حقيقة الإجماع عند الشيعة ! .
الإجماع هو الأصل الثالث عند المسلمين بعد الكتاب والسنة .
يقول الله في محكم كتابه : {ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله
ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } . استدل بهذه الآية
علماء الإسلام على أن المخالف لما أجمع عليه المسلمون، متبع
لغير سبيل المؤمنين، وخارج عنهم، وبهذا استدل الشافعي وغيره
على تحريم مخالفة الإجماع . مع الرويات الكثيرة عنه صلى الله
عليه وسلم أن هذه الأمة : لا تجتمع على ضلالة . والحديث تكلم
عليه كثير من نقاد الحديث . واستشهد به كثير من أصحاب الأصول
إحتجاجاً به .
والشيعة هل تقول بهذا الأصل كأهل السنة والجماعة ؟
كعادتنا لن نسوق كلام أهل السنة في بيان ما ذهب إليه الشيعة في
هذا الجانب، ولكن سوف نحاجهم بكتبهم وكلام علمائهم ومشايخهم .
يقول ابن المطهر الحلي : (الإجماع إنما هو حجة عندنا )، وليت
هذا الأمر يقف عند هذا الحد فنسلم لهم بموافقة أهل السنة على
ذلك؛ بل إن الشيعة تنحو منحىً آخر في تفسير معنى الإجماع .
فالاجماع عندهم لا ينعقد و لايصح إلا إذا كان موافقاً لقول
المعصوم . فيقول المطهر بن الحلي : (الإجماع إنما هو حجة عندنا
لا شتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول
الإمام في جملة أقوالها ، فإجماعها حجة لأجله، لا لأجل الإجماع
) [تهذيب الوصول إلى علم الأصول : ص 70] .
وعلى هذا لو اجتمع علماء المسلمين كلهم من السنة والشيعة لم
ينعقد الإجماع إلا إذا وافق قول الإمام المعصوم ، ولو اجتمع
اثنان من العلماء لكان اجماعاً معتبراً !! . وبهذا يتبين أن
الأجماع عند الشيعة ليس من شرطه إجماع الأمة؛ بل بوجود نص
المعصوم . ففي معالم الدين قالوا: (أما الإجماع فعندنا هو حجة
بانضمام المعصوم ، فلو خلا المائة، من فقهائنا عن قوله لما كان
حجة ، ولو كان في اثنين لكان قولهما حجة ، لا باعتبار اتفاقهما
بل باعتبار قوله ) [ص405] .
وقد أوضح محمد جواد مغنية –وهو من شيوخهم المعاصرين – عن مذهب
الشيعة في الإجماع فقال : (أن ثمة تبايناً بين موقف متقدمي
الشيعة وبين موقف متأخريهم من مسألة الإجماع، حيث اتفق
المتقدمون (من الشيعة) على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب،
والسنة، والإجمع، والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى
كادوا يجعلونه دليلاً على كل أصل وكل فرع، وعد المتأخرون لفظ
الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه، بل لم يعتمدوا عليه إلا
منضماً مع دليل آخر في أصل معتبر ) [أصول الفقه للشيعة
الإمامية بين القديم والحديث/ بحث بمجلة رسالة الإسلام، السنة
الثانية، العدد الثالث: ص 284-286] .
قلت : ولم يسلم بعض مشايخ الشيعة بما تضمنه كلامه عن المتأخرين
، فهذا الشعراني في تعاليق علمية على شرح جامع
المازندراني[2/414] : يؤكد على أن الإجماع حجة مستقلة ثم ساق
نصوصاً عن بعض مشايخهم و علمائهم . وهذا يوضح أن علماء ومشايخ
الشيعة المعاصرين مختلفون في هذا الأصل . وأرجع الشيخ القفاري
حفظه الله ، الخلاف في هذا بين الأصوليين والإخباريين من
الشيعة ، فالأولون ذهبوا إلى حجية الإجماع . والأخباريون جعلوا
وجود قول المعصوم شرطاً في قبوله .
وقبل أن نختم هذا المبحث لا بد أن نوضح حقيقة مهمة جداً وهي :
أن الإجماع الذي يسوقه مشايخ الشيعة وعلمائهم يضاد بعضه بعضاً
، بل إن إجماعهم أصبح كرواياتهم تضارب بعضها بعضاً !! . وقد
اشتكى بعض مشايخ الشيعة من استفحال هذا الأمر .
فهذا الطريحي صاحب جامع المقال يقول عن ابن بابويه القمي
الملقب عنده بالصدوق إنه : (... ليدعي الإجماع في مسألة ويدعي
إجماعاً آخر على خلافها وهو كثير ) [جامع المقال فيما يتعلق
بأحوال الحديث والرجال : ص 15] .
وهذا النوري الطبرسي يقول : ( ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع
الإمامية على أمر وإن لم يظهر به قائل !!!) [فصل الخطاب :
ص34] . قلت : وهذه طامة كبرى . فإنه من الممكن أن يُدعى
الإجماع على أمر قال به إثنان أو ثلاثة ونحو ذلك، أما أن يُدعى
الإجماع على أمر لم يقل به أحد فهذه شنيعة كبرى !! .