معاوية بن أبي
سفيان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد
إن مما يحزن القلب و يدمع العين أن تجد ممن ينتسبون إلى
الإسلام و يدعون أنهم إخوة لنا في العقيدة أن يقوم و يتهجم على
أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم ، نعم قد تتساءلون و تقولون من هو ؟ أقول :
فتحت في يوم من الأيام
الساحة السياسية ، و عادتي أني لا أحب دخول ذلك المكان الذي
أصبح فقط منبراً للسب و
الشتائم والقذف الصريح والخفي ، حتى أنك تصاب بالغثيان لما
تقرأ ، و إذ بي أجد أحد
الذين يكتبون هناك و يتزعمون الردود على الأخوة في ظنه أنه
ينصر الدين وأهله ، ألا
وهو : ( تورنيدو ) ولا أعلم ما معنى أن يتسمى بهذا الاسم ؟ و
هل خلت الدنيا من
الأسماء ؟ وإذ بي أجد له مقالاً في حوار مع أحد الأخوة ، و كان
في ذلك الحوار طعن
واستهزاء و تهكم بالصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله
عنه وأرضاه . و قد
رددت عليه في تلك الساحة ، وأحببت أن أعيد نشر الرد هنا مع
تغيير طفيف لا يؤثر ،
لتعم الفائدة في معرفة حكم سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
. حقاً إنها لفتنة ،
و أي فتنة
ألا تعلم يا تورنيدو أنك قد تجرأت على أحد أكابر الصحابة ، و
خال المؤمنين ، و كاتب وحي النبي الأمين صلى الله علية وعلى
آله وسلم أجمعين ، ألا
تعلم أنه كان خليفة للمسلمين ، لكن : من ذا يساوي بن يتغريد
البلابل والنعيق
ألا تعلم بحكم من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وما
جزاءه في الدنيا قبل الآخرة ؟ فإن كنت لا تعلم فتلك مصيبة وإن
كنت تعلم فالمصيبة
أعظم . اسمع إلى هذه الأدلة من الكتاب والسنة وآثار سلف هذه
الأمة على تحريم سب
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لتتوب مما اجترحت في حق
هذا الصحابي الجليل
تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز
قوله تعالى {
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار
الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه
}[التوبة/100] . وجه الدلالة : أن
الله تعالى رضي عنهم مطلقاً ، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه
أبداً
قوله تعالى {
إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في
الدنيا والآخرة و أعد لهم عذاباً مهينا
} [الأحزاب/57] . وجه الدلالة : أن العذاب
نازل على من آذاه – جل وعلا – بمخالفة أوامره ، و إيذاء رسوله
يشتمل كل أذية قولية
أو فعلية ، و مما يؤذيه صلى الله عليه وسلم سب أصحابه ، وقد
أخبر صلى الله عليه
وسلم أن إيذاءهم إيذاء له ، و من آذاه فقد آذى الله
قوله تعالى {
والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما
اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا
} [ الأحزاب/58] . وجه الدلالة : أن
الآية فيها التحذير من سب و إيذاء المؤمنين عموماً ، و ذلك بما
ينسب إليهم مما هم
منه براء ، و وجه الدلالة على تحريم سب الصحابة أنهم في صدارة
المؤمنين فإنهم
المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله -
يا أيها الذين آمنوا
إلى غيرها من الآيات الكثيرة
دلالة السنة على تحريم سب الصحابة
ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه قال :
لا تسبوا أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد
ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه
و حديث عائشة رضي الله عنها كما عند الطبراني :
لا تسبوا
أصحابي ، لعن الله من سب أصحابي
و
هو صحيح
و حديث :
من سب أصحابي فعليه لعنة الله و الملائكة والناس
أجمعين
. و هو صحيح
إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة التي تحرم سب أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم ، و تتوعد مرتكبه باللعن والطرد من رحمة الله
من كلام السلف في تحريم سب الصحابة
ذكر ابن الأثير عن رزين من حديث جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما قال : قيل لعائشة :
إن ناساً يتناولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
حتى أبا بكر و عمر ، فقالت : و ما تعجبون من هذا ؟ انقطع عنهم
العمل فأحب الله أن
لا ينقطع عنهم الأجر
. وسنده صحيح
روى ابن بطة بإسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه قال :
لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ،فلمقام أحدهم ساعة –
يعني مع النبي صلى
الله عليه وسلم – خير من عمل أحدكم أربعين سنة
روى محمد بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله بإسناده إلى
سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى ، قال : قلت لأبي :
ما تقول في رجل سب أبا بكر ؟قال يقتل
، قلت : سب عمر ؟ قال : يقتل .
و روى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن الحسن بن علي ، أنه
قال :
ما أرى رجلاً يسب أبا بكر و عمر تيسر له توبة أبداً
و قال عبد الرحمن الأوزاعي :
من شتم أبا بكر الصديق رضي
الله عنه فقد ارتد عن دينه وأباح دمه
إلى غيرها من الآثار الكثيرة
حكم ساب الصحابة و عقوبته
ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة رضي
الله عنهم أو تنقصهم و طعن في عدالتهم و صرح ببغضهم و أن من
كانت هذه صفته فقد أباح
دم نفسه و حل قتله ، إلا أن يتوب من ذلك و ترحم عليهم . و ممن
ذهب إلى ذلك :
الصحابي الجليل عبدالرحمن بن أزى و عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي
و أبو بكر بن عياش ،
و سفيان بن عيينة ، و محمد بن يوسف الفريابي و بشربن الحارث
المروزي و غير كثير .
فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة وبعضهم صرح مع ذلك
أنه يعاقب بالقتل ، و إلى هذا القول ذهب بعض العلماء من
الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة والظاهرية
و ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر
بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل ، بل يكتفي بتأديبه
وتعزيره تعزيراً شديداً
يروعه و يزجره حتى يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من
كبائر الذنوب والفواحش
المحرمات ، وإن لم يرجع تُكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة
و ممن ذهب إلى هذا القول : عمر بن عبدالعزيز و عاصم الأحول و
الإمام مالك و الإمام أحمد و كثير من العلماء مما جاء بعدهم
و بعد هذا الذي سمعت يا تورنيدو أدعوك أن تتوب إلى الله مما
قلت ، و أن تعلنها في الساحة حتى تكون عبرة لمن لا يعتبر
و لمن لا تعرف معاوية جيداً فأعرفه به : إن معاوية رضي الله
عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفضل الصحابة و أصدقهم لهجة و
أكثرهم حلماً فكيف
يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يهرق دماء المسلمين من أجل
ملك زائل ، و هو القائل :
والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و
بين غيره إلا اخترت الله على سواه
. سير
أعلام النبلاء للذهبي -3/151
و روى الترمذي في فضائل معاوية أنه لما تولى أمر الناس كانت
نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه ، فقالوا كيف يتولى معاوية و في
الناس من هو خير مثل
الحسن و الحسين . قال عمير و هو أحد الصحابة :
لا تذكروه إلا بخير فإني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول
:
اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به
. رواه الإمام
أحمد في المسند (4/216) و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
(3/236) . و زاد
الآجري في كتاب الشريعة لفظة :
ولا تعذبه
. كتاب الشريعة للآجري (5/2436-2437)
إسناده صحيح
و أخرج الإمام أحمد ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
اللهم علم معاوية الكتاب و قه العذاب .
فضائل الصحابة (2/913) إسناده حسن
و أخرج أبو داود و البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي مجلز
قال : خرج معاوية على ابن الزبير و ابن عامر ، فقام ابن عامر و
جلس ابن الزبير ،
فقال معاوية لابن عامر :
اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
من
أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار
. سنن أبي داود (5/398) و
الأدب المفرد (ص339) ، الشريعة للآجري 5/2464
و أخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح ، أن معاوية
رضي الله عنه ، كان إذا لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما قال :
مرحباً بابن رسول
الله وأهلاً ، و يأمر له بثلاثمائة ألف
، و يلقى ابن الزبير رضي الله عنه فيقول :
مرحباً بابن عمة رسول الله وابن حواريه ، ويأمر له بمئة ألف
. البداية والنهاية (8/137) .
و أخرج الآجري عن الزهري قال : لما قتل علي بن أبي طالب رضي
الله عنه و جاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية ، فقال
له معاوية :
لو لم
يكن لك فضل على يزيد إلا أن أمك من قريش و أمه امرأة من كلب ،
لكان لك عليه فضل ،
فكيف و أمك فاطمة بنت رسول صلى الله عليه وسلم
؟! . أنظر كتاب الشريعة (5/2469-2470)
إسناده حسن .
و الذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم بأنه كان
من الزاهدين و الصفوة الصالحين ، روى الإمام أحمد بسنده إلى
علي بن أبي حملة عن
أبيه قال :
رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس و عليه ثوب مرقوع
. كتاب الزهد (ص172) .
و أخرج ابن كثير عن يونس بن ميسر الزاهد - و هو أحد شيوخ
الإمام الأوزاعي - قال :
رأيت معاوية في سوق دمشق و هو مردف وراءه وصيفاً و عليه
قميص مرقوع الجيب و يسير في أسواق دمشق
. البداية و النهاية (8/134) .
و قد أوردت هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية
لمعاوية تخالف الصورة المكذوبة التي كان أعداؤه و أعداء
الإسلام يصورونه بها ، فمن
شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة ، أو أمير المؤمنين ، فإن
سليمان بن مهران -
الأعمش - و هو من الأئمة الأعلام الحفاظ كان يسمى بالمصحف
لصدقه ،
كان يفضل معاوية
على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله
.
و من لم يملأ - أمير المؤمنين - معاوية عينه ، و أراد أن يضن
عليه بهذا اللقب ، فإن معاوية مضى إلى الله عز وجل بعدله و
حلمه و جهاده و صالح
عمله ، وكان و هو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو
الملك . انظر حاشية محب
الدين الخطيب على العواصم من القواصم (ص217)
.
و ذكر ابن العربي في كتابه العواصم أنه دخل بغداد و أقام فيها
زمن العباسيين و المعروف أن بين بني العباس و بني أمية ما لا
يخفى على الناس ، فوجد
مكتوباً على أبواب مساجدها
خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم
عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم
أجمعين
. العواصم من
القواصم (ص229-230) .
و قد سئل عبد الله بن المبارك ،
أيهما أفضل : معاوية بن أبي
سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : و الله إن الغبار الذي
دخل في أنف معاوية مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى
معاوية خلف رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية :
ربنا ولك الحمد . فما
بعد هذا ؟
وفيات الأعيان ، لابن خلكان (3 /33) ، و بلفظ قريب منه عند
الآجري في
كتابه الشريعة (5/2466) .
و أخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال : سمعت رجلاً
يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد
العزيز من معاوية بن
أبي سفيان ؟! فرأيته غضب غضباً شديداً و قال :
لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم أحد ، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه
على وحيه عز وجل .
كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467) شرح السنة لللالكائي ،
برقم (2785) . بسند صحيح .
و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة ، قيل له : أيهما أفضل
معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال :
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس
بهم أحد
. كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح ، و كذلك أخرج نحوه
الخلال في
السنة ، برقم (666) .
فوائد .. قال محب الدين الخطيب رحمه الله : سألني مرة أحد
شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال ما تقول في
معاوية ؟ فقلت له :
و من
أنا حتى اسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة ، و صاحب من خيرة
أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم ، إنه مصباح من مصابيح الإسلام ، لكن هذا المصباح
سطع إلى جانب أربع شموس
ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره
. حاشية محب الدين الخطيب على كتاب
العواصم من القواصم ( ص95) .
و قبل أن أختم ، أورد رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون
في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال :
إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي
أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم ، فهو تاليهم في
الفضل والعدالة والصحبة .
أنظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص213)
.
و ما ضر المسك – معاوية – عطره ، أن مات من شمه الزبال والجعل ..
رغم أنف من أبى
و جزاكم الله خيراً
أخوكم : ذهبي