي) وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة اقوالهم ... ودونه خرط القتاد. وما يقال من انه إذا وقع إجماع الرعية على الباطل يجب على الأمام ان يظهر ويباحثهم حتى يردهم آلي الحق لئلا يضل الناس ، أو انه يجوز ان تكون هذه الأقوال المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها قولا للامام (عليه السلام) ألقاه بين أقوال العلماء حتى لا يجمعوا على خطأ ، كما ذهب اليه بعض المتأخرين ، حتى انه (قدس سره) - المصنف - كان يذهب آلي اعتبار تلك الأقوال المجهولة القائل لذلك ، فهو مما لا ينبغي ان يصغى اليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. وعلى هذا فليس في عد الإجماع في الأدلة إلا مجرد تكثير العدد واطالة الطريق . 22

وينقل الشيخ الطوسي في :(عدة الأصول) ان السيد المرتضى تراجع في أواخر ايامه عن نظرية اللطف ، ولم يوجب ظهور الأمام المهدي لتصحيح إجماع الطائفة إذا كان باطلا . 23

على اي حال فقد كان فتح باب الاجتهاد خطوة كبيرة للخروج من الازمة ، وملأ الفراغ التشريعي الذي حدث للشيعة الامامية بعد وفاة الأمام الحسن العسكري وغيبة أو افتقاد الأمام الثاني عشر ، وذلك في ظل القول بحصر العمل التشريعي بالأئمة المعصومين الذين يرتبطون بمصادر العلم الإلهي الحقيقي ، وعدم جواز اللجوء آلي الطرق الظنية والإمارات كالقياس والاجتهاد وما شابه ، لمعرفة الأحكام الشرعية . وقد أدى فتح باب الاجتهاد بالشيعة آلي التحرر من نظرية (التقية والانتظار) و إعادة النظر في كثير من أبواب الفقه المعطلة بسبب نظرية (الغيبة) ، و ملاحقة التطورات والإجابة على المسائل الحادثة ، كما أدى آلي حدوث تطورات جذرية في الفكر الامامي والتخلي عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام ، والقول بجواز الحكومة لغير المعصوم أو وجوبها ، واستنباط نظرية (ولاية الفقيه) وغيرها من النظريات التي أعادت الشيعة آلي مسرح الحياة .

فرضية لنيابة الواقعية عن الأمام المهدي في القضاء والحدود

الى جانب العمل العظيم الذي قام به الفقهاء الامامية في مطلع القرن الخامس الهجري ، وهو فتح باب الاجتهاد ، قاموا أيضا باستنباط نظرية أو فرضية كان لها دور كبير في مستقبل الفكر السياسي الامامي ، حيث فتحت هذه الفرضية نافذة تطورت مع مرور الزمان وأدت آلي تخلي الامامية عن شرط العصمة والنص في الأمام ، وبالتالي التخلي عن الالتزام بنظرية (التقية والانتظار للامام الغائب) والقول بنظرية (ولاية الفقيه) .

وقد انطلقت هذه النظرية وهي:( فرضية النيابة الواقعية للفقهاء عن الأمام المهدي ) من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) والتي تسمح للفقهاء الشيعة في حياتهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي اليهم .

ومن المعلوم ان القضاء يعتبر من أهم أعمال الدولة ، ولما كان الشيعة الامامية يحصرون الدولة الشرعية في الدولة التي يقودها (الأمام المعصوم المعين من قبل الله) فانهم قد حرموا ممارسة القضاء لغير الأمام المعصوم ، ولكنهم رووا عدة روايات تجيز للفقهاء الشيعة ممارسة ذلك بالنيابة عن (الأئمة المعصومين) . والروايات هي:

1 - مقبولة عمر بن حنظلة عن الأمام الصادق (ع) التي يقول فيها :· انظروا آلي رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما . 1

2 - مشهورة أبى خديجة عن الأمام الصادق أيضا :· انظروا آلي رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فتحاكموا اليه . 2

3 - رواية أخرى لأبي خديجة يقول فيها: · بعثني ابو عبدالله (عليه السلام) آلي أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو ترادي بينكم في شيء من الأخذ والعطاء ان تحاكموا آلي أحد من هؤلاء الفساق ، اجعلوا بينكم رجلا منكم ممن قد عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته قاضيا ، واياكم ان يتحاكم بعضكم بعضا آلي السلطان الجائر . 3

وقد تم استعارة هذه الاذونات العامة الصادرة في عهد حضور الأئمة ، والحكم بجواز ممارسة القضاء في عهد (الغيبة) للفقهاء من الشيعة ، وذلك للتشابه بين الحالتين وهو عدم سيطرة الأئمة وممارستهم للحكم ، وحل الشيعة الامامية بذلك مشكلة القضاء في عصر الغيبة ، وإضافة آلي ذلك فقد استنبطوا من تلك الروايات :( فرضية النيابة الواقعية عن الأمام المهدي).

وكان الشيخ المفيد قد حصر في :(المقنعة / كتاب الحدود) الحق في إقامة الحدود بسلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى وهم أئمة الهدى من آل محمد أو من ينصبونه لذلك من الأمراء والحكام ولكنه أجاز في عصر الغيبة لكل من يقدر على تنفيذ الحدود اقامتها ، وخاصة للفقهاء الذين قال عنهم ان الأئمة قد فوضوا اليهم النظر في القضاء مع الإمكان ، وقال :· فمن تمكن من إقامتها على ولده وعبده ولم يخف من سلطان الجور ضررا به على ذلك فليقمها ، ومن خاف من الظالمين اعتر