السيدة زينب حفيدة رسول الله ليست مدفونة في
مصر
بل في المدينة المنورة
فتحي حافظ الحديدي
جريدة القاهرة
27/8/2004
قرأت في العدد الماضي من "القاهرة" مقالاً بعنوان: "السيدة زينب
المصرية والسيدة زينب السورية" للدكتور أحمد راسم النفيس, حيث
لخص فيه الرأي في موضوع دفن السيدة زينب في مصر بقوله: "كان
للإمام علي بنت هي زينب الكبرى المدفونة في القاهرة على أرجح
الأقوال". وحيث إني سبق وقمت بدراسة تاريخية مطولة لهذا
الموضوع بحثاً عن الحقيقة المجردة وبدون أي أحكام سابقة.
الخلاصة التي خرجت بها من هذا البحث في أن "السيدة زينب بنت
السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب لم يكن لها في
مصر أي مدفن حتى القرن العاشر الهجري (16 الميلادي) والأدلة
على ذلك كثيرة (رغم أن دليلاً واحداً منها يكفي لإثبات ذلك),
وهي:
1-آخر ما سجله قدامى المؤرخين عن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة
الزهراء والإمام علي بن أبي طالب هو ما أورده المؤرخ الحافظ بن
عساكر في كتابه الموسوعي: (تاريخ دمشق) بأن الخليفة الأموي
يزيد بن معاوية أمر نعمان بن بشر بترحيل السيدة زينب ورفاقها
من الشام إلى الحجاز ويبعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً
صالحاً في خيل وأعوان فيسير بهم إلى المدينة المنورة وقد دفنت
بها كما هو ثابت في التاريخ وفي الواقع الحالي هناك, (لاحظ أن
المؤرخ ابن عساكر مثل غيره من قدامى المؤرخين لم يذكر وجود
شخصيتين باسم السيدة زينب).
2-أن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي
طالب والمتوفاة في سنة 62هـ/681م, لم يكن آنذاك مكان ضريحها
الحالي بالقاهرة أرضاً, بل كان جزءاً من نهر النيل, وبعد أن
انتقل نهر النيل من هنا ظل مكانه مليئاً بالبرك والمستنقعات
لمدة حوالي 300 سنة, فكان المكان الحالي لمسجد السيدة زينب في
عصر الدولة الأموية جزءاً من بركة قارون وهي التي أخذت في
التقلص, وكانت بقيتها موجودة حتى نهاية القرن 19 باسم بركة
البغالة, كما أن بركة قارون كانت في موسم الفيضان تتصل ببركة
الفيل, حيث كانت تسير فيهما المراكب في هذا الموسم. ولم تستعمل
هذه المنطقة للسكن والمقابر إلا في عصور متأخرة نتيجة لتقوية
جسور شاطئ نهر النيل, فتوقف غمرها بمياه النيل في موسم الفيضان
وقد ذكر علي باشا مبارك في الجزء الأول من الخُطط التوفيقية أن
خُط السيدة زينب يقع (في عصره) تحت مستوى فيضان نهر النيل
بمقدار من متر إلى متر وثلث.
ومن التقاليد الثابتة في مصر منذ العصر الفرعوني وحتى العصر
الحاضر أن الناس يتجنبون دفن موتاهم في المناطق الرطبة القريبة
من شاطئ النيل, فكانوا يبتعدون إلى حواف الصحارى الجافة.
3-أن ثمة ضريحاً للسيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام
علي بن أبي طالب لم يذكر في المراجع التاريخية, سواء في
المراجع العامة (وبعضها موسوعي), والتي لن أذكرها هنا لكثرتها,
ولا في المراجع المتخصصة في موضوع الخطط والمزارات القاهرية
وهي (علي سبيل الحصر).
أ-كتاب: (مرشد الزوار إلى قبور الأبرار) لموفق الدين بن عثمان
المتوفى سنة 615هـ/1218م.
ب-كتاب (مصباح الدياجي وغوث الراجي وكهف اللاجي) لابن الناسخ,
الذي عاش في عصر السلطان المنصور قلاوون في عصر دولة المماليك
البحرية في أواخر القرن السابع الهجري.
ج-كتاب: (الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة) لابن الزيات,
المتوفى سنة 814هـ/1442م.
هـ-كتاب: (تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات
والتراجم والبقاع المباركات) لعلي السخاوي.
و-كتاب: (الكوكب السيار إلى قبور الأبرار) لعلي بن جوهر السكري.
وذلك رغم أن كتب الخطط والمزارات هذه قد أسهبت في وصف منطقة
قناطر السباع (والمعeروفة حالياً بحي ميدان السيدة زينب).
كما أن الرحالة المسلمين الذين زاروا مصر في العصور الوسطى
كانوا حريصين على زيارة المشاهد (الأضرحة) الشهيرة سواء لغرض
السياحة أو لغرض التبرك بها, ومنهم:
أ-الرحالة ابن جبير: وقد عدد في كتابه عن رحلته التي كانت في
القرن السادس الهجري مشاهد الشريفات العلويات المدفونات
بالقاهرة, لم يذكر بينهما ضريح السيدة زينب بنت السيدة فاطمة
الزهراء والإمام علي بن أبي طالب, رغم أنه ذكر ضريحاً آخر
للسيدة زينب بنت يحيى المتوج بن زيد.
ب-الرحالة محمد العبدري: وقد جاء مصر في سنة 688هـ/1289م. حيث
زار مزارات: الإمام الشافعي والسيدة نفيسة والجمجمة المنسوبة
للحسين بن علي.
ولكنه مثل غيره من زوار مصر لم يذكر ضريح السيدة زينب بنت
الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء.
4-حدث في أواخر عصر دولة المماليك الجراكسة أن نشات مقولة شعبية
بأن السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي
طالب مدفونة بالقاهرة. وقد قام بنشر هذه المقولة طائفة
الأدباتية والمداحين الذين يجوبون المقاهي والموالد للارتزاق,
وهذه الطائفة كانت تقوم بتأليف المواويل التي تجذب الناس
إليهم.
ولكن اختلفت الأقاويل في تحديد مكانها (مثلما فعلوا أيضاً في
الأضرحة الوهمية للسيدة فاطمة النبوية) فكانت هناك مقولة بأن
السيدة زينب مدفونة بقبر قرب قناطر السباع, ومقولة أخرى بأنها
مدفونة بقبر في جبانة باب النصر.
وقد أرجع هذه الأوقاويل مؤرخ المزارات المسمى ابن الناسخ إلى
الرؤيا أي الحلم, فقال في صفحة 304 من كتابه المخطوط: (مصباح
الدياجي وغوث الراجي وكهف اللاجي): (قبور الرؤيا من النساء مثل
زينب الذي بقناطر السباع وزينب الذي بباب النصر وخديجة وعاتكة
وصفية..).
5-أما أول نص مكتوب يعلن عن نسبة هذا الضريح إلى السيدة زينب
بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب فقد ورد في
حكاية سجلها الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المتوفى سنة
973هـ/1565م) في بعض كتبه مثل كتاب المنن الكبرى, أي بعد حوالي
تسعة قرون من وفاة السيدة زينب!!! فقد حدث في سنة 935هـ/1528م
أن حلم أحد الأشخاص وهو علي الخواص بأن السيدة زينب بنت السيدة
فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب مدفونة قرب قناطر
السباع, فأخبر الناس بذلك وأصبح يداوم على زيارة هذا القبر
البسيط وتنظيفه والعناية به.
وهكذا بدأ هذا الضريح في الازدهار ببطء بينما أخذ الضريح
المنافس له والموجود بجبانة باب النصر في الاندثار بعد أن حسم
علي الخواص المنافسة بينهما.
6-بعد ذلك ابتدئ في تأليف مرويات حديثة لتتفق مع الوضع الجديد
بغرض تدعيمه, وأرجعوا هذه المرويات والتي طبعت في كتيبات شعبية
إلى عصور قديمة, بل حدث إدعاء بوجود مخطوط (لا وجود له)
للعبيدلي, يشرح فيه رحلة السيدة زينب إلى هذه المنطقة.
علماً بأنه لم يذكر أحد من الباحثين) رغم كثرتهم في مصر
وخارجها) أنه قرأ هذا المخطوط نفسه والتحقق منه, بمن فيهم
المصدر الوحيد لهذا الكلام المزيف وهو حسن قاسم, وربما قد دس
عليه, علماً بأن فهارس المكتبات العامة التي بها مخطوطات أصبحت
معروفة ومتداولة ومتاحة تماماً لكافة الباحثين دون حاجة إلى
الترحال كما كان يحدث سابقاً.
7-منطقة حي السيدة زينب الحالي, بالإضافة إلى كونها جزءاً من
نهر النيل إبان وفاة السيدة زينب فإنها كانت تتناثر حول شاطئها
هنا الكنائس القبطية والتي كانت تعرف بكنائس الحمراء (مثل
كنيسة الزهري الشهيرة), رغم المعروف عن العرب المسلمين في
العصور الأولى من الفتح الإسلامي أنهم التزموا بالسكنى في
أحياء إسلامية خاصة بهم (الفسطاط –العسكر – القطائع – القاهرة
الفاطمية). كما أنه من الثابت أن دار والي مصر آنذاك مسلم بن
مخلد الأنصاري كانت في مدينة الفسطاط عاصمة مصر آنذاك, والتي
تبعد كثيراً عن المكان الحالي لضريح السيدة زينب. (قال مؤلفو
المخطوط المزعوم إن السيدة زينب دفنت في دار والي مصر
المذكور).
8-في القرن 19 لخص العلامة علي باشا مبارك هذا الموضوع, عند
حديثه عن مسجد السيدة زينب في الجزء الخامس من الخطط
التوفيقية, في قوله: (ثم إني لم أر في كتب التواريخ أن السيدة
زينب بنت علي رضي الله عنهما جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد
الممات). والمقصود بعبارة بعد الممات هو نقل وفاتها.
والجدير بالذكر أن التاريخ قد سجل الكثير من مثل هذه الواقعة,
حتى أنه لتكرارها نشات تسمية مصطلح, مشاهد الرؤيا (أي أضرحة
الأحلام) وقد أخذ الناس بها لأنها تتفق مع تمنياتهم فمن مشاهد
الرؤيا أيضاً:
1-ضريح الإمام جعفر الصادق, بشارع الصنادقية, قرب الأزهر, وذلك
رغم وقوع المقريزي ومن بعده علي باشا مبارك في وهم أنه مدفون
به, والحقيقة أنه مدفون في المدينة بالحجاز.
2-ضريح السيدة فاطمة أم الغلام بنت الحسين بن علي, بمسجد أم
الغلام, بالجمالية والحقيقة أن المدفون به هو السيدة بدرية,
وقد أنشأه لها ابنها محمد بن بردبك.
3-ضريح للسيدة رقية بنت الإمام علي, بشارع الخليفة.
4-ضريح لأبوأيوب الأنصاري بشارع البيومي والحقيقة أنه مدفون
بالقسطنطينية (استنابول).
5-ثلاثة أضرحة للسيدة فاطمة النبوية في منطقة قسم الدرب الأحمر
لوحدها:
الأول: بحارة فاطمة النبوية, قرب السور الشرقي لمدينة القاهرة.
الثاني: بشارع تحت الريع, كما ذكر علي مبارك في الجزء الخامس من
الخطط التوفيقية.
والحقيقة أن المدفون به امرأة تدعى فاطمة الشقراء, وقد أخذت
بهذا الرأي مؤخراً هيئة الآثار.
الثالث: بسكة النبوية, المتفرعة من درب سعادة, شرق مديرية أمن
القاهرة, هذا بالإضافة إلى أضرحة أخرى للسيدة فاطمة النبوية في
قسم الوايلي وغيره, كما توجد مشاهد رؤيا أخرى كثيرة في مصر
نسبت إلى شخصيات أخرى.